أهمية تفعيل سياسات اقتصاد الحرب لتعزيز الأمن القومى الاقتصادى
25-3-2026

عائشة غنيمي
* خبير اقتصادي ومسئول برامج وعلاقات دولية

يعد الأمن القومي الاقتصادي أحد الركائز الاستراتيجية لتعزيز الأمن القومي، حيث الحفاظ على الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي في خضم تفاقم الأزمات الداخلية والخارجية، فضلًا عن ضمان توافر الموارد الأساسية وعدالة توزيعها بين المواطنين، وتعزيز جودة الخدمات العامة المقدمة، وخفض معدلات الفقر متعدد الأبعاد، والقضاء على التداعيات السلبية التي قد تحول دون تحقيق أهداف التنمية المستدامة المستهدفة.

فالاستقرار الاقتصادي يشكل ركيزة أمنية استراتيجية تعزز من صمود الدول في ظل الأزمات والحروب والصراعات. إذ إن تعزيز صلابة الاقتصاد من الأهداف الاستراتيجية للحفاظ على الأمن القومي الاقتصادي، حيث تحقيق الاكتفاء الذاتي والحد من الاعتماد على القطاع الخارجي في تمويل الأهداف التنموية وتغطية النفقات الاستهلاكية والاستثمارية. فكلما اعتمدت اقتصادات الدول النامية والناشئة على تمويل القطاع الخارجي، كلما تفاقمت التداعيات السلبية على اقتصادات تلك الدول عند اندلاع الحروب والأزمات الخارجية. وفي هذا الصدد تعتبر سياسات اقتصاد الحرب من السياسات ذات الأولوية خاصة في ظل تفاقم الحروب والصراعات والنزاعات إقليميًا ودوليًا. ويُعرف اقتصاد الحربWar economyبأنه مجموعة من إجراءات الطوارئ التي تتخذها الدولة لتعبئة اقتصادها للإنتاج خلال فترة الحرب، من خلال وضع نظام لإنتاج الموارد وتعبئتها وتخصيصها لدعم المجهود الحربى. كما يعرف "اقتصاد الحرب" بتوظيف الاقتصاد كجزء مهم من استراتيجية الحرب التي تخوضها الدول، بحيث يكون التركيز على توجيه مواردها الاقتصادية لتلبية احتياجات قواتها المسلحة ودعمها اللوجستي. ويُعرف أيضًا "اقتصاد الحرب" بأنه إجراءات اقتصادية تتخذها الدول عندما تتأثر أوضاعها الاقتصادية بحروب مُحيطة بها وانخراطها في هذه الحروب كأحد الأطراف.

وفي هذا الصدد فإن زيادة درجات التصعيد في الحرب الإيرانية-الإسرائيلية-الأمريكية–الخليجية تشكل تهديدًا جسيمًا للأمن القومي الإقليمي والدولي ومن ثم الأمن الاقتصادي على حد سواء، وعليه تنتهج بعض الدول استراتيجيات اقتصاد الحرب من أجل احتواء تداعيات الحرب حيث هشاشة وخلل الإمدادات من السلع الاستراتيجية والخدمات اللوجستية، فضلًا عن إمدادات الغاز الطبيعي، والكهرباء، والموارد الاستراتيجية، بالإضافة إلى اضطراب حركة التجارة الدولية والملاحة الدولية، والآثار السلبية الاقتصادية جراء تداعيات ارتفاع أسعار الصرف، وأسعار السلع الاستراتيجية، والمعادن، ومواد البناء والتشييد، والمواد الخام.

تجدر الشارة إلى أن انتهاج سياسات اقتصاد الحرب يُعد أحد الآليات الاستراتيجية المهمة لتأمين اقتصاديات الدول ضد المخاطر الاقتصادية، خاصة في ظل اتساع دائرة الحروب على الساحة الإقليمية والدولية. وذلك بما يضمن الحفاظ على الأمن القومي الاقتصادي، حيث تعزيز شبكة الحماية الاجتماعية والحفاظ على تسريع وتيرة تحقيق أهداف التنمية المستدامة خاصة في الدول النامية والناشئة.

وتتمثل إجراءات اقتصاد الحرب في تدبير السلع الأساسية، وترشيد الإنفاق الحكومي، والحد من الرفاهية، وتخفيض نسبة الواردات، وتشجيع الإنتاج والتصنيع المحلي، وزيادة معدلات الادخار، مما يسهم في زيادة الإنتاج المحلى وتوجيه الإيرادات العامة للأولويات الاقتصادية بهدف الحفاظ على المستوى المعيشي للمواطنين وتحقيق التنمية المستدامة.

وفي ضوء ما تقدم اتخذت الحكومة المصرية عددًا من الإجراءات الطارئة والعاجلة لترشيد الاستهلاك خاصة موارد الطاقة وتوفير مخزون استراتيجي يؤمن الاحتياجات الأساسية في ضوء توصيات اللجنة العليا لإدارة الأزمات، وذلك من أجل الحد من التأثيرات السلبية للحرب الإقليمية على مختلف المجالات الاقتصادية والاجتماعية.وتضمنت الإجراءات تخفيف أحمال استهلاك الكهرباء والتي تتمثل في إنارة الشوارع العامة، والمحال التجارية، واللوحات الإعلانية بالإضافة إلى تقليص عدد ساعات الإنارة ليلًا لترشيد استهلاك الطاقة، فضلًا عن تخفيض استهلاك الوقود والغاز الطبيعي والمواد البترولية، مثل إرجاء بعض المشروعات كثيفة الاستخدام للطاقة، وتخفيف الضغط على استهلاك المواصلات العامة والخاصة والحد من الأعباء والتكاليف المالية، ودراسة العمل عن بعد في القطاعين الخاص الحكومي، مما يوفر في استهلاك الطاقة لملايين من الموظفين ويحد من تآكل الرواتب في تغطية النفقات الاستهلاكية، ومن ثم تخفيف الأعباء المالية على الحكومة في صرف زيادات مُتعاقبة في الرواتب والبدلات للتصدي لمعدلات التضخم المرتفعة. وهذه الإجراءات تطبقها أيضًا الدول المتقدمة والمؤسسات الدولية بوجه عام كجزء لا يتجزأ من استراتيجيات الحكومات المتقدمة ليس وقت الحروب فحسب بل بشكل منتظم ومستدام، حيث ترشيد الاستهلاك أولوية أولى لضمان تحقيق الأمن الاقتصادي والتنمية المستدامة. إذ تطبق الدول الأوروبية نظام ترشيد الاستهلاك بانضباط حيث غلق المحال التجارية والمطاعم والمقاهي وأماكن الترفيه في تمام الخامسة أو السادسة مساءً كحد أقصى ماعدا أيام العطلة الأسبوعية، كما أن معدل استخدام المواصلات الخاصة يعد منخفضًا حيث الاعتماد على وسائل المواصلات العامة الكهربائية ذات الجودة المتقدمة والتغطية الشاملة لكافة المناطق، ومن ثم تنخفض نسب الازدحام المروري والاستهلاك الكثيف للطاقة. كما أن مؤسسات العمل المختلفة تطبق معايير العمل العالمية وتطبيق نظم العمل عن بعد لترشيد الاستهلاك والحد من تآكل الرواتب في تغطية النفقات الاستهلاكية.

الجدير بالذكر أن استيراد مصر من الغاز الطبيعي ارتفع بعد اندلاع الحرب وارتفعت إلى مليار و650 مليون دولار، مقارنة بـ 560 مليون دولار قبل اندلاع الحرب. هذا إلى جانب ارتفاع الفواتير الشهرية لاستيراد المواد البترولية لضعفين ونصف بسبب الحرب في الشرق الأوسط، وعليه يتعين ضرورة ترشيد الاستهلاك في الطاقة لتقليل الفاتورة الاستيرادية، وقد نجحت الدولة المصرية في اتخاذ التدابير الاستباقية من حيث تعزيز مرونة وصلابة الاقتصاد المصري وتسريع وتيرة تنفيذ الإصلاحات الهيكلية التي جعلت الاقتصاد المصري قادرًا على احتواء تداعيات الأزمات العالمية والحروب والصراعات الإقليمية والدولية، فضلًا عن تنويع مصادر الإيرادات والحفاظ على الاستقرار المالي والنقدي والمصرفي، وصولًا لتنفيذ استراتيجيات وطنية تسهم في تحقيق الاكتفاء الذاتي من السلع الاستراتيجية، إلى جانب هيكلة السياسات المالية والنقدية بما يدعم حوكمة وترشيد الإنفاق الحكومي وتعزيز الإنفاق الاستثماري وتمكين القطاع الخاص، وحوكمة استدامة الدين العام، بالإضافة إلى تعزيز تعبئة الإنفاق العسكري وبناء القواعد العسكرية وتعبئة الأسلحة العسكرية وتنويعها من أفضل التقنيات الحديثة. الأمر الذي عزز من المخزون الاستراتيجي العسكري.

أخيرًا وليس آخرًا فإن إجراءات اقتصاد الحرب لا تقتصر فقط على الدول التي تنخرط كأحد الأطراف في الحروب والصراعات والنزاعات، بل أيضا على الدول التي قد تتأثر سلبا اقتصاديا بشكل مباشر أو غير مباشر من جراء التداعيات الاقتصادية والمالية الناجمة عن اندلاع هذه الحروب والصراعات والنزاعات، التي تتسبب في زعزعة الاستقرار السياسي ومن ثم تهديد الأمن القومي الاقتصادي خاصة في الدول المجاورة لهذه الاضطرابات السياسية والأمنية، والتي تؤثر بشكل رئيسي على سلاسل الإمداد وحركة التجارة الإقليمية والدولية والملاحة الجوية وأيضا حركة السياحة وزعزعة استدامة تدفق الاستثمار الأجنبي المباشر وغير المباشر.

وتتخذ كل دولة التدابير اللازمة في حالة انتهاج سياسات "اقتصاد الحرب"، بما يتوافق مع أوضاعها الداخلية على صعيد الوضع الاقتصادي، والسياسي، والاجتماعي محليًا.


رابط دائم: