شهدت الأيام الأخيرة لحرب رمضان، سلسلة اغتيالات طالت قيادات ذات مواقع استراتيجية مؤثرة في إيران، شملت أمين المجلس الأعلى للأمن القومي، ووزير الاستخبارات الإيرانية،وكبير مسئولي الاستخبارات في قوات الباسيج شبه العسكرية، والمتحدث باسم الحرس الثوري، إضافة إلى قائد القوة الجو-فضائية للحرس الثوري في أصفهان، وقائد القوات الخاصة في محافظة فارس، وقائد شرطة طهران.
ما وراء الاختراق الأمني في إيران:
لا يمكن إنكار وجود اختراق أمني في إيران، خاصة وأنها أعلنت في اليومين الأخيرين عن حملات اعتقال واسعة استهدفت عملاء للموساد، لكن هذا ليس السبب الوحيد لضعف إيران أمنيًا رغم كونها دولة بوليسية بامتياز.إذ تخوض إيران حربًا هجينة تتداخل فيها هيمنة رقمية غربية شاملة، تبدأ من منصات التواصل الاجتماعي، مثل (فيسبوك، وإنستجرام، وواتساب، وإكس)، وصولا إلى أدوات الذكاء الاصطناعي التي يوظفها الموساد ووكالة الأمن القومي الأمريكي، والتي تتيح تحديد مواقع المسئولين وتتبع تحركاتهم بدقة متناهية، وهذا يضعنا أمام سيناريو يشبه واقعة البيجر اللبنانية، ولكن بنطاق أوسع وأكثر تعقيدًا يتقاطع فيه البعد المؤسسي والتقني بالأمني.
من زاوية أخرى، ثمة نقطة بالغة الأهمية هنا، وهي أن خرق سيناريو البيجر لم يقتصر على تطبيقات ميتا أو شبكة الإنترنت فحسب، بل طال العتاد الصلب(Hardware) ذاته. وهي حادثة تُعرف في عالم الاستخبارات بعملية شلل الحواسيب، أو ما كشفه إدوارد سنودن عن وحدة(TAO) في وكالة الأمن القومي الأمريكية، إذ كانت هذه الوحدة تعترض أجهزة السيرفرات وأجهزة التوجيه(Routers) المتجهة لدول بعينها، لتقوم بفتح الصناديق وزرع رقائق تجسس دقيقة(Trojan Chips) ثم تعيد إغلاقها وشحنها كأنها جديدة.
وبما أن إيران تعتمد جراء العقوبات على شبكات شراء رماديةووسطاءلتأمين احتياجاتها التقنية، فقد غدت بيئة خصبة لزرع أجهزة مفخخة أو رقائق "تروجان" داخل أجهزة الاتصال اللاسلكي، والرادارات، وحتى أنظمة التكييف والتحكم في المفاعلات ومحطات الغاز.وبرغم ذلك لا تقتصر الاختراقات على الرقائق المادية فحسب، بل يتم دمج البيانات المستقاة من المصادر المفتوحة(OSINT) مع صور الأقمار الصناعية، ومن ثم تحليل أنماط الحركة عبر الذكاء الاصطناعي. هذا التكامل التقني يجعل من مجرد وجود هاتف ذكي واحد في محيط القادة بمثابة منارة توجيه للصواريخ.
وبناء على ذلك الحل الوحيد المتبقي أمام إيران هو إعادة تجربة احتجاجات البازار 2026، وتحويل البلاد إلى جزيرة معزولة بالكامل عن الشبكة العالمية على غرار نموذج كوريا الشمالية وسور الصين الرقمي. ولكن العائق الأكبر أمام هذا القرار المصيري هو رغبة إيران في الاستمرار بإيصال صور جرائم الحرب التي ترتكبها إسرائيل وأمريكا بحق المدنيين إلى الرأي العام العالمي بالإضافة إلى تفوقها العسكري الذي يتم تعتيمه عربيا ودوليا، وهو ما يجعل قرار الإغلاق الرقمي الشامل بمنزلة انتحار إعلامي يعيق كشف الحقائق.
إيران تجدد قواعد الاشتباك:
راهنت الإدارة الأمريكية وإسرائيل على تآكل قوة الردع الإيرانية عبر اغتيال قيادات الصف الأول، معتقدين أن الاختراقات الأمنية ستؤدي بالضرورة إلى تراجع الهجمات الصاروخية، إلا أن طهران وردًا على تهديدات ترامب، قلبت الطاولة باستهداف قاعدة دييجو جارسيا المشتركة بين الولايات المتحدة وبريطانيا، في رسالة تهديد مباشرة للمنظومة الأمنية الغربية والإسرائيلية على حد سواء، لا سيما وأنها حطمت حاجز المدى الصاروخي الطوعي المحدد بـ 2000 كم، وانتقلت إلى مدى يتجاوز 4000 كم، وهو تحول يعني تقنيًا الانتقال من فئة الصواريخ متوسطة المدى إلى حيز الصواريخ العابرة للقارات، وبالتالي وضع العمق الأوروبي وقواعد المحيط الهندي الحصينة تحت رحمة النيران الإيرانية.
في المقابل أكدت هذه الضربة صحة الهلع الإسرائيلي الذي أعقب حرب الـ 12 يومًا، حين حشدت تل أبيب منصاتها الإعلامية للتحريض على ضرورة تدمير القدرات الصاروخية الإيرانية المتنامية، واليوم يمكن الجزم بأن أحد الأسباب الجوهرية لاندلاع هذه المواجهة هو استعصاء الملف الصاروخي على طاولة المفاوضات، فبينما رفضت إيران بقوة إدراج قدراتها الباليستية في أي مقايضة، أصرت إسرائيل على تصفيتها، ومن هنا تصاعد الضغط على واشنطن للانقضاض على طهران قبل فوات الأوان.ومع هذا يمكن استنباط حجم التفوق الإيراني من حالة الشلل الدفاعي الإسرائيلي في التعامل مع الصواريخ الانشطارية والعنقودية، وتطوير طهران لذكاء هجومي يتفوق بمراحل على خوارزميات الذكاء الاصطناعي في أنظمة الاعتراض الإسرائيلية.
مع الأخذ في الاعتبار أن بناء صاروخ يصل لمدى 4000 كم بتكنولوجيا الوقود الصلب يتطلب محركات ضخمة وهندسة معقدة للغاية، ومن الناحية العسكرية الدولية، لا يوجد منطق استراتيجي لبناء صواريخ بهذا المدى لتحمل متفجرات تقليدية TNT، إذ إن التكلفة التقنية والاقتصادية لا تبرر مثل هذه الحمولة البسيطة، فمنطق العقيدة العسكرية يختصر المشهد في معادلة مفادها أن الصاروخ العابر للقارات هو غطاء محتمل للجوء النووي، وبناءً عليه فإن الوصول لهذا المدى هو إعلان غير رسمي عن امتلاك رءوس نووية أو القدرة الفورية على تركيبها.وبما أن إيران بلغت نسبة تخصيب 60% وهددت مرارًا بالوصول إلى 90%، فإن تصغير الرأس النووي ليلائم قمة الصاروخ الباليستي يمثل المرحلة التقنية الأخيرة في هذا المسار، والأهم من ذلك ألا ننسى التحول الأيديولوجي في الداخل الإيراني، فقد غاب صاحب فتوى تحريم الأسلحة النووية، ليحل محله نفوذ مدرسة مصباح يزدي وتيار تثوير الحوزة، أولئك المتبنون لعقيدة النضال الثوري المفتوح التي لا تعترف بالقيود التقليدية.
إطالة أمد الحرب مقابل التهدئة:
من يتابع مجريات حرب رمضان المفروضة على إيران، يلاحظ أن الأخيرة لم تفعل ورقة الحوثي في الحرب الدائرة، مع العلم أنها لو تحركت بالتوازي مع التصعيد في مضيق هرمز، لحققت طهران جُل أهدافها المتمثلة في إحداث شلل كامل للاقتصاد العالمي وتكبيد خصومها خسائر فادحة. والعامل الأبرز باختصار، في تقديري، هو مصر. وبما أن إيران تُشيطن حاليًا كدولة تنتهك سيادة دول الخليج، رغم رسائلها الواضحة بأن استهداف القواعد الأمريكية في البداية كان لتعطيل أجهزة الإنذار المبكر وفتح المجال أمام صواريخها. ثم انتقلت للتصعيد باستهداف البنية التحتية الخليجية المشتركة مع أمريكا بعدما استهدفت إسرائيل وأمريكا بنيتها التحتية، وصولًا لتصعيد الهجمات على الإمارات والبحرين عقب تقرير صحيفة وول ستريت جورنال الذي كشف مشاركتهما الميدانية وسماحهما باستخدام أراضيهما ومجالهما الجوي لضرب العمق الإيراني.
ومع هذا كله لا تزال طهران تؤكد أن تصعيدها يندرج تحت بند الدفاع عن النفس وأن إغلاق مضيق هرمز يأتي لرفض الوصاية الأمريكية وتكبيد الدول الخليجية التي شاركت واشنطن الحرب خسائر فادحة، عبر إثبات أن كلفة الحرب على إيران باهظة اقتصاديا وعسكريا.ومع ذلك فإن تحريك إيران ورقة الحوثي لتعطيل الملاحة في البحر الأحمر ومضيق باب المندب سينعكس كارثيا على قناة السويس، وهو ما يمثل خطرًا وجوديًا وخطًا أحمر للأمن القومي المصري. وإيران، في اتصالها الأخير بمصر، أوضحت أن تصعيدها يهدف لحماية سيادتها والانتقام ممن استباحوا دماء مواطنيها، وليس استهداف الشركاء الإقليميين المحتملين.لأجل هذا اختارت إيران الضغط عبر ورقة مضيق هرمز لتلقين دول الجوار كلفة التآمر ضدها، بينما غضت الطرف عن تحريك الحوثي حاليا حرصا منها على مسار التقارب مع مصر. فهي تدرك أن أي مغامرة في باب المندب ستدمر مساعي التقارب الأخيرة، وستثبت الرواية الأمريكية بأن إيران هي العدو الحقيقي للعرب وليس إسرائيل.بيد أن اللافت هو تصاعد حدة التهديدات الأمريكية باستهداف شبكة الكهرباء الإيرانية ومنحها مهلة 48 ساعة، بعدما فشلت الضربة الأمريكية-الإسرائيلية في تعطيل حقل بارس الجنوبي الذي يمثل عصب الكهرباء في إيران، لينشر الحرس الثوري بنك أهدافه الجديدة والتي ستشمل منطقة الظفرة-أبوظبي، جبل علي-جنوب دبي، مجمع الطاقة الشمسية محمد بن راشد- جنوب دبي،محطة القرية للغاز-ساحل الخليج العربي بالقرب من الخبر، رأس تنورة- المحافظة الشرقية السعودية، رأس لفان-قطر، أم الحول-الدوحة، الزور الجنوبي والشمالي-جنوب الكويت، ومجمع الشقايا للطاقة المتجددة-غرب الكويت. غير أن إسرائيل لم تلبث واستهدفت منشآةنطنز النووية، لترد إيران باستهداف محيط مفاعل ديمونة وعراد وتقحم إسرائيل بخسائر كبيرة.
الأمر هنا أن موقف نتنياهو تغير تمامًا، وأعلن أن إدارته أجرت محادثات جيدة ومثمرة للغاية بشأن التوصل إلى حل كامل وشامل للأعمال العدائية في الشرق الأوسط. استنادًا إلى مضمون هذه المحادثات أصدر تعليماته لوزارة الحرب بتأجيل جميع الضربات العسكرية ضد محطات الطاقة الإيرانية وبنيتها التحتية للطاقة لمدة خمسة أيام رهنا بنجاح الاجتماعات والمناقشات الجارية.لكن على النقيض ووفقا لبيانات نظام التعرف الآلي(AIS) التي اطلعت عليها شبكة CNN، بأن آلافا من قوات مشاة البحرية (المارينز) والبحارة متمركزين على سفينة الهجوم البرمائيةUSS Tripoli والتي غادرت كاليفورنيا 20 مارس 2026، وستستغرق عادة ما بين 20 إلى 25 يوما كحد أدنى لتصل إلى بحر العرب أو خليج عمان، وذلك إذا تحركت السفينة بسرعة ثابتة (نحو 20 عقدة).هذا التباين لا يبدو مجرد محاولة لتحسين شروط التفاوض الأمريكي، بل استراتيجية مكشوفة لشراء الوقت حتى وصول التعزيزات الأمريكية الضاربة.
الخاتمة:
جملة ما أعلاه أنه في حال وجود نية أمريكية للتفاوض، يظل من المستبعد جدا أن تقبل طهران بالعودة إلى الطاولة دون ضمانات ملموسة تحول دون تكرار سيناريوهات المفاوضات السابقة التي أفضت في النهاية إلى الانفجار العسكري الراهن.حتى أن التلفزيون الإيراني قبل دقائق، نفى إجراء أي محادثات مع واشنطن، وواصفا ادعاءات ترامب بالكاذبة، ومعتبرا أن التراجع الإسرائيلي المهين عن استهداف البنية التحتية للكهرباء لم يكن ثمرة للدبلوماسية، بل نتيجة مباشرة لتهديد إيران الحاسم والساحق بالانتقام.ولا يغيب عن المشهد أن صاحب اليد العليا اليوم في إيران هم حراس الثورة، الذين باتوا يتحركون بلا كابح يقيد اندفاعهم كما كان يفعل علي خامنئي سابقًا، مما يعني أن قرار السلم لن ينضج إلا بتحقيق انتصار استراتيجي مرهون بتراجع الإدارة الأمريكية، لفرض مطالبهم التي سبق وكشف عن ملامحها أول خطاب مكتوب لمجتبى خامنئي وهى:
1- فرض سيادة دائمة على مضيق هرمز تتيح تقرير رسوم عبور من ناقلات النفط.
2- إجبار واشنطن على دفع تعويضات كاملة عن خسائر الحرب وتحرير الأصول المجمدة.
3- التمسك المطلق بحماية البرنامج الصاروخي ورفض التفاوض حوله، وضمان حق التخصيب السلمي لليورانيوم.
4- السعي لإغلاق القواعد الأمريكية في دول الخليج، وأعتقد أن التحرك القادم سيكون خليجيا بامتياز بعد أن ثبتت عدم جدوى هذه القواعد في توفير الحماية لهم، بل تكشفت حقيقتها كمنصات متقدمة لحماية أمن إسرائيل بالدرجة الأولى.