مصر داخل المعادلة.. خارج الحرب
17-3-2026

أمانى القصاص
* مساعد رئيس تحرير الأهرام

في زمن تتقدم فيه الصواريخ على الحكمة يصبح الاتزان موضع شك ويعاد تفسير العقل باعتباره ضعف بينما الحقيقة أكثر عمقا مما يبدو على سطح الضجيج فالموقف المصري في أزمة الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران ثم الرد الإيراني على القواعد والمصالح الأمريكية في الخليج لم يكن تراجعا ولا تخليا بل كان تعبيرا دقيقا عن دولة تعرف حدودها وحدود الآخرين وتدرك أن الدخول في كل معركة ليس دليلا على القوة بل أحيانا يكون أقصر الطرق إلى الاستنزاف.

منذ اللحظة الأولى لانفجار المشهد أواخر فبراير اختارت القاهرة لغة التحذير لا التحريض وأكدت أن المنطقة تقف على حافة فوضى شاملة وأن اتساع الحرب لن يترك أحدا خارج دوائر الخطر لم يكن هذا الموقف حيادا باردا بل كان محاولة مبكرة لإيقاف انزلاق إقليمي واسع لكن مع تطور الأحداث وانتقال الرد الإيراني إلى استهداف مواقع داخل دول عربية تغيرت نبرة الخطاب المصري دون أن يتغير جوهره فأعلنت القاهرة بوضوح أن استهداف أي دولة عربية هو انتهاك مرفوض لسيادتها وأن أمن الخليج جزء لا يتجزأ من أمنها القومي.

هنا تحديدا ظهرت الإشكالية التي أسيء فهمها هل كان على مصر أن تتحول إلى طرف مباشر في الحرب حتى تثبت تضامنها والإجابة أن هذا الطرح في جوهره يخلط بين الدعم والتورط فالقواعد التي انطلقت منها العمليات العسكرية ضد إيران ليست مصرية ولم تكن القاهرة طرفا في قرار استخدامها ولا في طبيعة إدارتها وبالتالي فإن تحميل مصر مسؤولية ردود الفعل على هذه القواعد هو تحميل غير منطقي لدولة لم تكن شريكا في قرار الحرب.

في الخليج تنتشر منظومة عسكرية أمريكية كبيرة تضم عشرات الآلاف من الجنود وتشكل جزءا من ترتيبات أمنية اختارتها تلك الدول في سياق حساباتها الخاصة هذه المنظومة حين تتحول إلى منصة إطلاق صواريخ تصبح تلقائيا هدفا في منطق الصراع لكن ذلك لا يعني أن تتحول كل دولة عربية إلى طرف في هذه المعادلة ولا أن تتحمل مصر تكلفة صراع لم تشارك في صناعته.

الحياد المصري لم يكن انسحابا بل كان موقفا دفاعيا عن فكرة الدولة ذاتها فمصر التي تواجه ضغوطا اقتصادية معقدة لم تكن بعيدة عن تداعيات الحرب بل تأثرت بشكل مباشر من اضطراب الأسواق وخروج استثمارات وتراجع العملة واهتزاز إمدادات الطاقة وفي ظل هذه الظروف يصبح الانخراط في حرب مفتوحة قرارا لا يمكن وصفه إلا بأنه مغامرة غير محسوبة العواقب.

ورغم ذلك لم تقف القاهرة بعيدا عن الخليج بل تحركت سياسيا ودبلوماسيا وأكدت في كل اتصالاتها أن أمن الخليج ليس مسألة خارجية بل امتداد طبيعي للأمن المصري وقدمت دعما واضحا على مستوى المواقف والتحركات دون أن تتجاوز الخط الفاصل بين المساندة والتورط وهو خط دقيق لا تستطيع الحفاظ عليه إلا الدول التي تمتلك رؤية استراتيجية لا انفعالا مؤقتا.

العلاقات المصرية الخليجية أعمق من أن تختزل في لحظة حرب فهي شبكة ممتدة من المصالح والتداخل الإنساني والاقتصادي والاستراتيجي تمتد عبر سنوات طويلة هذه العلاقة لا تقاس بمستوى الانخراط العسكري بل بقدرتها على الصمود في لحظات الاختبار وعلى إعادة تعريف أدوارها بما يحفظ توازنها واستمراريتها.

الخليج في هذه الأزمة لم يكن يبحث فقط عن قوة عسكرية إضافية بل عن سند سياسي وصوت عقل قادر على إعادة التوازن إلى مشهد يزداد تعقيدا ومصر بحكم موقعها وخبرتها كانت الأقدر على لعب هذا الدور فحين تتصاعد أصوات الحرب تصبح الحاجة أكبر لمن يحاول إطفاءها لا لمن يضيف إليها.

كما أن الموقف المصري لم يكن جامدا بل تطور مع تطور المشهد فانتقل من التحذير إلى الاحتواء ثم إلى التأكيد على حماية الدول العربية من تداعيات الصراع هذا التطور لم يكن تناقضا بل تعبيرا عن قراءة دقيقة للواقع وعن قدرة على التكيف مع متغيراته دون التخلي عن الثوابت الأساسية.

في قلب هذا كله كان هناك إدراك مصري واضح بأن الحرب الدائرة ليست مجرد مواجهة إقليمية بل جزء من صراع أكبر تديره قوى دولية وفق حساباتها الخاصة وأن الانخراط فيها دون امتلاك أدوات التأثير الحقيقية يعني فقدان القرار قبل أي شيء آخر.

لهذا فإن حياد مصر لم يكن موقفا رماديا بل كان موقفا صلبا يتطلب شجاعة من نوع مختلف شجاعة أن ترفض الانجرار حين يندفع الجميع وأن تحافظ على توازنك في لحظة اختلال شامل وأن تبقى قادرا على حماية نفسك دون أن تدير ظهرك للآخرين.

في النهاية العروبة ليست اختبارا في عدد الطلقات بل في القدرة على حماية الأوطان دون التفريط في الأشقاء ومصر في هذه اللحظة حاولت أن تمسك بهذه المعادلة الصعبة أن تكون حاضرة دون أن تكون مستنزفة وأن تدعم دون أن تتورط وأن تبقى داخل المعادلة دون أن تذوب في ناره.


رابط دائم: