الأبعاد القانونية للمباشرة في استخدام القوة في النزاعات.. دراسة في مشروعية العمليات العسكرية المتبادلة وتأثيرها على الأمن الإقليمي وحرية الملاحة الدولية
16-3-2026

ماهيتاب أحمد قمحة
* ماجستير المعاملات الدولية القانونية والتجارية واللوجستيات

شهد صباح السبت 28 فبراير 2026، ضربات مفاجئة قامت بها الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل لاستهداف مناطق متفرقة في إيران، خاصةً عدة مواقع بطهران منها القصر الرئاسي، وأسفرت عن مقتل المرشد الأعلى للثورة الإسلامية الإيرانية علي خامنئي وعدد من القيادات، كما أعلن الرئيس الأمريكى دونالد ترامب، عبر رسالة مصورة نُشرت من خلال مواقع التواصل الاجتماعي، أن القصد من الضربة هو تدمير القدرات العسكرية والصاروخية الإيرانية بالإضافة لمنع إيران من امتلاك أي سلاح نووي والإطاحة بنظام الحكم. وجاء هذا في خضم المفاوضات القائمة آنذاك لبحث القضايا العسكرية والنووية بين الدول الثلاث. ردًا على تلك الهجمات دشنت إيران عملية "الوعد الصادق4" وقامت بإطلاق العديد من الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة التي استهدفت إسرائيل والقواعد الأمريكية العسكرية في المنطقة، ومنها السعودية، والإمارات، والكويت، والبحرين،  وقطر، وعمان.

نهدف فيما يلى إلى تحليل الموقف القانوني للضربات العسكرية من جانب (الولايات المتحدة وإسرائيل)، والمبررة"بحق الدفاع الشرعي" وارتباطه بالمادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة (حق الدفاع عن النفس) وشروط تطبيقه من جهة، ومن جهة أخرى بحث مشروعية الرد الإيراني في منطقة الخليج والشرق الأوسط بضرب القواعد العسكرية الأمريكية، ومدى توافقها مع القانون الدولي الإنساني، والشرعية الدولية، وموقف إيران تجاه مضيق هرمز.

التكييف القانوني للضربات الاستباقية من حيث مفهوم الدفاع الوقائي وحق الدفاع عن النفس

في ظل المشهد الحالي المتسارع، يجب الوقوف قليلا أمام ما أدى إليه من الأساس، فقد وضعت الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل العالم أجمع أمام واقع عسكري يفتقر للسند القانوني، فبالرغم من مزاعم الرئيس الأمريكي ترامب حول منع "الخطر النووي" إلا أن هذه الحجج تصطدم بشكل واضح وصريح بضوابط القانون الدولي:

1- الدفاع الوقائي: حين يسبق الهجوم العدوان المفترض فإن الأساس في المادة (51) من ميثاق الأمم المتحدة هو وجود "هجوم مسلح" فعلي ومباشر. وما حدث مع إيران والذي أسموه "الدفاع الوقائي"، هو ضرب الخصم لمجرد الشك في نواياه المستقبلية. فمن الناحية القانونية، لا يمكن اعتبار الرغبة في منع إيران من امتلاك سلاح نووي مبررًا كافيًا لشن هجوم شامل واغتيال قيادات ذات أهمية، خاصة أن الضربة جاءت والمسار الدبلوماسي لم يُغلق بعد. هذا النوع من العمليات يُصنف كعدوان ليس دفاعا شرعيا، وذلك لافتقاره عنصر الضرورة القصوى التي تبيح استخدام القوة.

2- التناسب والغاية: هل هو إجراء وقائي أم إسقاط نظام؟ يشترط القانون الدولي أن يكون الرد الدفاعي متناسبًا مع حجم التهديد. وهنا تكمن المعضلة القانونية في استهداف القصر الرئاسي، وعدة مواقع مدنية، واغتيال المرشد الأعلى وقيادات النظام. هذا التجاوز للأهداف العسكرية البحتة يشير بوضوح إلى أن الغاية لم تكن مجرد الدفاع، بل كانت تغيير نظام الحكم "كما صرح الرئيس ترامب"، وهو ما يخرق مبدأ السيادة الوطنية. إن مبدأ التناسب في القانون الدولي يمنع تحويل حق الدفاع عن النفس إلى أداة لتقويض الدول، وهو ما يجعل الضربة الأمريكية-الإسرائيلية فاقدة لشرعيتها الأخلاقية والقانونية.

3- الحد من دور المؤسسات الدولية وفرض سياسة الأمر الواقع: هناك خلل إجرائي جسيم ألا وهو الإخطار، فالدفاع عن النفس يجب أن يكون إجراءً مؤقتًا يُخطر به مجلس الأمن فورًا، سواء كانت الدولة عضوا في الأمم المتحدة أو لا،  وذلك لتمكين المجلس من دراسة الوضع واتخاذ التدابير المناسبة للحفاظ على السلم والأمن الدوليين. لذا فإن انفراد أمريكا وإسرائيل بهذا التحرك العسكري الواسع، وتجاهل دور مجلس الأمن المسؤول عن السلم والأمن الدوليين، يعكس رغبة في فرض يد القوة بدلًا من يد القانون. وعليه فإن هذا السلوك يساهم في ضعف النظام العالمي، الأمر الذي يضعف من فاعلية ميثاق الأمم المتحدة ويثير جدلًا حول مشروعية استخدام القوة مستقبلًا دون ضوابط.

  الجدير بالذكر أيضًا أن اعتبار العمليات العسكرية الأمريكية-الإسرائيلية "هجومًا وقائيًا" نتيجة أن إيران قد شكلت تهديدًا وشيكًا عبر تعزيز قدراتها الصاروخية والنووية ودعمها لجماعات مسلحة، فإن التقييم القانوني هنا يفتقر إلى الدلائل لأنه في إطار القانون الدولي فإن مبدأ الدفاع الشرعي لا يُبنى على توقعات أو تنبؤات مستقبلية أو حتى تهديدات محتملة، بل يستند إلى وقوع هجوم فعلي أو وشيك حصرًا.

عملية "الوعد الصادق4" وأمن الملاحة الدولية في الممرات المائية

لم يكن الرد الإيراني مجرد مواجهة عسكرية مباشرة، بل امتدت آثاره لتمس أهم الشرايين الحيوية للعالم. فبينما استهدفت الصواريخ القواعد العسكرية الأمريكية في دول عربية، كانت الأنظار تتجه صوب مضيق هرمز، مما وضع الشرعية الدولية أمام اختبار معقد:

1- مشروعية الرد في ساحة الغير: من الناحية القانونية، تمتلك إيران حقًا أصيلًا في الدفاع عن النفس بموجب المادة (51) فور تعرضها لهجوم على سيادتها. ومع ذلك فإن توسيع رقعة الرد ليشمل القواعد العسكرية الأمريكية في دول الجوار يطرح إشكالًا قانونيًا حول "سيادة دول الطرف الثالث". إن استهداف أراضٍ "مدنية" لدول لم تكن طرفًا معلنًا في النزاع يُعد خرقاً لمبادئ القانون الدولي، ويضع إيران في موقف المحاسبة الدولية عن انتهاك حرمة أراضي دول ذات سيادة، حتى وإن كانت تلك الأراضي تستضيف قواعد الدول المعادية.

2- مضيق هرمز في ضوء التزامات قانون البحار 1982: إن التهديد بعرقلة الملاحة في مضيق هرمز يضع إيران في مواجهة مباشرة مع اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار ( UNCLOS 1982)، فوفقًا للاتفاقية يتمتع المضيق بنظام قانوني خاص يُعرف بـ "حق المرور العابر"، وهو حق لا يجوز للدول التي تقع على شواطئه تعليقه أو إعاقته حتى في حالات النزاع المسلح، طالما أن السفن مدنية أو تجارية وتمر بشكل سريع ومتواصل.
إن لجوء إيران إلى استخدام المضيق كأداة للضغط العسكري يُعد انتهاكًا لحقوق الدول المحايدة وحرية التجارة العالمية، فالمضيق ليس ملكية خاصة بل هو ممر دولي يحكمه القانون فقط. وبذلك، فإن أي عمل عسكري يمس سلامة الناقلات يُخرج الرد الإيراني من سياق "الدفاع عن النفس" ليضعه في خانة "تهديد الأمن الاقتصادي العالمي"، حيث يُعد المضيق المسئول الرئيسي عن نقل النفط من الدول العربية للعالم.

3 - مسؤولية حماية الممرات المائية: إن حماية الملاحة في المضيق ليست مسؤولية إقليمية فحسب، بل هي التزام دولي. لذا، فإن أي تجاوز لقواعد المرور الآمن يعطي الشرعية للمجتمع الدولي للتدخل لحماية هذه الممرات، مما قد يؤدي إلى تدويل النزاع بشكل يفقد إيران مكاسبها القانونية كدولة مُعتدى عليها في المقام الأول.

مستقبل النظام الدولي

نستنتج مما عرضناه فيما سبق؛ أن ما شهدته منطقتنا من أحداث منذ فبراير 2026، لم يكن مجرد صدام عسكري عابر، بل كان هزة ارتدادية عنيفة أصابت جوهر النظام الدولي الذي تعارفنا عليه. إن التوسع المفرط في تأويل الدفاع الوقائي ليتحول إلى غطاء لضرب رموز دولة واغتيال قيادتها، وضع العالم أمام حقيقة قاسية: وهي أن "الشك في النوايا" بات يزن اليوم أكثر من "صراحة النصوص". هذا المنزلق لم يهدد إيران وحدها، بل هدد فكرة سيادة الدولة ذاتها، محولًا حق الدفاع عن النفس من درعٍ يُفترض أن تحمي السلم إلى سيفٍ يُستخدم لإعادة هندسة المنطقة بالقوة، وسياسة الأمر الواقع.
إن هذا التآكل في القيم القانونية لم يتوقف عند الحدود الجغرافية، بل امتد ليمس الأمان الإنساني، فإقحام دول الجوار المحايدة في الصراع، والتلويح بإغلاق الشرايين الحيوية للعالم كـ (مضيق هرمز)، يثبت أننا بصدد أزمة أخلاقية قبل أن تكون قانونية. إن استغلال ثغرات ميثاق الأمم المتحدة وتهميش مجلس الأمن لا يضعف الخصوم فحسب، بل يضعف الثقة الدولية التي هي عصب الاستقرار العالمي، ويجعل من الأمن الاقتصادي للدول رهينة لقرارات انفرادية لا تعترف بحدود السيادة أو حرمة الممرات الدولية.

وبناءً على ذلك نخلص إلى أن استعادة التوازن في الشرق الأوسط لا يمكن أن تمر عبر الصواريخ الاستباقية أو ردود الفعل المفتوحة، بل عبر العودة إلى إنسانية القانون ورصانته، والدبلوماسية الواجب اتخاذها في الحسبان. إن حماية مصالحنا السيادية تفرض علينا اليوم، أكثر من أي وقت مضى، التصدي لمحاولات تحويل النظام الدولي إلى سياسة القوة الغاشمة التى يفرض فيها الأقوى تعريفه الخاص للعدالة. إن استقرار المستقبل مرهون بقدرتنا على تحييد الممرات المائية الحيوية عن صراعات القوى، وإعادة الاعتبار لسيادة الدول كخط أحمر لا يقبل التأويل، لضمان ألا تتحول المادة (51) من أداة لحفظ البقاء إلى ذريعة للفوضى الشاملة.
ولضمان عدم انزلاق النظام الدولي نحو سياسة الأمر الواقع، نوصى بتبني المسارات التالية:

 - تقنين الدفاع عن النفس: إعادة تعريف "الدفاع الوقائي" ضمن أطر الأمم المتحدة لتمييزه بوضوح عن العدوان، ومنح محكمة العدل الدولية ولاية إلزامية للفصل في مشروعية أي ضربة استباقية فور وقوعها.
- إصلاح آليات القرار والمساءلة: تطوير عمل مجلس الأمن لضمان عدم تعطيله بالانقسامات السياسية، مع تفعيل قواعد المسئولية الدولية التي تفرض تعويضات ومساءلة صارمة على الدول التي تستخدم القوة دون مبرر قانوني سليم.
 - تحييد الممرات والمناطق المحايدة: إلزام الأطراف باحترام اتفاقية قانون البحار 1982، وحث دول المنطقة على إعلان "حياد القواعد العسكرية" لمنع توسيع رقعة الاستهداف وحماية الأمن الاقتصادي العالمي.

ختاما، إن الأحداث التي اندلعت في فبراير 2026، والممتدة إلى الآن، تمثل سابقة خطيرة جعلت من التنبؤات مبررًا للعدوان، ومن الحرب بديلاً للدبلوماسية. إن ما حدث لم يكن مجرد صراع عسكري، بل هو تآكل للمظلة القانونية الدولية؛ فاستخدام الدفاع الوقائي لتقويض السيادة، ومقابلة ذلك بردود تمس أمن الممرات المائية وسيادة دول الجوار، يضع العالم أمام خيار واحد: إما العودة الفورية لمنطق الدبلوماسية والاتفاقيات، أو القبول بقانون الأمر الواقع حيث السيادة للأقوى عسكريًا لا للأحق قانونيًا. إن استقرار المنطقة يظل رهينًا بمدى احترام الحدود والممرات، وبقاء المادة 51 درعًا للحماية.


رابط دائم: