أفضى التحول بالمعادلات الأمنية بالشرق الأوسط جراء الهجمات الأمريكية-الإسرائيلية على الدولة الإيرانية، والضربات الإيرانية - المضادة - لكافة القواعد العسكرية والأهداف الحيوية والأمريكية فى الدول الخليجية وتل أبيب. إلى أهمية إعادة النظر والتقيم لإستراتيجيات"الردع الشبكي" قياسا على ما تمتاز به من مرونة وتعدد بهياكلها مقارنة بالنمط التعاقدى الصلب للردع الكلاسيكي، ورهانات "الحروب غير المتناظرة"ومدى فاعليتها فى تلك المرحلة الأمنية شديد التعقيد.
بالسياق ذاته، تؤشر الموجة الأخيرة من التصعيد إلى تحولات عميقة بجيوسياسة الصراع عبر الإنتقال من مرحلة المواجهة العسكرية والضربات التكتيكية إلى استهداف المقدرات الاقتصادية للشرق الاوسط، واختبار ارتداداتها على مختلف السياسات الاقتصادية العالمية. وهو ما يدفع بمزيد من التساؤلات حول مستقبل "الردع المنضبط" و "حروب الظل" الذى يُدار من خلاله سيناريوهات التصعيد دون الوصول إلى حرب شاملة. وذلك قياسا على الإعتبارات الاستراتيجية التى شكلت الأهداف المباشرة والمُعلن عنها للضربة الإيرانية، أبرزها: كسرقدرة إيران على التهديد النووي والصاروخي، وإضعاف النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط عبر ضرب القيادات الأساسية ومراكز القوة.بالإضافة إلى إعادة تشكيل قواعد الردع بين القوى الإقليمية.
حسابات الردع الشبكى:
على الرغم من أن أحداث 7 أكتوبر2023 قد أفقدت العديد من حلفاء طهران لثقلهم العملياتى، إلا أن التصعيد الأخير بالشرق الأوسط كشف عن نمط مغاير للردع يتسم بالشبكية/ أو النسيجية، مدعوما على المستويين السياسي واللوجيستى، فعلى سبيل المثال: حظيت طهران بدعم دبلوماسى من بعض القوى الكبرى بمختلف المحافل الدولية عبر نقل المنظور والرسائل الإيرانية بالتصعيد أو الدفع بإشارات عدم تأييد الضربات ضدها، مثل روسيا والصين. إلا أنه بالمقابل، قد يظل ذلك الدعم محدودا خشية أن يتطور الدعم السياسي إلى صدام واسع بين القوى الكبرى ومصالحهم بالمنطقة. كذلك على المستوى اللوجستى عبر تعزيز العلاقات الشبكية مع عدد من القوى التقليدية وغير التقليدية بالمنطقة ممن تجمعهم رؤية استراتيجية واحدة، ولديهم بصماتهم المباشرة وغير المباشرة فى تعزيز قدراتها الدفاعية بالصواريخ والمسيرات.
اتصالا بذلك، تأتى إشكالية "حسابات الردع" بمعادلات التصعيد القائم منذ 28 فبراير 2026، إذ لم يعد نمط الردع "ثنائيا"، فقد صاغت العلاقات الشبكية تهديدات جديدة تتجاوز الردع التقليدي "دولة ضد دولة"، لتتنوع بذلك أشكال الضربات، ومداها، ونطاق استهدافها، وذلك بالنظر إلى المحددات التالية، أولا:الجماعات المسلحة غير التقليدية المدعومة من جانب إيران مقابل تلك المدعومة من جانب الولايات المتحدة وحلفائها بالمنطقة، ثانيا: الهجمات الموجهة لأهداف حيوية مثل الضربات الإيرانية الموجهة، للقواعد العسكرية بالمنطقة والتصعيد الأخير ضد منشآت النفط ومحطات تحليلة المياه، إلخ. وثالثا: ما يتعلق بالحروب الاقتصادية كسلاح النفط،وتطويق حركة التجارة العالمية، والحروب السيبرانية بما يضفى مزيدا من الضغوط على البنى التحتية بالمنطقة. فمثل تلك المحددات تجعل من خصوم طهران (واشنطن وتل أبيب) أمام تحدى "رد الفعل"، خاصة أن "الشبكات المتحالفة" يعول عليها أن تخلق ساحاتنوعية متعددة للردع والتصعيد في أزمنة متزامنة.
الجدير بالذكر أن إيران تُدير المعادلة الحاليةعبر خلقالعديد من الجبهاتالتصعيدية فى وقت واحد. مستندين فى ذلك إلى تعقيدات جيوسياسية داعمة لتحركات الردع الشبكى، أبرزها: غلق مضيق هرمز والتصعيد بوضع ألغامكأحد أبرز أوراق المقايضة التفاوضية عبر ضغط الاقتصاد العالمي على نحو ما يؤسس لفرضية "تآكل الردع الدولى"، خاصة مع حيوية المضيق وارتباطه بمرور نسبة كبيرة من سلاسل الإمداد وتجارة النفط العالمية، كذلك الدفع بالورقة الحوثية وسيناريو الفوضى فى مضيق باب المندب، بالإضافة إلى إشعال الجبهه الشمالية لإسرائيل عبر مناورات حزب الله في لبنان. فضلا عن "تداخل شبكات الردع" بالعراق والمتمثلة فى القواعد الأمريكية مقابل الفصائل الموالية لإيران. مما يجعل أي حرب بين إسرائيل بدعم أمريكى ضدإيران متعددة الجبهات.
تأسيسا على ذلك، عمدت طهران لتوظيف الهجمات الصاروخية المباشرة سواء على أهداف عسكرية أمريكية بدول الخليج العربى، أو أهداف متحركة بالبحر الأحمر، أو ما يتعلق بتقويض حركة التجارة الدولية وعرقلة سلاسل الإمداد، وذلك لرفع تكلفة الصراع القائم ومقايضته بترتيبات "اليوم التالى"استنادا إلى نظرية "المكتسبات على الأرض" وخلق "شرعية ميدانية" يعول عليها بالمفاوضات اللاحقة لخفض التصعيد.
الرهانات الإيرانية:
تعتمد الرهانات الإيرانية منذ 28 فبراير2026 وحتى حينة على تطويع تطبيقات التطويق وشد الأطراف عبر تفعيل سياسات "الردع غير المتكافئ" القائم علىنمط "التحالفات الشبكية" التى تفتقر لعنصر وحدة القيادة بهدف إستنزاف وردع الخصوم. فعلى سبيل المثال: شكل ضرب الموانئ البحرية واستهداف الناقلات فى البحر الأحمر بجانب تصعيد الوكلاء الاقليميين والجماعات المسلحة على عدد من الجبهات النوعية بالإقليم، إختبارا حقيقا للثقل الإيرانىبالوضع العملياتى القائم.
اتصالا بذلك، تعول إيران على عدد من المحددات الإستراتيجية فى إنجاح رهاناتها، أبرزها: تعقيد حسابات المكاسب والمغارم للخصوم، وغموض وضبابية حدود الالتزام بالأهداف لكلا الطرفين الإسرائيلي والأمريكي، وكذلك خطر سوء التقدير الاستراتيجي لمستوى العمليات بالمنطقة، بالإضافة إلى احتمالية التصعيد المتعدد وما يلحق به من نمط "الركوب المجانى"لصالح أجندات عناصر أخرى داخل أو خارج المنطقة، وذلك قياسا على مستوى التحولات الأمنية الراهنة بالإقليم.
تأسيسا على ما سبق، حظيت البيئة الإقليمية بدورات متتالية من التغير خلال العقد الأخير،حيث تراجع زخم القومية السياسية في بعض الساحات،مقابل صعود نماذج حكم وظيفية وأكثر براجماتية، مما ساهم فى خلق سياق جديد. وعليه فالرهانات الإيرانية بالتصعيد القائم ترتكز فى على أربع سيناريوهات:
- السيناريو الأول (صراعات الظل):وهو المُرجح استمراره بالنظر إلى مستوى العمليات القائم وفقا لإستراتيجية"الضربات المتبادلة" بين أمريكا وإسرائيل وإيران أو حلفائها فى سوريا والعراق ولبنان واليمن. وكذلك العمليات الاستخباراتية المتبادلة واستراتيجية الاغتيالات، والهجمات السيبرانية، وعرقلة حركة الملاحة البحرية، بالإضافة لاستهداف طهران لسفن الخصوم وداعميهم.
- السيناريو الثانى (الإقليمية المُدارة):يُبنى على حسابات الأطراف المتصارعة، خاصة مع التدخل الأمريكي المحدود لدائرة التصعيد،كذلك تحركات إسرائيل لإعادة إنتاج مستوى الضربات التقويضية للساحات السورية واللبنانية والعراقية، مقابل الاستهداف الإيرانى للقواعد العسكرية الأمريكية والأجنبية، ومقايضة ورقة تلغيم "مضيق هرمز" واستهداف ناقلات النفط وسلاسل الإمداد ، والمستوى العملياتي لمضيق باب المندب، ببرهانات إيرانية حيوية فى الشرق الأوسط.
- السيناريو الثالث (المواجهة الحاسمة): برغم بروز المؤشرات الداعمة لفرص ذلك السيناريو إلا أن كافة الأطراف تسعى لتجنبة كونه يُعد الأكثر خطورة مقارنة بما سبق استيضاحة أعلاه. خاصة مع ترجيحات الحسابات النوعية لـ "دونالد ترامب" والتى ترتكز بقرار التصعيد ضد إيران على المعيار الاقتصادى دون الأمنى (مثل تقويض التمدد الصيني الروسى بالمنطقة، واستنساخ سيناريو فنزويلا بطهران، والاستيلاء على جزيرة خرج الإيرانية، والسيطرة على النفط الإيرانى والوقود النووى واليورانيوم عالى التخصيب)، على نحو ما يدفع بترجيحات ترسيم معادلات صراعية تكتيكية على مساحات أوسع وأشمل لعموم الشرق الأوسط.
- السيناريو الرابع ( المهادنة والإحتواء):لا تزال الفرص قائمة لتطبيقات ذلك السيناريو انطلاقا من معادلة (الردع المتبادل دون المواجهة الحاسمة). أبرزها: اختراق التفاعلات التصعيدية القائمة عبر وساطات فرعية – سواء من داخل الشرق الأوسط أو خارجه – لاحتواء سيناريو الحرب الشاملة. أو الانتقال لمرحلة المفاوضات غير المباشرة، خلق تفاهمات أمنية غير معلنة، أو أن يتم مقايضة ملفات أمنية بأخرى سياسية كأن يتم إعادة إنتاج اتفاق نووى جديد مقابل العودة لما قبل أحداث 28فبراير2026 وطرح فرص تعويضية (مقبولة) لكلا الأطراف، خاصة الأمريكي والإيرانى.