حرب يجب أن تكتمل.. معضلة الحرب الأمريكية-الإسرائيلية مع إيران
15-3-2026

د. محمد عبد العظيم الشيمي
* أستاذ العلوم السياسية – جامعة العاصمة "حلوان"
                  
تشهد الساحة الجيوسياسية في الشرق الأوسط تحولا نوعيا خطيرا، لم يعد فيه الصراع مجرد تبادل لإطلاق النار عبر الوكلاء أو عمليات استخباراتية محدودة، بل تطور ليأخذ طابع المواجهة المباشرة وشبه المباشرة بين محور المقاومة بقيادة إيران من جهة، والتحالف الأمريكي-الإسرائيلي من جهة أخرى. إن الحديث عن "حرب أمريكية-إسرائيلية على إيران" لم يعد سيناريو افتراضيا يدور في أروقة مراكز الدراسات الاستراتيجية فحسب، بل أصبح واقعا ملموسا تتشكل ملامحه يوميا عبر التصعيد المتبادل، والضربات الجوية، والحرب الاقتصادية الخانقة، والمناورات الدبلوماسية المحمومة. ومع ذلك، فإن تقييم الموقف الحالي يتطلب نظرة فاحصة تتجاوز ضجيج العناوين الإعلامية لتغوص في أعماق الحسابات الاستراتيجية للدول الفاعلة، خاصة في ظل التقلبات الداخلية في واشنطن وتل أبيب، وتأثير شخصية مثل دونالد ترامب الذي يلوح في الأفق كعامل متغير للمعادلة، و يريد أن يحقق أية مخرجات أو دلائل للنصر قبل الانتهاء من هذه الحرب.
 
في تقدير أولي للموقف الراهن، نجد أنفسنا أمام حالة من "الحرب الهجينة" ذات الأبعاد المفتوحة. لم تعلن الولايات المتحدة أو إسرائيل حربا شاملة بالمعنى الكلاسيكي الذي يتضمن غزوا بريا أو قصفا جويا غير محدود للأراضي الإيرانية بهدف تغيير النظام، لكنهما تخوضان حربا تستهدف البنية التحتية النووية الإيرانية، وشبكات الصواريخ الباليستية، وقدرة طهران على تمويل وتشغيل وكلائها في المنطقة. تعتمد إسرائيل في هذا السياق على استراتيجية "الضربة الاستباقية" و"الاغتيالات المستهدفة" ضد القادة العسكريين والعلماء النوويين الإيرانيين، معتبرة أن وجود برنامج نووي إيراني يمثل تهديدا وجوديا لا يمكن التسامح معه. أما الولايات المتحدة، فتتبنى نهجا أكثر تعقيدا يجمع بين الضغط الاقتصادي الأقصى عبر العقوبات، والحضور العسكري الردعي في الخليج، والدعم اللوجستي والاستخباراتي المباشر للعمليات الإسرائيلية، مع محاولة حذرة لتجنب الانزلاق إلى حرب إقليمية واسعة تستنزف الموارد الأمريكية في وقت تنظر فيه واشنطن بقلق نحو التنافس الاستراتيجي مع الصين وروسيا.
 
إن ديناميكية هذه الحرب لا يمكن فهمها بمعزل عن المشهد الداخلي في كل من الولايات المتحدة وإسرائيل، حيث تلعب الضغوط السياسية والشعبية دورا محوريا في رسم حدود التصعيد. في إسرائيل، يبدو أن الإجماع الوطني، رغم هشاشته في قضايا أخرى، يتصلب بشكل ملحوظ حول ضرورة مواجهة التهديد الإيراني. فالطبقة السياسية الإسرائيلية، من اليمين المتطرف إلى الوسط، تدرك أن أي تراجع في مواجهة إيران قد يُفسر كضعف وجودي في مجتمع يرى نفسه محاصرا بأعداء يسعون إلى القضاء عليه. ومع ذلك، هناك تيارات داخل المجتمع الإسرائيلي، خاصة بين العائلات الثكلى وضحايا الحروب المتكررة، تبدأ بالتساؤل عن تكلفة استمرار سياسة "الحرب بين الحروب" وعن جدوى تحقيق أهداف استراتيجية واضحة مقابل الخسائر البشرية والمادية المتصاعدة. هل تسعى إسرائيل حقا لتدمير البرنامج النووي الإيراني تماما، أم إن هدفها هو احتواؤه وإبقاؤه تحت عتبة الخطر المباشر؟ هذا السؤال يطرح انقسامات خفية حول ما إذا كانت الحرب "يجب أن تكتمل" بتدمير شامل، أم إن هناك حاجة لوقف إطلاق نار استراتيجي يمنع انهيار الدولة من الداخل بسبب الإرهاق الأمني والاقتصادي.
 
أما في الولايات المتحدة، فإن الصورة أكثر تشابكا وتعقيدا، حيث ينقسم الرأي العام والنخبة السياسية بين مدرستين رئيسيتين. المدرسة الأولى، التي يهيمن عليها الصقور في الحزبين الجمهوري والديمقراطي، ترى أن إيران هي المصدر الرئيسي لعدم الاستقرار في العالم وأن أي حل دبلوماسي معها مصيره الفشل، مما يستدعي استخدام القوة العسكرية أو تشديد الخناق عليها حتى الرضوخ الكامل. هذه الفئة تدعم بشدة التحالف مع إسرائيل وتعتبر أن تكلفة عدم التحرك أعلى بكثير من تكلفة الحرب. في المقابل، توجد مدرسة ثانية، تضم جزءا كبيرا من الجناح التقدمي في الحزب الديمقراطي وبعض الواقعيين في الحزب الجمهوري، تحذر من "مصيدة حرب أخرى في الشرق الأوسط". يجادل هذا التيار بأن الولايات المتحدة لا تملك الرفاهية لخوض حرب جديدة قد تكلف تريليونات الدولارات وتورط الجيش الأمريكي في مستنقع آخر، خاصة في ظل التركيز على إعادة بناء الاقتصاد المحلي ومواجهة التحديات العالمية الكبرى. إن هذا الانقسام الداخلي يجعل السياسة الأمريكية تجاه إيران متذبذبة، تتأرجح بين لغة اللهجة الصارمة والإيماءات الدبلوماسية الحذرة، مما يخلق بيئة من عدم اليقين تزيد من احتمالية سوء التقدير والتصعيد غير المقصود.
 
وفي خضم هذا المشهد المضطرب، تبرز شخصية دونالد ترامب كمتغير جوهري قد يعيد تشكيل مستقبل هذه الحرب بشكل جذري. إن عقلية ترامب، كما تجلت في ولايته السابقة وتصريحاته الحالية، تتميز بنهج غير تقليدي يمزج بين أقصى درجات الضغط ("حملة الضغط الأقصى") والرغبة المفاجئة في تجنب الحروب الطويلة المكلفة. فمن ناحية، يُتوقع أن يكون ترامب أكثر عدوانية من سلفه بايدن في التعامل مع الملف النووي الإيراني، وقد يميل إلى دعم ضربات إسرائيلية أوسع نطاقا أو حتى أمر بها مباشرة إذا شعر بأن إيران تقترب من عتبة النادي النووي. إنه يرى في القوة أداة تفاوضية أساسية، وغالبا ما يفضل الحلول الصادمة والسريعة على العمليات البطيئة والمعقدة. ولكن من ناحية أخرى، يمتلك ترامب نفورا غريزيا من الحروب التي تطول لسنوات دون نصر واضح، وهو ما ظهر جليا في تجنبه شن حروب جديدة خلال رئاسته السابقة رغم تصعيده اللفظي. السؤال المطروح هو: هل سيرى ترامب أن "إكمال الحرب" يعني توجيه ضربة قاضية سريعة وحاسمة لإنهاء الملف الإيراني مرة واحدة وإلى الأبد، أم إنه سيبحث عن "صفقة كبيرة" تفرض شروطا مجحفة على إيران مقابل وقف العداء؟ إن تراكمات خطاب ترامب تشير إلى أنه قد يميل إلى الخيار الأول تكتيكيا لكسر الإرادة الإيرانية، لكنه قد يتراجع استراتيجيا إذا أدرك أن الثمن السياسي والاقتصادي سيكون باهظا قبل انتخابات التجديد بنهاية 2026 أو خلالها.
 
بالانتقال إلى آراء الكتاب والمحللين في وسائل الإعلام المختلفة ومراكز الدراسات، نجد تباينا واسعا في توقعات مستقبل هذا الصراع. يرى فريق من المحللين، خاصة أولئك المنتمين للمدارس الواقعية الجديدة، أن استمرار الوضع الحالي على ما هو عليه من "حرب باردة ساخنة" هو السيناريو الأكثر ترجيحا. ففي رأيهم، لا تريد إيران حربا شاملة قد تؤدي إلى تدمير بنيتها التحتية وسقوط نظامها، ولا ترغب الولايات المتحدة أو إسرائيل في دفع الثمن الباهظ لغزو إيران أو شن حملة جوية مطولة قد تغلق مضيق هرمز وتشعل أسعار النفط. وبالتالي، سيتجه الطرفان نحو إدارة الصراع بدلا من حله، مع استمرار العمليات تحت عتبة الحرب الشاملة. ويشير هؤلاء إلى أن "عدم الاكتمال" قد يكون في مصلحة جميع الأطراف كحالة دائمة تسمح باستخدام ورقة التهديد الإيراني لأغراض سياسية داخلية وخارجية.
 
على النقيض من ذلك، يحذر محللون آخرون، وخاصة من ذوي التوجهات التشاؤمية أو الذين يركزون على ديناميكيات التصعيد، من أن منطق "الحرب التي يجب أن تكتمل" قد يفرض نفسه بقوة الأحداث. يجادلون بأن تراكم الضربات الإسرائيلية على المنشآت النووية الإيرانية، وردود الفعل الإيرانية المتصاعدة عبر وكلائها أو بشكل مباشر، قد يخلق نقطة اللاعودة (Point of No Return). في هذا السيناريو، قد تجد إسرائيل نفسها مضطرة لتصعيد هجومها ليشمل أهدافا حيوية داخل العمق الإيراني ردا على هجوم كبير، مما يدفع الولايات المتحدة للتدخل المباشر دفاعا عن حليفتها ومنع انهيار الردع الإقليمي. ويضيف هؤلاء المحللون أن العامل الزمني يعمل ضد الدبلوماسية؛ فكلما اقتربت إيران من امتلاك قدرة نووية كاملة، زاد الإلحاح لدى إسرائيل والولايات المتحدة لاستخدام الخيار العسكري قبل فوات الأوان، مما يجعل فكرة "إكمال المهمة" عسكريا خيارا لا مفر منه في نظر صناع القرار في تل أبيب وربما واشنطن أيضا.
 
كما يلفت انتباه عدد من المثقفين والكتاب العرب والغربيين إلى البعد الإقليمي والإنساني لهذه الحرب المحتملة. فهم يشيرون إلى أن أي محاولة لـ "إكمال" هذه الحرب عسكريا ستجر المنطقة كلها إلى كارثة إنسانية واقتصادية غير مسبوقة، قد تمتد آثارها لأعوام طويلة. ويرى هؤلاء أن الحل الحقيقي لا يكمن في الانتصار العسكري لطرف على حساب الآخر، بل في إعادة هيكلة نظام الأمن الإقليمي يشمل جميع الدول، بما فيها إيران. ومع ذلك، يعترفون بصعوبة هذا المسار في ظل الهيمنة الحالية لخطاب المواجهة وعدم الثقة المتبادل الذي وصل إلى مستويات قياسية. إن دعواتهم لوقف التصعيد تواجه بجدار صلب من المصالح الجيوسياسية والرؤى الأيديولوجية المتصلبة التي تسود دول المنطقة حاليا.
 
ختاما، فإن مستقبل الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران يبقى معلقا على خيط رفيع من الحسابات الدقيقة والمخاطر الكبيرة. إن فكرة أن هذه "حرب يجب أن تكتمل" تحمل في طياتها خطورة بالغة، إذ إن تعريف "الاكتمال" يختلف جذريا بين الأطراف؛ فما تراه إسرائيل نصرا حاسما قد تراه إيران بداية النهاية لنظامها، وما تعتبره الولايات المتحدة تدخلا ضروريا قد يتحول إلى فخ استراتيجي يبتلع موارد الجيل القادم. إن التفاعل المعقد بين الضغوط الداخلية في واشنطن وتل أبيب، وتقلبات العقلية الترامبية المحتملة، وحسابات القيادة الإيرانية الباقية على قيد الحياة، كلها عوامل تصنع معادلة شديدة الانفجار. ربما يكون السيناريو الأرجح في المدى المنظور هو استمرار حالة "اللا حرب واللا سلم"، مع مناوشات متقطعة تهدف إلى اختبار الحدود دون تجاوزها كليا. لكن التاريخ يعلمنا أن الحروب في الشرق الأوسط نادرا ما تبقى ضمن النطاقات المخطط لها، وأن شرارة صغيرة في بيئة مشبعة بالوقود قد تشعل حريقا لا يستطيع أحد إخماده بسهولة. لذا، فإن السؤال ليس فقط عما إذا كانت الحرب ستستمر أم تنتهي، بل عن القدرة الدولية والإقليمية على كسر دائرة العنف قبل أن تفرض منطقها الدموي الذي قد لا يرحم أحدا، وتجعل من فكرة "الإكمال" كابوسا يتحقق على أنقاض الاستقرار العالمي.

 


رابط دائم: