تداعيات الشأن السودانى على تشاد.. بين حسابات البقاء وضغوط الجوار
15-3-2026

محمود سامح همام
* باحث فى العلوم السياسية

لم يعد ما يجرى في السودان أزمة داخلية معزولة، بل تحوّل تدريجيًا إلى عامل ضاغط يعيد تشكيل معادلات الأمن الإقليمي في جواره المباشر، وعلى رأسه تشاد التي ترتبط مع السودان بحدود تمتد لنحو 1400 كيلومتر وتتشابك معه بروابط اجتماعية وقبلية عميقة، خاصة في مناطق دارفور وشرق تشاد. ومع تصاعد وتيرة المواجهات العسكرية وتزايد الانتهاكات الحدودية، بدأت نجامينا تواجه تداعيات أمنية وإنسانية مباشرة، تجلت في حوادث ميدانية متكررة كان من أبرزها مقتل 2 من الجنود التشاديين في غارة بطائرة مسيّرة قرب مدينة تيني في ديسمبر 2025، ثم مقتل 7 جنود آخرين في اشتباكات حدودية خلال يناير 2026، وهو ما دفع الحكومة التشادية لاحقًا إلى إغلاق الحدود ونشر آلاف الجنود على طول الشريط الحدودي. وفي الوقت نفسه، تواجه البلاد ضغطًا إنسانيًا متصاعدًا مع استضافتها ما يقرب من 1.3 مليون لاجئ وعائد سوداني، معظمهم من إقليم دارفور، الأمر الذي يضع المناطق الشرقية الفقيرة أصلًا تحت ضغوط اقتصادية وأمنية غير مسبوقة. وفي ظل هذا المشهد المتشابك، لم تعد تداعيات الحرب السودانية مجرد ارتدادات إقليمية عابرة، بل باتت اختبارًا حقيقيًا لقدرة تشاد على إدارة بيئة أمنية إقليمية مضطربة واحتواء التفاعلات المتسارعة للصراع على حدودها الشرقية.

أولاً- تآكل التماسك الداخلي وتشابك الضغوط الأمنية كعوامل مضاعِفة لهشاشة الدولة التشادية:

لا تزال تشاد تواجه حالة ممتدة من عدم الاستقرار الداخلي رغم الإعلان الرسمي عن انتهاء المرحلة الانتقالية السياسية بين عامي 2021 و2024. فقد اتسمت تلك الفترة باضطرابات سياسية عميقة، إلى جانب اغتيال زعيم الحزب السياسي يحيى ديلو واعتقال عدد من قيادات المعارضة والمجتمع المدني، من بينهم سوكيس مسرا زعيم حركة الإصلاح «المتحولون»، وهى مؤشرات واضحة على هشاشة التوازن السياسي والأمني في البلاد. وأسهم هذا المناخ السياسي المتوتر في تعميق الانقسامات المجتمعية وتقليص قدرة الدولة على امتصاص الصدمات الخارجية، وهو ما يضاعف من حساسية تشاد تجاه أي تحولات أمنية في محيطها الإقليمي.

في الوقت ذاته، لا تزال الجغرافيا الأمنية لتشاد تعكس تاريخًا طويلًا من التمردات المسلحة، خاصة في المناطق الشمالية والشرقية التي ظلت تقليديًا بيئة حاضنة لحركات معارضة مسلحة مناهضة للحكومة المركزية. أما في الغرب، فتستمر منطقة بحيرة تشاد في تمثيل بؤرة توتر مزمنة بفعل نشاط جماعتي بوكو حرام وتنظيم داعش في غرب أفريقيا، اللذين يواصلان تنفيذ هجمات تستهدف القوات الأمنية والمدنيين على حد سواء. كما تظل جماعات المعارضة التشادية المسلحة قادرة على التحرك انطلاقًا من فضاءات حدودية مترامية تمتد من شمال شرق النيجر مرورًا بجنوب ليبيا وصولًا إلى إقليم دارفور في السودان، وهو ما يخلق بيئة أمنية شديدة التعقيد بالنسبة لنجامينا، وقد زادت هذه التحديات تعقيدًا مع تآكل منظومة الأمن الإقليمي التي كانت تشاد تعتمد عليها لسنوات طويلة. فانسحاب القوات الفرنسية في أوائل عام 2025 وما صاحبه من تراجع في قدرات المراقبة الجوية والدعم الاستخباراتي أدى إلى تقليص هامش المناورة العملياتية لدى الجيش التشادي في مواجهة تهديدات التمرد والجماعات المسلحة. ومع غياب هذا الغطاء الأمني الخارجي، أصبحت الدولة التشادية أكثر انكشافًا أمام التهديدات الممتدة عبر حدودها الواسعة.

إلى جانب ذلك، يضيف الانخراط المتزايد لتشاد في شبكة علاقات مع شركاء خارجيين، بعدًا إضافيًا من التعقيد إلى المشهد الأمني الداخلي. فقد أدى هذا التحول في الاصطفافات الإقليمية إلى إعادة إحياء توترات داخلية، خصوصًا داخل مجتمع الزغاوة الذي يتمتع بنفوذ واسع داخل النخب العسكرية ومؤسسات صنع القرار الأمني في تشاد. وباعتبارهم مجتمعًا عابرًا للحدود يمتد حضوره بين تشاد والسودان، فإن موقفهم من الحرب في دارفور يظل عاملًا حساسًا في التوازنات الداخلية، خاصة مع تصاعد الانتقادات داخل هذا المجتمع لما يُنظر إليه على أنه تقارب مع قوات الدعم السريع على حساب حماية الروابط الاجتماعية مع دارفور، وفي سياق موازٍ، عززت قوات الدعم السريع، المنبثقة أساسًا من ميليشيات الجنجويد التي نشطت تاريخيًا في دارفور وكردفان، من قدراتها العسكرية والاقتصادية، ولا سيما عبر سيطرتها على مواقع تعدين الذهب الاستراتيجية في غرب السودان. وقد أشارت تحقيقات دولية متعددة إلى وجود شبكات تهريب وتجارة ذهب مرتبطة بجهات خارجية تعمل في مناطق مثل جبل عامر، الأمر الذي وفر مصادر تمويل إضافية مكّنت هذه القوات من توسيع نفوذها في أجزاء واسعة من دارفور وكردفان. ويعزز هذا الواقع الطابع الإقليمي للصراع السوداني ويزيد من انعكاساته المباشرة على الدول المجاورة، وفي مقدمتها تشاد.

كما تشير تحليلات تستند إلى بيانات الرحلات الجوية وصور الأقمار الصناعية إلى أن مطار أمدجاراس في شرق تشاد قد استُخدم كنقطة عبور لوجستية للإمدادات العسكرية المتجهة إلى مناطق سيطرة قوات الدعم السريع. ورغم نفي السلطات التشادية أي تورط مباشر وسعيها لإظهار موقف الحياد، فإن هذه الاتهامات أسهمت في توتير علاقات نجامينا مع أطراف سودانية ورفعت احتمالات تعرضها لإجراءات انتقامية أو ضغوط إقليمية متزايدة، وتكتسب هذه التطورات حساسية أكبر بالنظر إلى الطبيعة التاريخية للعلاقات بين مجتمعات الزغاوة في تشاد والسودان، والتي لطالما لعبت دورًا محوريًا في مسار الصراعات في إقليم دارفور. فقد تركت موجات العنف التي شهدتها المنطقة منذ مطلع الألفية الثانية ندوبًا عميقة داخل هذه المجتمعات، وهو ما يجعل أي تحولات في تموضع تشاد الإقليمي عرضة لإثارة توترات داخلية جديدة قد تهدد أحد أعمدة استقرار النظام السياسي في البلاد.

وفي السياق التاريخي الأوسع، لطالما شكّلت دارفور قاعدة خلفية لحركات التمرد التشادية منذ نشأة جبهة التحرير الوطني لتشاد (فرولينات) في ستينيات القرن الماضي وصولًا إلى التمردات اللاحقة. وقد ساهم التقارب الجغرافي والامتداد الاجتماعي بين تشاد والسودان في إنتاج دورات متكررة من الحروب بالوكالة بين البلدين. ومن هذا المنظور، فإن أي محاولة لتشاد لتوسيع نفوذها الإقليمي عبر بوابة الأزمة السودانية قد تنطوي على مخاطر استراتيجية كبيرة، إذ قد تعيد تنشيط ديناميكيات عدم الاستقرار نفسها التي سعت نجامينا لعقود إلى احتوائها.

ثانيًا- حسابات البقاء السياسي وموازنة النفوذ الإقليمي:

يمكن فهم الانخراط التشادي في السودان ضمن إطار حسابات سياسية وأمنية وجيوسياسية معقدة، ترتبط في جوهرها باستراتيجية البقاء في بيئة إقليمية مضطربة أكثر من ارتباطها بأي تقارب أيديولوجي. فمع اندلاع الحرب السودانية، وجدت نجامينا نفسها أمام معادلة إقليمية جديدة تتداخل فيها الاعتبارات المالية والتحالفات الخارجية مع حسابات الأمن الداخلي. وفي هذا السياق، برزت الشراكة الاقتصادية المتنامية مع دولة الإمارات العربية المتحدة كأحد العوامل المؤثرة في خيارات السياسة الخارجية لتشاد، إذ حصلت نجامينا في أكتوبر/تشرين الأول 2024 على قرض بقيمة 500 مليون دولار من صندوق أبوظبي للتنمية بفائدة تفضيلية تبلغ 1% ولمدة 18 عاماً، وذلك بعد حزمة تمويلية سابقة بلغت 200 مليون دولار خلال عام 2023، من بينها 50 مليون دولار في شكل مساعدات مالية مباشرة. وبذلك تصل القيمة الإجمالية لهذه الالتزامات المالية إلى نحو 700 مليون دولار خلال أقل من عامين، وهو ما يعادل قرابة 15% من الميزانية السنوية لتشاد، الأمر الذي يمنح أبوظبي نفوذاً اقتصادياً مهماً في بيئة صنع القرار في نجامينا، خاصة مع وجود روابط اقتصادية وشبكات مصالح مشتركة بين دوائر من القطاع الخاص والنخب السياسية في البلدين.

كذلك يرتبط الانخراط التشادي بحسابات أمنية مباشرة تتعلق بإدارة التهديدات في شرق البلاد، حيث تُعد المناطق المتاخمة لإقليم دارفور من أكثر المناطق حساسية بالنسبة لاستقرار النظام في تشاد. فالحدود الشرقية تمثل تقليدياً مسرحاً لنشاط جماعات المعارضة المسلحة التشادية والسودانية، وهو ما يدفع نجامينا إلى محاولة إعادة تشكيل موازين القوى على الجانب الآخر من الحدود بما يحد من قدرة هذه الجماعات على استخدام دارفور كمنصة للضغط على النظام التشادي. كما ترتبط هذه المقاربة الأمنية بإرث طويل من عدم الثقة بين نجامينا والمؤسسة العسكرية في الخرطوم. فبالنسبة للنخبة الحاكمة في تشاد، لا تزال القوات المسلحة السودانية تُنظر إليها بوصفها امتداداً لجهاز أمني ارتبط تاريخياً بدعم حركات التمرد التشادية خلال فترات متعددة من الصراع بين البلدين. ومن هذا المنطلق، يُفسَّر التقارب مع قوات الدعم السريع كأداة لموازنة نفوذ المؤسسة العسكرية السودانية وتقليص قدرة الخرطوم على التأثير في التوازنات الداخلية لتشاد.

وتتداخل هذه الحسابات أيضاً مع اعتبارات اجتماعية معقدة، خاصة فيما يتعلق بدور المجتمعات العابرة للحدود مثل الزغاوة، التي تمتلك نفوذاً تقليدياً داخل الأجهزة الأمنية والعسكرية في تشاد. إذ تنظر نجامينا إلى بعض الميليشيات المرتبطة بهذه المجتمعات والتي تميل إلى دعم أطراف أخرى في الصراع السوداني باعتبارها عاملاً محتملاً لعدم الاستقرار الداخلي. وفي هذا السياق، قد يُفهم التقارب مع قوات الدعم السريع كجزء من استراتيجية تهدف إلى إعادة ضبط التوازنات داخل البيئة الأمنية التشادية ومنع تشكل تحالفات عسكرية عابرة للحدود يمكن أن تتحول لاحقاً إلى مصدر تهديد للنظام، ومع ذلك، فإن هذه الاستراتيجية، رغم ما توفره من مكاسب قصيرة المدى على مستوى التحالفات الخارجية وإدارة التهديدات الحدودية، تنطوي على مخاطر متزايدة بالنسبة لتشاد. فتعميق الاعتماد على الدعم الخارجي، وتفويض أجزاء من المعادلة الأمنية إلى أطراف إقليمية، قد يؤديان إلى إضعاف التوازنات الداخلية التي يقوم عليها استقرار النظام. كما أن هذا النهج يسهم في إعادة تشكيل شبكات الولاء داخل المؤسسة العسكرية والمجتمع السياسي، وهو ما قد يسرّع من وتيرة التشرذم داخل البنية السياسية والأمنية للدولة التشادية في المدى المتوسط.

ثالثًا- الانقسامات المجتمعية وإعادة تشكيل التحالفات العابرة للحدود كمصدر متصاعد لعدم الاستقرار:

أدت الأحداث فى السودان إلى تعميق الانقسامات الاجتماعية والقبلية داخل الفضاء الإقليمي الممتد بين تشاد والسودان وجمهورية أفريقيا الوسطى وليبيا، حيث أعادت الصراعات العسكرية في دارفور وكردفان تشكيل التحالفات السياسية والعسكرية بين الجماعات المحلية العابرة للحدود. وقد أسهم هذا التحول في تسريع وتيرة التشرذم داخل شبكات الولاء التقليدية والجماعات المسلحة، التي غالبًا ما تتشكل على أسس قبلية أو مجتمعية، الأمر الذي يعقّد جهود الاستقرار في منطقة تعاني أصلًا من هشاشة أمنية مزمنة. وفي هذا السياق، لم يعد الصراع السوداني مجرد شأن داخلى، بل بات إطارًا يعيد ترتيب التوازنات المجتمعية في محيطه الإقليمي، بما في ذلك داخل تشاد نفسها، وتظهر ملامح هذا الاستقطاب بوضوح في انخراط عدد من المجتمعات ذات النفوذ التاريخي في تشاد في الصراع السوداني، ولكن عبر تحالفات متباينة. فقد انضمت شرائح من مجتمعات التبو والعرب والغوران، المتمركزة أساسًا في شمال تشاد وفي المجال الصحراوي الممتد عبر منطقة الساحل، إلى قوات الدعم السريع، وهو ما يمنح هذه التحالفات بُعدًا عابرًا للحدود. وفي المقابل، اتجهت قطاعات واسعة من مجتمع الزغاوة إلى دعم القوات المسلحة السودانية، مدفوعة بروابطها العائلية والقبلية مع دارفور، إضافة إلى ردود الفعل تجاه ما يُنظر إليه داخل بعض الأوساط الزغاوية باعتباره تقاربًا تشاديًا مع قوات الدعم السريع. وتعكس هذه الاصطفافات المتباينة تصاعد حالة الاستقطاب المجتمعي، وهو ما قد يؤدي إلى إعادة رسم موازين القوى الداخلية في تشاد.

ويزداد هذا الوضع تعقيدًا مع إعادة تشكيل الجماعات المسلحة المحلية والعابرة للحدود، حيث تعمل الميليشيات المجتمعية ولجان الدفاع الذاتي وفصائل المتمردين داخل بيئة أمنية شديدة التقلب تشكلت بفعل التأثيرات السودانية. ورغم أن هذه الجهات الفاعلة لا تزال في موقع ثانوي نسبيًا في الوقت الراهن، فإن استمرار الصراع أو اتساع نطاقه قد يحولها إلى محركات رئيسية لعدم الاستقرار في المنطقة، وفي هذا السياق، لا تزال حركات التمرد التشادية النشطة، خصوصًا تلك التي تتحرك في الفضاء الحدودي الممتد بين جنوب ليبيا وشمال تشاد ودارفور، تحتفظ بقدرة كبيرة على إحداث اضطرابات داخل البلاد. وقد أظهرت التجارب السابقة أن هذه الجماعات غالبًا ما تستغل الأزمات السودانية لإعادة تنظيم صفوفها أو لإطلاق تحديات جديدة للسلطة في نجامينا، مستفيدة من الطبيعة المفتوحة للحدود وتداخل الروابط الاجتماعية بين المجتمعات في البلدين.

وعلى مستوى السيناريوهات المستقبلية، يبرز احتمالان رئيسيان على المدى المتوسط. أولهما قد يؤدي إلى تعزيز الروابط بين شبكات الزغاوة في السودان وتشاد، وهو ما قد يعيد إحياء أنماط المواجهة غير المباشرة أو الحروب بالوكالة ضد القيادة التشادية. وثانيهما قد تواجه المنطقة فيه مرحلة طويلة من عدم الاستقرار الإقليمي، تتسم بتدفقات كثيفة للأسلحة، وتحركات متزايدة للمقاتلين، وظهور تحالفات عسكرية وعرقية معقدة عبر الحدود. وفي كلا السيناريوهين، ستجد تشاد نفسها أمام ضغوط متزايدة تتراوح بين تصاعد تهريب السلاح، وتدفقات المقاتلين، وتفاقم الأعباء الإنسانية، إلى جانب احتمالات التدخلات الخارجية.

وتتفاقم هذه التحديات أيضًا بفعل الانقسامات داخل شبكات النخبة التشادية نفسها. فقد كشفت انشقاقات عدد من الضباط التشاديين من مجتمع الزغاوة وانضمامهم إلى القوات المتحالفة مع الجيش السوداني في دارفور عن تآكل واضح في التماسك داخل المستويات العليا للأجهزة الأمنية في تشاد. كما أن اغتيال شخصية المعارضة البارزة يحيى ديلو في فبراير 2024 خلال هجوم على مقر حزبه في نجامينا، وهو أحد أبرز قادة الزغاوة وابن عم الرئيس محمد إدريس ديبي، أدى إلى تصعيد التوترات داخل هذا المجتمع. وقد أعقبت الحادثة موجة من الاعتقالات والإقصاءات السياسية التي استهدفت شخصيات بارزة داخل النخب المتحالفة، وهو ما أعاد إلى الذاكرة أحداث هجمات المتمردين التي انطلقت من السودان ضد نجامينا في عامي 2006 و2008.

كما يعكس مسار عثمان ديلو، شقيق يحيى ديلو، حجم التداخل بين الساحتين التشادية والسودانية. فبعد إصابته خلال قيادته مقاتلين موالين للزغاوة في الفاشر، عاد لاحقًا للانخراط في القتال إلى جانب القوات المسلحة السودانية في كردفان، في مسار يجسد قدرة الفاعلين التشاديين على إعادة تموضعهم عسكريًا خارج حدود البلاد. ويشير ذلك إلى أن الساحة السودانية لا تزال تمثل مجالًا لإعادة ترتيب الحسابات الاستراتيجية للنخب السياسية والعسكرية التشادية التي تجد نفسها خارج مراكز السلطة في نجامينا، ولم تعد هذه التوترات مقتصرة على مجتمع الزغاوة وحده، إذ بدأت مؤشرات التباعد التدريجي عن حكومة ديبي تظهر أيضًا داخل جماعات عربية وتامية وغورانية كانت تقليديًا جزءًا من التوازنات السياسية للنظام. فقد أدى تهميش بعض الشخصيات الوسيطة بين هذه المجتمعات والرئاسة، إلى جانب إقصاء شخصيات من داخل الدائرة المقربة من عائلة ديبي نفسها، إلى تصاعد مشاعر انعدام الثقة وإعادة تشكيل شبكات الولاء داخل النظام.

وفي ظل هذه المعطيات، تبدو بنية الأمن في تشاد أقل اعتمادًا على التماسك المؤسسي وأكثر ارتكازًا على شبكات الولاء المتعددة داخل النخب العسكرية والقبلية. ومع غياب مراجعة استراتيجية لإدارة هذه التوازنات الداخلية، فإن استمرار هذه الانقسامات قد يتحول تدريجيًا إلى تهديد مباشر لاستقرار الدولة التشادية، خاصة في ظل بيئة إقليمية تتسم بتدفقات السلاح، وتداخل الفاعلين المسلحين، وتنامي الصراعات العابرة للحدود.

رابعًا- تشاد في بيئة جيوسياسية متفجرة.. السيناريوهات والخيارات الاستراتيجية:

تعمل تشاد اليوم ضمن بيئة جيوسياسية شديدة التعقيد، حيث يتقاطع الشأن السودانى مع هشاشة داخلية مستمرة وتنافس إقليمي ودولي متزايد. فالتورط التشادي، سواء كان فعليًا أو متصورًا، في مسار الصراع السوداني يضع نجامينا في قلب تنافس بين قوى خارجية متعددة. ومع اتساع هذا التنافس، تتقلص مساحة المناورة الاستراتيجية أمام تشاد وتزداد مخاطر انجرارها إلى صراعات إقليمية تتجاوز أولوياتها الوطنية، إلى جانب استمرار احتمالات تصاعد نفوذ قوات الدعم السريع في دارفور، يبرز سيناريو آخر يتمثل في توسع شبكات مرتبطة بهذه القوات غرباً عبر طرق التهريب العابرة للصحراء التي تربط دارفور بجنوب ليبيا ومنطقة الساحل الأوسط. وقد لا يأخذ هذا التوسع شكل تقدم عسكري تقليدي، بل قد يتجسد عبر انتشار شبكات مسلحة واقتصادات موازية قائمة على تهريب الذهب والمرتزقة والخدمات اللوجستية غير النظامية. ومن شأن هذا النمط من التوسع أن يعمق هشاشة البيئة الأمنية في تشاد ويقوض دورها التقليدي كمصدر نسبي للاستقرار في وسط أفريقيا ومنطقة الساحل، وفي هذا الإطار، تواجه نجامينا مجموعة من المقايضات الاستراتيجية المعقدة. فاستمرار التحالف مع شبكات مرتبطة مباشرة بما يجرى فى السودان قد يوفر مكاسب أمنية قصيرة المدى للنظام، لكنه في المقابل يزيد من خطر تفتت النخب الداخلية ويعرض البلاد لاحتمالات الانتقام أو الانجرار إلى حروب بالوكالة. أما خيار إعادة المعايرة الاستراتيجية، عبر تبني قدر أكبر من الحياد تجاه الصراع السوداني، فقد يخفف الضغوط الداخلية ويحد من انكشاف تشاد على التدخلات الخارجية، لكنه قد يأتي بتكلفة اقتصادية ودبلوماسية، خصوصاً في ظل التزامات مالية كبيرة.

وفي هذا السياق، يصبح تبني سياسة حياد فعّال تجاه الشأن السوداني أحد المسارات الممكنة لإعادة التوازن الاستراتيجي لتشاد. فمن شأن وقف أي دعم مباشر أو غير مباشر للفصائل المسلحة، وتعزيز أمن الحدود، وإدارة التوازنات المجتمعية الداخلية بصورة أكثر شمولاً، أن يحد من التوترات الداخلية ويقلل من مخاطر الانجرار إلى الصراعات الإقليمية. غير أن تحقيق هذا التحول يتطلب في الوقت ذاته إيجاد بدائل مالية وأمنية جديدة، سواء عبر شراكات متعددة الأطراف أو من خلال تعزيز القدرات المؤسسية للدولة.

ختامًا:

تكشف تداعيات الأحداث في السودان أن استقرار تشاد لم يعد مسألة داخلية بحتة، بل أصبح مرتبطًا بشكل وثيق بالتفاعلات الأمنية والجيوسياسية التي تعيد تشكيل فضاء الساحل ووسط أفريقيا. فالتشابك بين الانقسامات المجتمعية، والهشاشة المؤسسية داخل الأجهزة الأمنية، وتزايد التنافس بين القوى الخارجية، يضع نجامينا أمام مفترق طرق استراتيجي بالغ الحساسية. وفي حين قد توفر بعض التحالفات الإقليمية مكاسب تكتيكية مؤقتة، فإن استمرار الانخراط في ديناميات الصراع السوداني يهدد بتعميق التصدعات الداخلية وتحويل تشاد تدريجيًا إلى ساحة جديدة للتنافس الجيوسياسي في المنطقة. ومن ثم، فإن مستقبل الاستقرار التشادي سيعتمد بدرجة أقل على التأثير في مآلات الأمور السودانية، وبدرجة أكبر على قدرة الدولة على إدارة انقساماتها الداخلية، وتعزيز تماسك مؤسساتها الأمنية، وتقليص انكشافها أمام الأجندات الاستراتيجية الخارجية التي تتقاطع اليوم على حدودها الشرقية.

 


رابط دائم: