في فهم إيران.. ولاية الفقيه كمدخل لقراءة الدولة والنظام
15-3-2026

د. الشيماء الدمرداش العقالي
* باحثة في الشئون الإسلامية والإيرانية

في قلب الفكر السياسي الشيعي المعاصر تبرز نظرية ولاية الفقيه بوصفها واحدة من أكثر الأفكار إثارة للجدل في العالم الإسلامي الحديث. فهي ليست مجرد اجتهاد فقهي نشأ داخل أروقة الحوزات العلمية، بل تمثل تحولًا فكريًا عميقًا أعاد صياغة العلاقة بين الدين والسياسة، وبين المقدّس وإدارة الدولة. وقد اكتسبت هذه الفكرة أهميتها الاستثنائية عندما انتقلت من إطار نظري محدود إلى أساس دستوري لنظام سياسي قائم، مع قيام الجمهورية الإسلامية في إيران عام 1979، لتصبح منذ ذلك الحين أحد المفاتيح الرئيسية لفهم طبيعة الدولة الإيرانية وسلوكها السياسي داخليًا وخارجيًا.

على مدار التاريخ لطالما واجه الفكر الشيعي الإمامي معضلة فلسفية وسياسية معقدة تتعلق بسؤال القيادة والسلطة. فالمذهب يقوم على الاعتقاد بأن الإمامة منصب إلهي يتولاه الأئمة من نسل الإمام علي بن أبي طالب، وأن هؤلاء الأئمة يتمتعون بشرعية دينية خاصة وعصمة تجعلهم الأجدر بقيادة المجتمع. غير أن غياب الإمام الثاني عشر، المعروف في العقيدة الشيعية بالإمام المهدي المنتظر، والذي يُعتقد أنه دخل في مرحلة الغيبة الكبرى منذ القرن التاسع الميلادي، ترك فراغًا عميقًا في مسألة الحكم وإدارة شؤون الأمة. ومنذ ذلك الوقت ظل السؤال مطروحًا بإلحاح: من يتولى قيادة المجتمع في غياب الإمام المعصوم؟ وكيف يمكن للدين أن يظل فاعلًا في تنظيم الحياة السياسية والاجتماعية خلال زمن الغيبة الطويل؟

على مدى قرون طويلة حاول الفقهاء الشيعة الإجابة عن هذا السؤال عبر اجتهادات متعددة ومتباينة. فقد ذهب كثير منهم إلى منح العلماء دورًا دينيًا محدودًا يقتصر على الإفتاء والقضاء وتنظيم الشؤون الدينية للمجتمع، دون أن يمتد ذلك إلى تولي السلطة السياسية المباشرة. غير أن تحولات الفكر الشيعي عبر الزمن، إلى جانب التغيرات السياسية التي شهدتها المنطقة، فتحت المجال أمام إعادة التفكير في حدود هذا الدور. ومع تطور فكرة ولاية الفقيه بدأ يتشكل تصور يمنح الفقيه الجامع لشروط الاجتهاد والعدالة دورًا أوسع في الإشراف على شؤون المجتمع، باعتباره المرجعية التي يمكنها ملء الفراغ القيادي في زمن الغيبة.

بلغت هذه الفكرة ذروتها في القرن العشرين مع الطرح الذي قدمه الإمام الخميني، الذي أعاد صياغة النظرية في إطار سياسي واضح. فقد رأى أن الفقيه لا ينبغي أن يقتصر دوره على الإرشاد الديني أو إصدار الفتاوى، بل يجب أن يمتد ليشمل قيادة الدولة والمجتمع، باعتباره نائبًا عن الإمام الغائب. وبذلك تحولت ولاية الفقيه في فكره من مجرد ولاية محدودة على بعض الشؤون الشرعية إلى ولاية عامة تشمل إدارة الدولة نفسها.

لم تبقَ هذه النظرية حبيسة الكتب الفقهية أو النقاشات الدينية، بل تحولت إلى مشروع سياسي مع اندلاع الثورة الإيرانية عام 1979، وسقوط نظام الشاه محمد رضا بهلوي. ومع قيام الجمهورية الإسلامية أعيد بناء الدولة الإيرانية على أساس دستور جديد جعل من ولاية الفقيه حجر الزاوية في النظام السياسي. ووفق هذا الدستور يحتل الولي الفقيه موقع القيادة العليا في الدولة، ويتمتع بصلاحيات واسعة تشمل الإشراف على السياسات العامة، وقيادة القوات المسلحة، وتعيين كبار المسؤولين في مؤسسات الدولة الأساسية.

وهكذا تحولت ولاية الفقيه من نظرية فقهية إلى مؤسسة سياسية مركزية تجمع بين الشرعية الدينية والسلطة السياسية. فالولي الفقيه في النظام الإيراني لا يُنظر إليه بوصفه حاكمًا سياسيًا فحسب، بل باعتباره مرجعية دينية أيضًا تستمد مشروعيتها من موقعها في تمثيل الإمام الغائب. ومن هنا تنبع خصوصية هذا النظام الذي يجمع بين مفاهيم الدولة الحديثة وموروث ديني عميق الجذور في التراث الشيعي.

غير أن التجربة الإيرانية لا يمكن فهمها من خلال بعدها الديني وحده. فولاية الفقيه، في سياق التطبيق العملي، تداخلت مع عوامل تاريخية، وقومية، وسياسية متعددة. فقد نشأت الجمهورية الإسلامية في بيئة إقليمية ودولية شديدة التعقيد، وواجهت منذ تأسيسها تحديات كبيرة، بدءًا من الحرب الطويلة مع العراق في ثمانينيات القرن الماضي، وصولًا إلى العقوبات الاقتصادية المتصاعدة التي فرضتها الولايات المتحدة وحلفاؤها على مدى عقود.

ورغم هذه الضغوط تمكنت إيران من بناء منظومة مؤسساتية، واقتصادية، وعلمية واسعة، وتطوير قدرات تقنية في مجالات متعددة، من الصناعات العسكرية إلى التكنولوجيا النووية والفضائية. وغالبًا ما يقدم الخطاب الإيراني هذا المسار باعتباره نموذجًا للصمود والاستقلال السياسي في مواجهة الضغوط الخارجية. وفي هذا السياق أصبحت ولاية الفقيه جزءًا من الهوية السياسية للنظام، لا مجرد إطار دستوري ينظم السلطة، بل رمزًا للاستمرارية والاستقلال في مواجهة التحديات.

لكن فهم هذه التجربة السياسية لا يكتمل دون إدراك البعد الرمزي العميق في الثقافة الشيعية. فالفكر الشيعي يتميز بحضور قوي لفكرة الشهادة في الوعي الديني والتاريخي. ويُعد استشهاد الإمام الحسين في معركة كربلاء عام 680 ميلادية حدثًا مؤسسًا في الذاكرة الشيعية، حيث لا يُقرأ بوصفه هزيمة عسكرية، بل باعتباره انتصارًا أخلاقيًا خالدًا لقيم العدالة والكرامة في مواجهة الظلم. وقد تحولت كربلاء إلى رمز دائم للتضحية والصمود، وإلى مرجعية ثقافية وروحية تشكل جزءًا مهمًا من الهوية الشيعية المعاصرة.

هذا البعد الرمزي يفسر إلى حد كبير طبيعة التفاعل داخل المجتمع الشيعي مع مفاهيم الصراع والتحدي. فالسردية التاريخية التي تشكلت حول كربلاء تمنح فكرة الصمود أمام الضغوط مكانة مركزية في الوعي الجمعي. ولذلك كثيرًا ما تُقرأ المواجهات السياسية الكبرى ضمن إطار أخلاقي وثقافي أوسع، حيث تتحول الخسارة أحيانًا إلى عنصر تعبئة معنوية يعزز الإحساس بالهوية والرسالة التاريخية.

وفي خضم الحرب المشتعلة اليوم في المنطقة، يتجدد السؤال حول كيفية فهم السلوك الإيراني في لحظات التصعيد الكبرى. فطهران لا تتعامل مع الصراعات باعتبارها أحداثًا عسكرية عابرة، بل تنظر إليها ضمن سياق تاريخي أطول من المواجهة والتنافس على النفوذ والشرعية. لذلك تميل استراتيجيتها إلى ما يسميه بعض الباحثين "الصبر الاستراتيجي"، حيث تُدار المواجهات بمنطق النفس الطويل وتراكم الضغوط بدلاً من السعي إلى حسم سريع قد يحمل مخاطر غير محسوبة.

وفي الوقت نفسه تحاول إيران الحفاظ على توازن دقيق بين تجنب الانزلاق إلى حرب شاملة قد تهدد استقرارها الداخلي، وبين الحفاظ على صورتها كقوة قادرة على الرد والتأثير في معادلات القوة الإقليمية. وتلعب شبكات التحالفات الإقليمية والأدوات غير المباشرة دورًا مهمًا في هذه الاستراتيجية، التي تهدف إلى إدارة الصراع دون الوصول إلى نقطة الانفجار الشامل.

ويرتبط هذا السلوك أيضًا بسمات راسخة في الوعي التاريخي والسياسي الإيراني. فالتاريخ الإيراني، الممتد عبر قرون طويلة من الغزوات والتحديات والتحولات، أسهم في تشكيل شخصية سياسية تميل إلى الصمود والتمسك بالموقف حتى تحت أشد الضغوط. وغالبًا ما يتحول هذا الميل إلى ما يمكن وصفه بـالعناد الاستراتيجي في إدارة الأزمات، حيث يُنظر إلى التراجع السريع بوصفه مساسًا بالهيبة الوطنية.

ومن هنا فإن فهم إيران المعاصرة يتطلب قراءة تتجاوز الحسابات العسكرية والسياسية المباشرة، لتشمل أيضًا البنية الفكرية والثقافية التي تشكل أساس هذا النظام. فولاية الفقيه ليست مجرد مؤسسة دستورية تنظم السلطة، بل جزء من منظومة أوسع تتداخل فيها العقيدة الدينية مع الذاكرة التاريخية ومع حسابات الجغرافيا السياسية.

وفي نهاية المطاف تبقى ولاية الفقيه واحدة من أكثر التجارب السياسية فرادة في العالم المعاصر. فهي تمثل محاولة لدمج الفقه الديني بمؤسسات الدولة الحديثة، ولصياغة نموذج حكم يستمد شرعيته من التراث الديني بقدر ما يتعامل مع تحديات السياسة المعاصرة. وبين مؤيدين يرون فيها ضمانة للهوية والاستقلال، ومعارضين ينتقدون مركزية السلطة فيها، تظل هذه النظرية مفتاحًا أساسيًا لفهم إيران وسلوكها السياسي في الداخل والخارج، خاصة في لحظات التوتر التي تختبر قدرة الدولة على الموازنة بين العقيدة والواقعية السياسية.

وفي عالم تتسارع فيه التحولات الجيوسياسية، تظل إيران نموذجًا فريدًا لدولة تحاول التوفيق بين المرجعية الدينية ومتطلبات الدولة الحديثة. وقد يكون فهم هذا النموذج- بكل ما يحمله من تناقضات وتعقيدات- ضروريًا لفهم جزء مهم من معادلات الشرق الأوسط المعاصر، حيث تتقاطع السياسة بالعقيدة، وتتشابك الجغرافيا بالتاريخ، وتبقى الأسئلة الكبرى حول السلطة والشرعية مفتوحة على احتمالات متعددة.


رابط دائم: