حين يصبح المترو مسرحًا.. الثقافة ليست ترفًا 9-3-2026 د. إلهــام سيــف الدولــة حمــدان * أستاذ العلوم اللغوية بأكاديمية الفنون وعضو اتحاد كتاب مصر ليس أكثر دلالة على حيوية الثقافة من قدرتها على مفاجأتنا خارج أماكنها التقليدية. أن نصادف عرضًا فنيًا داخل محطة مترو، وسط ضجيج القطارات وتعجّل الركاب، فذلك يعني أن الفن قرر أن يغادر مقعده المريح في القاعات المغلقة، وينزل إلى الشارع، إلى الناس، إلى الحياة كما هي. ومن هنا أقرأ فعالية الأراجوز والماريونت التي قدّمها المركز القومي لثقافة الطفل، برئاسة الكاتب محمد ناصف، تحت رعاية أ.د. جيهان زكي وزير الثقافة، وبأمانة أ.د. أشرف العزازي، داخل محطة مترو جامعة القاهرة. أنا لا أنظر إلى الحدث بوصفه نشاطًا احتفاليًا عابرًا، بل باعتباره إشارة ثقافية تستحق التأمل. الثقافة حين تذهب إلى المترو، فهي تعلن – ضمنيًا – أن الفن ليس امتيازًا لمن يملك وقت الذهاب إلى المسرح، بل حق يومي يمكن أن يلتقيك وأنت في طريقك إلى عملك أو جامعتك. لطالما عانينا من مركزية الفعل الثقافي؛ مسارح محدودة، جمهور محدود، وخطاب يدور غالبًا في دوائر مغلقة. أما أن يتحول فضاء عبور يومي إلى مساحة فرجة، فذلك يعيد ترتيب العلاقة بين الفن والمجتمع. المترو مكان لا يعترف بالطبقات أو الانتماءات؛ الجميع يقف على الرصيف ذاته، ينتظر القطار ذاته. وحين يظهر الأراجوز فجأة، يصبح الضحك مشتركًا، والدهشة جماعية. الأراجوز ليس مجرد دمية. إنه ذاكرة ساخرة تمشي على خيط رفيع بين الطرافة والنقد. عبر عقود طويلة كان صوته الحاد أداة تعبير شعبي، يلتقط مفارقات المجتمع، ويسخر من تناقضاته، دون خطابة أو تنظير. أن يعود هذا الصوت اليوم إلى فضاء عام مزدحم يعني أننا نحاول استعادة شكل من أشكال الوعي البسيط، الذي يقول كلمته بالابتسام لا بالصراخ. قدّمت الفنانة جيهان موسى، بمشاركة الفنان حمدي مجدي، فقرات أراجوز لاقت تفاعلًا واضحًا من الركاب. هذا التفاعل، في رأيي، هو جوهر المسألة. فالجمهور لم يكن مستعدًا سلفًا للمشاهدة؛ لم يشترِ تذكرة، ولم يخطط لسهرة فنية. ومع ذلك توقّف، ابتسم، وصفّق. وهذا التوقف القصير في إيقاع المدينة الصاخب هو انتصار حقيقي للفن. أما الماريونت التي قدمها فريق كروكي بقيادة الفنان خالد الخريبي، فقد أضافت بُعدًا بصريًا مختلفًا. الدمى المعلّقة بخيوط دقيقة تتحرك بتناغم محسوب، في فضاء تتحرك فيه الجموع بعفوية وعجلة. ثمة مفارقة شاعرية هنا: خيوط تتحكم في دمى، بينما البشر يندفعون وفق خيوط غير مرئية من الالتزامات اليومية. وربما لهذا السبب بدت العرائس أكثر حرية من عابريها. لكن ما يهمني أكثر من تفاصيل العرض هو الفكرة الكامنة وراءه. إدراج “الأراجوز والدمى التقليدية المصرية” على قائمة الصون العاجل للتراث الثقافي غير المادي لدى اليونسكو عام 2018 لم يكن مجرد تكريم رمزي، بل تنبيه إلى أن هذا الفن مهدد بالاندثار. التراث لا يموت فجأة، بل يتآكل بصمت حين يغيب عن الحياة اليومية. من هنا تأتي أهمية أن نراه في المترو، لا في المتاحف فقط. التراث الذي يُحفظ خلف الزجاج يفقد روحه. أما حين يختلط بضجيج الناس، فإنه يستعيد نبضه الطبيعي. الثقافة ليست أرشيفًا، بل ممارسة. ومع ذلك، أعتقد أن التحدي الحقيقي لا يكمن في تنظيم فعالية ناجحة، بل في تحويلها إلى سياسة مستدامة. هل سيبقى الفن ضيفًا عابرًا على الفضاء العام، أم يصبح جزءًا من إيقاعه؟ هل سنرى عروضًا مماثلة في محطات أخرى، في الساحات، في الحدائق؟ أم ستظل التجربة استثناءً جميلًا نتغنّى به ثم نمضي؟ الثقافة في الشارع تحتاج إلى شجاعة إدارية بقدر ما تحتاج إلى خيال فني. تحتاج إلى إيمان بأن الفن لا يفسد النظام، بل يمنحه روحًا. ما حدث في محطة جامعة القاهرة يثبت أن بالإمكان الجمع بين الانضباط والحيوية، بين حركة القطارات وحركة الدمى، دون أن يطغى أحدهما على الآخر. في لحظة ما، كان هناك طفل يضحك، وطالب يلتقط صورة، وموظف يبتسم رغم إرهاقه. هذه اللحظة، في تقديري، أهم من أي خطاب رسمي. لأن الثقافة – في جوهرها – ليست شعارات، بل أثرًا إنسانيًا مباشرًا. هكذا يصبح المترو أكثر من وسيلة انتقال؛ يصبح مساحة لقاء. وحين تجرؤ الثقافة على النزول إلى هذا المستوى من القرب، فإنها تؤكد أنها ليست ترفًا، بل ضرورة. ضرورة للروح، كما القطار ضرورة لحمل الجسد. رابط دائم: