تداعيات الحرب الأمريكية الإسرائيلية-الإيرانية على القارة الإفريقية.. بين الحياد والمصالح
4-3-2026

محمود سامح همام
* باحث فى العلوم السياسية

في صباح 28 فبراير 2026 ، نفذت الولايات المتحدة وإسرائيل عملية عسكرية مشتركة ضد إيران، أُطلق عليها من الجانب الأمريكي اسم “الغضب الملحمي”، ومن الجانب الإسرائيلي اسم “الأسد الرهيب”، واستهدفت العملية مواقع استراتيجية وعسكرية داخل الأراضي الإيرانية باستخدام صواريخ متقدمة وطائرات مسيرة، في خطوة تمثل تصعيدًا كبيرًا في السياسة الدولية، وتهدف الولايات المتحدة وإسرائيل من خلالها إلى فرض قيود على البرنامج النووي الإيراني ومنع توسع قدراته العسكرية، فيما ردّت إيران سريعًا بإجراءات مضادة شملت إطلاق صواريخ واستهداف قواعد، مؤكدّة قدرتها على الدفاع عن سيادتها واستعادة التوازن العسكري، ويُلاحظ أن تداعيات هذه المواجهة العسكرية لها انعكاسات مباشرة وغير مباشرة على القارة الإفريقية من حيث الاقتصاد والأسواق الإقليمية واستقرار الأمن الإقليمي، وهذا يجعلنا نطرح تساؤلات حول موقف الدول الأفريقية وماذا يعني هذا للقارة من منظور الأمن والاستقرار والعلاقات الاقتصادية والسياسية بصياغة سياسية بحتة.

موقف تنزانيا من الحرب وتأثيراتها الاقتصادية والسياسية على القارة:

تتابع تنزانيا بقلق بالغ التصعيد العسكري بين الولايات المتحدة وإسرائيل، وإيران، معتبرة أن هذه المواجهة لن تقتصر آثارها على الشرق الأوسط بل ستمتد لتؤثر على أسواق الطاقة والسلع الأساسية العالمية التي تعتمد عليها البلاد، بما في ذلك ارتفاع تكاليف الوقود والنقل والصناعات المحلية، وهو ما يضغط على ميزانية الدولة ويهدد استقرار الاقتصاد ويستدعي من الحكومة تكييف سياساتها المالية والنقدية لتفادي التضخم وتراجع النمو الاقتصادي. كما أن تعطّل شبكات النقل الجوي واللوجستي الدولية بسبب الصراع يعرض القطاع السياحي والتجارة الخارجية للخطر، ويجعل من الضروري إعادة النظر في استراتيجيات التنمية الاقتصادية والسياسة الخارجية لضمان القدرة على مواجهة أي تبعات محتملة، مع التأكيد على أن الأزمة العالمية الحالية توضح حساسية القارة الإفريقية تجاه الصراعات الدولية وأهمية استعداد الدول لموازنة مصالحها الاقتصادية والأمنية في ضوء هذه التطورات.

موقف ناميبيا من التصعيد ودعوتها إلى خفض التصعيد:

أكّدت حكومة ناميبيا عبر وزارة العلاقات الدولية والتجارة موقفها الرافض لتصاعد الحرب بعد الضربات العسكرية التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران، معتبرة أن هذا التصعيد يشكّل خطرًا على السلام الدولي واستقرار المنطقة، وأن استمرار القتال من شأنه زعزعة الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط وما حولها، ويؤدي إلى تبعات تمتد إلى ما وراء الحدود الإقليمية المعتادة، بما في ذلك الآثار على الأمن والسلم الدوليين واحتمالات توسّع دائرة التوتر. وأكّد البيان أن ناميبيا تلتزم بمبادئ سيادة الدول وعدم التدخل في شئونها الداخلية وفق ميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي، وأن احترام هذه المبادئ يعد أساسًا للحفاظ على النظام الدولي القائم على القواعد. وأشارت الحكومة أيضًا إلى ضرورة استئناف الحوار الدبلوماسي كطريق وحيد لتحقيق السلام المستدام، مع التعبير عن دعمها لمواقف الاتحاد الأفريقي الذي دعا إلى خفض التصعيد والعودة إلى الحلول السياسية، وذلك لحماية مصالح الدول الصغيرة والنامية التي يعتمد أمنها وازدهارها على الالتزام بالقانون الدولي واستقرار الأوضاع العالمية.

موقف نيجيريا وردود الفعل الشعبية على الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران:

شهدت نيجيريا احتجاجات واسعة في عدد من ولاياتها، مثل لاجوس وأبوجا وكانو وغومبي ويوبي، نظمها أعضاء حركة الحركة الإسلامية في نيجيريا (المعروفة بالشّيعة) للتعبير عن الاستنكار الشديد للهجوم الذي شنّته الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران، ولا سيما بعد إعلان مقتل المرشد الأعلى الإيراني، معتبرين أن هذا العمل يعد انتهاكًا لسيادة الدول وقانونها الدولي، وأنه يمثل اعتداءً غير مبرر ضد إيران وشعبها، وردد المتظاهرون شعارات تضامن مع إيران ورفعوا أعلامها وصورا للقائد الإيراني، كما حملوا لافتات تُدين ما وصفوه بـ “العدوانية الأمريكية والإسرائيلية” ويدعون المجتمع الدولي إلى إدانة هذه الخطوة ووقف التصعيد العسكري. وركز المتظاهرون في تصريحاتهم على أن ما يحدث ليس مجرد نزاع عسكري عابر، بل اعتداء على مبادئ القانون الدولي وحرية الشعوب في تقرير مصيرها، مما يعكس وجود رأي شعبي متأثر بالقضايا الدينية والسياسية في منطقة الشرق الأوسط ويمتد تأثيره إلى المشهد الاجتماعي في نيجيريا، ويبرز أن الأزمة لا تُنظر إليها هناك فقط باعتبارها صراعا بعيدا جغرافيًا، بل كقضية تمس حقوق الشعوب وحاضرها السياسي.

موقف غانا من الحرب وتأثيراتها على مواطنيها والاقتصاد:

أعلنت حكومة غانا تفعيل خطة طوارئ وطنية لمتابعة التصعيد العسكري بين الولايات المتحدة وإسرائيل، وإيران، وقد شملت هذه الخطة بدء عملية إجلاء جزئي لموظفي سفارة غانا في طهران من أجل ضمان سلامتهم، مع بقاء عدد محدود من العاملين لتنسيق المساعدة اللازمة للمواطنين الغانيين في إيران ودول الخليج المتأثرة. وشددّت وزارة الخارجية الغانية على أنها تراقب بقلق بالغ التطورات في الشرق الأوسط، وأنها تجري تقييمات مستمرة لمدى الحاجة إلى إجلاء شامل لمواطنيها المنتشرين في البحرين والكويت وقطر والإمارات وإسرائيل، كما وجهت تعليمات للمواطنين بتجنّب السفر غير الضروري إلى المنطقة والالتزام بتوجيهات السلطات المحلية والبقاء على اتصال دائم مع البعثات الدبلوماسية. كما أدّت الاضطرابات إلى تعليق رحلات جوية مهمة من وإلى الشرق الأوسط مما أثر بشكل مباشر على حركة السفر والتجارة والربط الدولي لغانا، بينما دعا البيان أيضًا جميع الأطراف إلى التحلي بضبط النفس والعودة للحوار الدبلوماسي للحفاظ على الأرواح، والاستقرار الاقتصادي، والسلام الإقليمي، في ظل توقعات بأن استمرار التصعيد قد يكون له انعكاسات سلبية على الاقتصاد الغاني والأسواق العالمية التي تعتمد عليها البلاد بشكل كبير.

موقف جنوب إفريقيا من الحرب وتأثيراتها الاقتصادية والسياسية:

تراقب جنوب إفريقيا بقلق بالغ التصعيد العسكري بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، معتبرة أن هذا الصراع لن يكون محصورًا في المنطقة بل سيكون له انعكاسات اقتصادية وجيوسياسية واضحة على البلاد والقارة الإفريقية. وفي تقييم واسع للمؤسسة الاقتصادية والسياسية في البلاد، أكّد مسئولون أن ارتفاع أسعار النفط والسلع الأساسية نتيجة الحرب سيُسبّب ضغطًا على ميزانية الدولة، وارتفاع تكاليف النقل والطاقة، وزيادة التضخم، مما يعقّد جهود البنك المركزي في إدارة السياسة النقدية وتحقيق الاستقرار الاقتصادي. كما أشاروا إلى أن تعطل الطرق الجوية واللوجستية الدولية بسبب الأوضاع الأمنية في الشرق الأوسط يُلقي بثقله على حركة السفر والتجارة، ويُلزم الحكومة باتخاذ تدابير احترازية لحماية الاقتصاد الوطني ومصالح المواطنين، بما في ذلك التواصل مع المواطنين العالقين في دول الخليج ورصد الأوضاع لتنسيق الإجراءات اللازمة لهم. وعبر نواب وبرلمانيون عن قلق عميق من تداعيات الصراع على الأمن والسلم الدوليين، ومن احتمالات توسّع الأزمة، مؤكدين على ضرورة العودة إلى الحوار الدبلوماسي والتمسك بالقانون الدولي كسبيل لتحقيق الأمن والاستقرار، وشددوا على أن الأزمات العالمية المعاصرة تُظهر حساسية القارة الإفريقية تجاه الصراعات الدولية وأهمية استعداد الدول لموازنة مصالحها الاقتصادية والسياسية في ضوء هذه التطورات.

موقف أوغندا من الحرب وردّ الفعل الديني والاجتماعي:

أكّد مفتي أوغندا الشيخ شعبان رمضان مباجي في تصريح رسمي خلال مناسبة دينية رفضه العنف المستمر في الشرق الأوسط، ووصف القتل الواسع للمدنيين خلال الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى بأنه “غير إنساني وغير مقبول”، خاصة في ظل شهر رمضان المبارك الذي يتطلب احترام القيم الإنسانية والتقليدية الإسلامية، مشدّدًا على أن استهداف كبار الشخصيات الدينية أو المدنيين يعكس حدة الأزمة وخطورة تصاعدها على المجتمع البشري عمومًا. كما دعا المفتي المسلمين في أوغندا إلى الوحدة والمحافظة على تعاليم الإسلام والتضامن بين أفراد المجتمع وتجنّب الانقسامات الطائفية، مستغلًا المناسبة للتأكيد على أهمية السلام والأخوة والتفاهم في مواجهة النزاعات، مؤكدًا أن مثل هذا التصعيد الإقليمي لا ينبغي أن يُترجم إلى انقسامات داخل المجتمعات المسلمة في أفريقيا وأن التآزر والتسامح هما السبيل لحفظ السلم الأهلي. وقد استخدم زعماء المجتمع الديني في أوغندا هذا الموقف للتذكير بأن أزمة الشرق الأوسط لها أبعاد إنسانية واجتماعية تتجاوز الحدود الجغرافية، وأن استقرار المجتمعات الأفريقية يعتمد أيضًا على تعزيز قيم التضامن والسلام ومواجهة خطاب العنف والكراهية داخل القارة.

موقف إثيوبيا من الحرب وتأثيراتها على المواطنين والعلاقات الخارجية:

أظهرت التطورات الأخيرة أن إثيوبيا تتابع بقلق بالغ التصعيد العسكري بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، حيث أجرى رئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد اتصالًا هاتفيًا مع ولي عهد الكويت أدان فيه الهجوم الإيراني على دول الخليج واصفًا إياه بأنه انتهاك صارخ لسيادة الدول والقانون الدولي، مؤكّدًا دعم إثيوبيا للكويت وشعبها في مواجهة الاعتداءات، كما يعكس هذا الموقف حرص إثيوبيا على علاقاتها الدبلوماسية مع دول الخليج التي تضم جاليات إثيوبية كبيرة وتساهم في تحويلات مالية مهمة للاقتصاد المحلي. في الوقت نفسه، ورد أن مواطنًا إثيوبيًا كان من بين 58 شخصًا أصيبوا في الإمارات إثر الهجمات الصاروخية والطائرات المسيرة الإيرانية، مما يوضح أن تداعيات الحرب تمتد لتطال المدنيين من جنسيات متعددة، بما في ذلك مواطنون إفريقيون، وهو ما دفع الحكومة الإثيوبية إلى متابعة أوضاعهم وتقديم الدعم اللازم لهم. يعكس هذا الموقف الحساسية المتزايدة للدول الإفريقية تجاه التوترات العسكرية الدولية التي قد تؤثر على مصالح شعوبها وارتباطاتها الاقتصادية والدبلوماسية خارج القارة.

موقف نيجيريا من الحرب وأولوية العودة إلى التفاوض:

أكّدت حكومة نيجيريا على ضرورة ضبط النفس من جميع أطراف الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران والامتناع عن خطوات تزيد التصعيد، مشددة على أن استمرار العنف سيكون له عواقب خطيرة على الاستقرار الإقليمي والدولي ويتعارض مع مبادئ ميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي، بما في ذلك حماية المدنيين ومنع استخدام القوة المفرطة، ودعت إلى العودة إلى طاولة التفاوض والحوار الدبلوماسي كسبيل عاجل لاحتواء الأزمة. وأوضحت نيجيريا أنها ترصد التطورات بحذر وتحث على تبني الحلول السلمية عبر الأطر الدولية المتعددة، مع التأكيد على أن استمرار النزاع قد يؤثر على الأمن العالمي والأسواق الدولية، وهو ما ينعكس بدوره على الدول الإفريقية وأمنها واستقرارها، مؤكدًا بذلك حرص نيجيريا على دعم السلم الدولي واحترام القانون الدولي والابتعاد عن الانحياز في صراعات خارج نطاق القارة.

موقف "صوماليلاند" من الحرب وتباين المواقف الإقليمية:

أعلنت حكومة صوماليلاند غير المعترف بها دوليا في بيان رسمي إدانتها الشديدة للضربات الصاروخية الإيرانية الأخيرة التي استهدفت دول الخليج العربي ووصفتها بأنها اعتداء غير مبرر يهدد السلام والاستقرار الإقليمي، مؤكدة تضامنها الكامل مع الإمارات وقطر والكويت والبحرين والسعودية والأردن ورفض أي عمل يزيد التوتر في المنطقة، مستندة في ذلك إلى ضرورة احترام سيادة الدول وعدم المساس بأمنها. وأشار المسؤولون إلى أن استقرار الخليج مرتبط مباشرة بالأمن والاقتصاد في منطقة البحر الأحمر وقرن إفريقيا بسبب العلاقات التجارية والاستثمارية الطويلة الأمد. وفي الوقت نفسه، لم يصدر عن الحكومة الفيدرالية الصومالية في مقديشو أي بيان رسمي حول هذه الهجمات الإيرانية، بل أدانت بدلاً من ذلك الضربات العسكرية الأمريكية والإسرائيلية على إيران ودعت إلى ضبط النفس وتهدئة الأزمة، مما يبرز تباينًا دبلوماسيًا واضحًا بين هرجيسا ومقديشو في هذا التوقيت الحساس، وهو ما يعكس ارتباط المصالح الأمنية والاقتصادية المحلية بمواقف متباينة تجاه تداعيات النزاع في الشرق الأوسط. كما أدان زعيم المعارضة في صوماليلاند، الضربات الإيرانية واعتبرها انتهاكًا للقانون الدولي واستفزازًا قد يوسع رقعة النزاع ويزيد معاناة المدنيين، مطالبًا بوقف التصعيد والتأكيد على حماية السكان المدنيين في دول المنطقة.

تداعيات الحرب الأمريكية الإسرائيلية - الإيرانية على القارة الإفريقية:

تمثل الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى أزمة عالمية معقدة تتجاوز حدود الشرق الأوسط لتطال القارة الإفريقية في أبعاد متعددة، مما يجعل القارة عرضة لتبعات مباشرة وغير مباشرة على المستويات الاقتصادية والسياسية والأمنية والاجتماعية. اقتصاديًا، تشهد الدول الإفريقية ارتفاعًا ملحوظًا في أسعار النفط والغاز والسلع الأساسية، مما يزيد من ضغط الميزانيات الوطنية ويهدد استقرار العملات المحلية، خاصة في البلدان التي تعتمد بشكل كبير على الاستيراد لتأمين احتياجاتها الحيوية. ويترتب على ذلك ارتفاع تكاليف النقل والصناعة والبنية التحتية، وزيادة الأعباء على الأسر والفئات الفقيرة، وزيادة احتمالات التضخم المالي، وهو ما يفرض على الحكومات الإفريقية إعادة تقييم سياساتها المالية والنقدية، وضبط الإنفاق العام، وتعزيز آليات الحماية الاجتماعية لتخفيف الانعكاسات على المواطن.

أما من الناحية الأمنية، فالحرب تبرز حساسية القارة الإفريقية تجاه النزاعات الدولية، إذ تؤثر الاضطرابات في الشرق الأوسط على مسارات الشحن البحري والجوي والتجارة العالمية التي تعد شرايين حيوية للاقتصادات الإفريقية، وتزيد من هشاشة الأمن الغذائي واللوجستي. كما أن توسيع رقعة الحرب أو استخدام الهجمات الصاروخية والطائرات المسيرة قد يطال المدنيين من الجنسيات الإفريقية المنتشرين في المنطقة، مما يجعل الحكومات الإفريقية في موقف اضطراري لمتابعة سلامة مواطنيها وتفعيل خطط الطوارئ الدبلوماسية واللوجستية. وقد أظهرت التجارب الأخيرة مع البلدان مثل إثيوبيا وغانا وكينيا صعوبة موازنة الأمن القومي وحماية الجاليات في الخارج في وقت تتزايد فيه التحديات العالمية.

على الصعيد السياسي والدبلوماسي، تكشف الحرب عن تباين المواقف داخل القارة الإفريقية، كما ظهر في حالة صوماليلاند ومقديشو أو إثيوبيا والدول الخليجية، مما يعكس تعقيد المصالح الأمنية والاقتصادية والسياسية لأفريقيا في سياق الصراعات الدولية. هذا التباين يستدعي من الاتحاد الإفريقي والدول الأفريقية تعزيز التنسيق المشترك وإيجاد مواقف سياسية موحدة يمكنها حماية مصالح القارة، وضمان استمرار الدور الإفريقي في الساحة الدولية دون انحياز أو مخاطر إضافية، مع العمل على تعزيز الدبلوماسية الوقائية والمشاركة في الجهود الدولية لاحتواء النزاعات قبل تفاقمها.

من الناحية الاجتماعية، تؤدي الحرب إلى تهديد استقرار الجاليات الإفريقية في الشرق الأوسط، وزيادة تدفقات اللاجئين والمهاجرين، وارتفاع احتمالات الأزمات الإنسانية في حال توسع نطاق النزاع. كما أن تبعات الحرب تفرض على الحكومات الإفريقية تعزيز السياسات الداخلية لحماية المواطنين، وتأمين شبكات الدعم الاجتماعي، وإدارة المخاطر المرتبطة بالاضطرابات الخارجية، وهي مسألة تعكس حاجة القارة إلى تطوير آليات فعالة للتكيف مع الأزمات الدولية وتأثيراتها المباشرة على السكان والبنية الاقتصادية.

بصورة شاملة، تؤكد هذه الحرب أن أمن واستقرار إفريقيا مترابطان بالأمن العالمي، وأن أي نزاع بعيد جغرافيًا قد يحمل انعكاسات مباشرة على اقتصاد القارة، استقرارها الاجتماعي، مواقفها الدبلوماسية، واستراتيجياتها التنموية، ما يجعل من الضروري إعادة صياغة السياسات الإقليمية والقارية لضمان حماية مصالح إفريقيا الاقتصادية، السياسية، والأمنية، وتعزيز القدرة على التكيف مع صراعات القوى الكبرى في المستقبل.

ختامًا، إن الحرب القائمة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى تمثل اختبارًا حقيقيًا لقدرة القارة الإفريقية على مواجهة تداعيات الصراعات الدولية المعقدة، سواء على الصعيد الاقتصادي، أو السياسي، أو الأمني، والاجتماعي. فقد أظهرت الأحداث الأخيرة أن الأزمات البعيدة جغرافيًا يمكن أن تمتد تأثيراتها لتطال حياة المواطنين، والاقتصاد، واستقرار الدول الإفريقية، مما يفرض على الحكومات والمجالس الإقليمية تعزيز التنسيق السياسي، واعتماد آليات دبلوماسية موحدة، وحماية مصالح شعوبها في الخارج. كما تؤكد هذه الحرب على ضرورة إعادة التفكير في أولويات السياسات الوطنية والإقليمية، وتعزيز قدرة إفريقيا على موازنة مصالحها الاقتصادية مع متطلبات الأمن والسلام الدوليين، وتأكيد دور القارة كلاعب مسئول وفاعل في السياسة الدولية. في النهاية، تضع هذه الأزمة إفريقيا أمام تحدٍ مركب يتطلب استراتيجيات رصينة ومبادرات دبلوماسية مدروسة للحفاظ على الأمن، واستقرار الاقتصاد، وسلامة المواطنين، مع تعزيز مكانة القارة في رسم ملامح النظام الدولي المعاصر.


رابط دائم: