لم يعد ممكنا النظر إلى المواجهة الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، بوصفها أزمة شرق أوسطية تقليدية تدور حول برنامج نووي أو توازن ردع إقليمي. فالعالم الذي لم يلتقط أنفاسه بعد من تداعيات الحرب بين روسيا وأوكرانيا، يجد نفسه أمام مشهد أكثر تعقيدا من مجرد صراعين منفصلين في جغرافيتين مختلفتين. نحن أمام تداخل جبهات، وتراكم أزمات، وتآكل تدريجي لقواعد اشتباك كانت -ولو بحد أدنى- تضبط إيقاع المنافسة بين القوى الكبرى منذ نهاية الحرب الباردة.
ففي أوكرانيا، يجري اختبار صريح لحدود التوسع الغربي في المجال الحيوي الروسي، واختبار لقدرة موسكو على إعادة فرض نفسها كقوة كبرى رافضة لمنطق الإقصاء الاستراتيجي. وفي الخليج، يتجدد اختبار آخر: هل تستطيع واشنطن منع تشكل توازن ردع إقليمي يقيّد حرية حركتها وحركة حلفائها؟ وهل يمكن احتواء إيران دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة تعيد رسم خرائط القوة في غرب آسيا؟
لسنا إذن أمام حربين منفصلتين زمنيا أو سياسيا، بل أمام مسرح استراتيجي واحد تتوزع مشاهده بين كييف وطهران، بين البحر الأسود والخليج العربي. خيوط الصراع في الساحتين تتقاطع في نقطة مركزية واحدة: مستقبل النظام الدولي. فكل جبهة تُغذي الأخرى، وكل تصعيد في مسرح ينعكس حسابيا على ميزان الردع في المسرح الآخر.
إنها لحظة اختبار مزدوج:
أولا، اختبار لقدرة القوة المهيمنة -الولايات المتحدة- على إدارة صراعين استراتيجيين متزامنين دون الوقوع في فخ الاستنزاف. فالتاريخ يعلمنا أن القوى العظمى لا تتراجع عادة بهزيمة واحدة كبرى، بل بتراكم أعباء متعددة تفوق قدرتها على الاحتمال.
وثانيا، اختبار لقدرة القوى الصاعدة -وفي مقدمتها الصين وروسيا- على استثمار لحظة التشظي الدولي. فكل انشغال أمريكي في جبهة يفتح هامش حركة أوسع في جبهة أخرى. وكل إطالة أمد صراع تخلق فرصة لإعادة توزيع أوراق القوة اقتصاديا وعسكريا.
المشهد العالمي اليوم يشبه لوحة تتداخل فيها الخطوط:
في أوروبا الشرقية صراع على المجال الحيوي والهوية الأمنية.
وفي الخليج صراع على الردع الإقليمي ومفاتيح الطاقة.
وفي الخلفية صراع أعمق على قواعد النظام ذاته: من يضعها؟ ومن يفرضها؟ ومن يملك حق تعديلها؟
لقد اعتاد النظام الدولي بعد عام 1991 على درجة من "الضبط المهيمن"، حيث كانت الولايات المتحدة قادرة على التدخل في أكثر من ساحة دون أن تواجه تحديا موازيا من قوة كبرى أخرى. أما اليوم، فإن أي تحرك في ساحة يقابله اختبار في ساحة أخرى. لم تعد هناك جبهات معزولة، بل شبكة أزمات مترابطة تُنتج حالة من السيولة الاستراتيجية غير المسبوقة.
ومن هنا تكمن خطورة اللحظة:
فحين تتزامن الحروب في أطراف النظام الدولي، فإنها لا تظل محلية الطابع، بل تتحول إلى مؤشرات على خلل أعمق في بنية توزيع القوة. وحين تتآكل قواعد الاشتباك غير المكتوبة -كضبط التصعيد واحترام الخطوط الحمراء الكبرى- يصبح احتمال الخطأ في الحسابات أكبر من أي وقت مضى.
إن ما نشهده ليس فقط اشتباكا عسكريا، بل انتقالا بطيئا من مرحلة "إدارة الهيمنة" إلى مرحلة "إدارة التنافس بين أقطاب متعددة". وهذه المراحل الانتقالية تاريخيا هي الأكثر اضطرابا، لأنها تجمع بين طموح الصاعدين وقلق المهيمنين، وبين حسابات الردع ومخاطر المغامرة.
من كييف إلى طهران، تتشكل ملامح نظام لم يتبلور بعد، لكنه يتكون تحت ضغط النار. والسؤال لم يعد: من سيربح معركة هنا أو هناك؟ بل: أي توازن عالمي سيولد من رحم هذا التداخل بين الجبهات؟ وما هي انعكاساته على مصر والمنطقة العربية.
الامتداد الإقليمي.. الشرق الأوسط بين ضغط المحاور ومساحة المناورة:
في ظل التداخل بين جبهة أوروبا الشرقية وجبهة الخليج، لم يعد الشرق الأوسط مجرد ساحة صراع، بل أصبح عقدة توازن دولي. فالإقليم يقع عند تقاطع ثلاث دوائر قوة: الأمريكية، والروسية، والصينية. وكل تصعيد بين واشنطن وطهران ينعكس مباشرة على معادلات الأمن الإقليمي، وعلى حسابات الدول العربية التي تسعى إلى تجنب الانجرار إلى استقطاب حاد.
المنطقة اليوم أمام ثلاثة احتمالات كبرى:
1- تثبيت ردع متبادل محدود يحصر المواجهة في نطاق محسوب دون انفجار شامل.
2- اتساع رقعة الاشتباك بالوكالة بما يضغط على الدول الهشة ويعيد إنتاج بؤر توتر.
3- انزلاق إلى مواجهة أوسع تُدخل القوى الكبرى مباشرة في مسرح العمليات.
وفي كل سيناريو، يتراجع هامش اليقين، وتزداد أهمية الحسابات الدقيقة.
مصر كفاعل عقلاني في بيئة سيولة دولية:
في هذا السياق، تبدو مصر نموذجا للدولة التي تدير التوازن لا الانحياز. فالقاهرة تدرك أن الدخول في استقطاب حاد بين المحاور الكبرى يهدد مصالحها الاستراتيجية على أكثر من مستوى: أمن الطاقة، واستقرار البحر الأحمر، وسلامة قناة السويس، وتوازناتها الاقتصادية الدولية.
من منظور واقعي.. تتحرك مصر وفق ثلاث قواعد حاكمة:
أولا- تجنب الاستنزاف:
علمت التجربة الإقليمية الدولة المصرية أن الانخراط في صراعات مفتوحة يبدد الموارد ويُربك أولويات التنمية. لذلك تميل السياسة المصرية إلى دعم خفض التصعيد، والحفاظ على قنوات اتصال مفتوحة مع مختلف الأطراف.
ثانيا- تنويع الشراكات:
في عالم يتجه نحو تعددية غير مستقرة، يصبح تنويع العلاقات مع القوى الكبرى ضرورة لا ترفا. فالعلاقة مع واشنطن تبقى مهمة، لكن الانفتاح على موسكو وبكين يمنح هامش حركة أوسع ويقلل من مخاطر الارتهان لمحور واحد.
ثالثا- حماية المجال الحيوي المباشر:
أي تصعيد في الخليج أو البحر الأحمر ينعكس فورا على الاقتصاد المصري عبر حركة التجارة والطاقة. ومن ثم، فإن أولوية القاهرة تتمثل في منع انتقال الفوضى إلى محيطها القريب، سواء عبر تأمين الممرات البحرية أو دعم استقرار الدول المجاورة.
فإذا اتسع نطاق المواجهة، فإن البحر الأحمر سيصبح ساحة ذات حساسية فائقة، لأنه يمثل امتدادا مباشرا لأمن الطاقة والتجارة العالمية. وأي اضطراب في هذا الممر يعني ضغطا اقتصاديا عالميا، لكنه يعني أيضا تحديا مباشرا لمصر باعتبارها الدولة المشرفة على قناة السويس.
وهنا تتجلى أهمية المقاربة المصرية القائمة على:
• دعم الاستقرار الإقليمي بدل المغامرة.
• منع عسكرة الممرات البحرية إلى أقصى حد ممكن.
• تعزيز التنسيق الأمني مع القوى الدولية دون الوقوع في فخ الاصطفاف الكامل.
هذه المقاربة تعكس وعيا متزايدا بأن النظام الدولي لم يعد أحادي القطبية، وأن أفضل استراتيجية في لحظة السيولة هي إدارة التوازن لا القفز إلى أحد المعسكرين.
التحولات الكبرى في النظام الدولي لا تعني فقط مخاطر، بل تفتح أيضا فرصا. فالدول التي تدير موقعها بذكاء تستطيع أن تعيد تعريف أدوارها الإقليمية، وأن ترفع من وزنها النسبي في معادلات التفاوض الدولي.
بالنسبة لمصر، فإن قدرتها على الجمع بين الاستقرار الداخلي، والمرونة الدبلوماسية، والانفتاح المتوازن على القوى الكبرى، تمنحها فرصة لتعزيز موقعها كركيزة استقرار في إقليم مضطرب.
من كييف إلى طهران، نحن أمام صراع يتجاوز حدود الجغرافيا ليطال بنية النظام الدولي ذاته. لكن داخل هذا الاضطراب، لا تتحرك جميع الدول بالمنطق نفسه. فبين من يسعى إلى كسر الهيمنة، ومن يسعى إلى تثبيتها، توجد دول تسعى إلى إدارة التوازن والحفاظ على مصالحها في بيئة غير مستقرة.
وهنا تكمن أهمية الفاعل العقلاني، ليس في رفع الصوت، ولا في الاصطفاف الحاد، بل في قراءة التحولات بهدوء، وتقدير المخاطر بدقة، واختيار اللحظة المناسبة للحركة.
ففي عالم يتشكل تحت ضغط النار، قد تكون القدرة على تجنب الحرب أحيانا إنجازا استراتيجيا لا يقل أهمية عن خوضها.
الواقعية السياسية.. حين تتقدم القوة على الشرعية:
تقوم الواقعية السياسية على فرضية مركزية مفادها أن النظام الدولي يعيش في حالة "فوضى منظمة"، فلا توجد سلطة عليا فوق الدول قادرة على فرض القانون بشكل مُلزِم. ومن ثم، تصبح القوة -لا الشرعية- هي الضامن الوحيد للبقاء. هذه الفرضية التي صاغها مفكرو الواقعية من أمثال هانس مورغنثاو وطوّرها لاحقا كينيث والتز، لا تنظر إلى الأخلاق بوصفها غائبة، بل تعتبرها خاضعة لحسابات المصلحة.
في هذا الإطار، تبدو المواجهة الحالية امتدادا طبيعيا لمنطق الردع الصلب. فلا أحد يتحرك بدافع "العدالة الدولية"، بل بدافع منع تآكل موقعه في ميزان القوى.
أولا- واشنطن ومنطق الهيمنة الوقائية:
بالنسبة للولايات المتحدة، فإن تحجيم القدرات الإيرانية لا يتعلق فقط ببرنامج نووي أو بصواريخ بعيدة المدى، بل يرتبط بمسألة أعمق: منع تشكل توازن قوى إقليمي قد يتحول إلى نقطة ارتكاز لمحور دولي مضاد.
الاستراتيجية الأمريكية تتحرك على ثلاثة مستويات متداخلة:
1- منع تشكل محور أوراسي مضاد:
أي تقاطع المصالح بين روسيا، والصين، وإيران في إطار تعاون عسكري–اقتصادي يحد من حرية الحركة الأمريكية في آسيا وأوروبا والشرق الأوسط معا.
2- حماية التفوق النوعي الإسرائيلي:
التفوق الإسرائيلي ليس مجرد ضمانة أمنية لحليف، بل ركيزة في بنية الردع الأمريكية في الإقليم. أي اختلال في هذا التفوق يُضعف صورة المظلة الأمريكية ككل.
3- ضبط معادلة الطاقة العالمية:
السيطرة على استقرار طرق الطاقة ليست فقط مسألة اقتصادية، بل ورقة نفوذ جيوسياسي. فالطاقة في النظام الدولي الحديث تعادل القوة العسكرية من حيث التأثير الاستراتيجي.
من منظور الواقعية، فإن ما تقوم به واشنطن هو إدارة هيمنة وقائية: أي التحرك قبل أن تتشكل موازين قوة بديلة.
ثانيا- إسرائيل وعقيدة منع التكافؤ:
إسرائيل، من جهتها، تتحرك وفق منطق أمني أكثر حدة. فالدولة التي قامت في بيئة عدائية تاريخيا تبنت منذ نشأتها عقيدة "منع التكافؤ" -أي عدم السماح لأي خصم إقليمي بامتلاك قدرة ردع مماثلة.
التهديد الإيراني، في الحسابات الإسرائيلية، لا يُقاس فقط بمداه العسكري، بل بقدرته على تغيير البيئة الاستراتيجية المحيطة. فإذا أصبحت طهران قادرة على فرض معادلة ردع مستقرة، فإن حرية الحركة الإسرائيلية -التي شكلت جوهر استراتيجيتها الأمنية لعقود- ستتقلص.
لذلك تميل إسرائيل إلى منطق الضربات الوقائية أو الاستباقية، انطلاقا من قناعة مفادها أن المخاطرة بالحرب الآن أقل كلفة من المخاطرة بفقدان التفوق لاحقا.
ثالثا- إيران واستراتيجية "الردع بالمخاطر":
في المقابل، لا تتحرك إيران بمنطق التوسع الهجومي بقدر ما تتحرك بمنطق منع الإخضاع. فطهران تدرك أن موازين القوة التقليدية لا تميل لصالحها في مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة، لذلك اعتمدت استراتيجية غير متماثلة تقوم على رفع تكلفة أي هجوم محتمل.
هذه الاستراتيجية ترتكز على ثلاثة أعمدة:
• القدرات الصاروخية كوسيلة لضرب العمق الاستراتيجي للخصوم.
• شبكة الحلفاء الإقليميين التي تمنحها عمقا جيوسياسي وتوسّع نطاق الرد المحتمل.
• القدرة على تهديد الممرات البحرية بما يجعل أي تصعيد ذا تكلفة عالمية.
إيران لا تسعى إلى التفوق، بل إلى خلق معادلة ردع تجعل إسقاطها أو إخضاعها خيارا باهظ الثمن. إنها سياسة "التأمين عبر المخاطر": كلما زادت احتمالات الانفجار الإقليمي، زادت كلفة التفكير في الحرب عليها.
رابعا- تآكل الشرعية أمام صعود القوة:
في هذا المشهد، يتراجع القانون الدولي إلى الصفوف الخلفية. قرارات الأمم المتحدة، ومبادئ السيادة، وحتى خطاب حقوق الإنسان، تصبح أدوات خطابية أكثر منها قيودا فعلية. فحين تتعارض الشرعية مع المصلحة، تنتصر المصلحة.
لكن الخطورة لا تكمن فقط في تجاوز القانون، بل في اعتياد تجاوزه. إذ إن تكرار منطق القوة يعيد تعريف ما هو "مقبول" في العلاقات الدولية، ويُضعف القواعد التي كانت تحدّ من الانزلاق إلى صدام مباشر بين القوى الكبرى.
نحن إذن أمام لحظة تتقدم فيها حسابات الردع والهيبة على أي اعتبارات معيارية. والواقعية هنا لا تُبرر ما يحدث، لكنها تفسره:
الدول حين تشعر بأن موقعها مهدد، تعود إلى غريزة البقاء الأولى - تعظيم القوة وتقليص المخاطر، حتى لو كان الثمن مزيدا من عدم الاستقرار.
الواقعية السياسية تكشف أن ما يبدو صراعا إقليميا هو في جوهره صراع على توزيع القوة. واشنطن تدير هيمنة وقائية، إسرائيل تمنع التكافؤ، وإيران ترفع كلفة الإخضاع. وبين هذه الحسابات، تتراجع الشرعية أمام صلابة القوة.
وفي عالم تتآكل فيه القيود القانونية، يصبح السؤال الأهم:
إلى أي مدى يمكن لمنطق الردع الصلب أن يضبط الصراع، قبل أن يتحول إلى مواجهة تتجاوز حسابات الجميع؟
توازن القوى وعودة الاستقطاب العالمي:
الحرب الدائرة في الخليج لا يمكن قراءتها بمعزل عن الحرب بين روسيا وأوكرانيا. فالمسرحان -رغم البعد الجغرافي- يتصلان عضويا في حسابات القوى الكبرى. ما يحدث ليس تصادف أزمات، بل تفاعل ساحات ضمن صراع أوسع على إعادة توزيع القوة في النظام الدولي.
أولا- موسكو وكسر الطوق الاستراتيجي:
منذ اندلاع المواجهة في أوروبا الشرقية، تنظر موسكو إلى التحركات الغربية بوصفها استراتيجية احتواء ممتدة. وفي هذا السياق، تمثل إيران بالنسبة لروسيا أكثر من شريك تكتيكي، إنها نقطة ارتكاز جنوبية تكسر الامتداد الجغرافي للضغط الغربي.
إضعاف طهران -عسكريا أو سياسيا- يعني من منظور الكرملين تضييق هامش المناورة الروسي في غرب آسيا، وتقليص شبكة التعاون العسكري والاقتصادي التي تشكلت خلال السنوات الأخيرة. كما أن سقوط إيران في معادلة ردع مختلة سيعزز الشعور الروسي بأن الغرب لا يكتفي بمسرح واحد، بل يعمل على تطويق متدرج متعدد الاتجاهات.
لذلك، فإن موسكو لا تنظر إلى المواجهة في الخليج كصراع بعيد، بل كامتداد غير مباشر لجبهتها المفتوحة في أوروبا الشرقية. أي اختلال في ميزان القوى هناك يُترجم في حساباتها كتحول في توازن الردع العالمي.
ثانيا- واشنطن ومنع تلاقي المحاور:
في المقابل، تدرك واشنطن أن ترك إيران تتعاظم عسكريا وسياسيا يفتح الباب أمام تلاقي مصالح روسية–إيرانية أعمق، وربما تنسيق أوسع في ملفات الطاقة والسلاح والتموضع الإقليمي.
المعضلة الأمريكية ليست فقط في احتواء طهران، بل في منع تشكل فضاء جيوسياسي متصل يمتد من موسكو إلى الخليج، مدعوما اقتصاديا من الصين. فمثل هذا الامتداد قد يخلق كتلة قارية ذات عمق استراتيجي يصعب الضغط عليها بأدوات تقليدية.
من هنا يصبح التحرك الأمريكي في الخليج جزءا من استراتيجية أوسع للحفاظ على توازن القوى العالمي، لا مجرد دفاع عن حليف أو رد على تهديد إقليمي.
ثالثا- الصين واستراتيجية الترقب النشط:
الصين تقف في موقع أكثر حذرا، لكنها لاعب مركزي في معادلة الاستقطاب الجديدة. فهي تعتمد بدرجة كبيرة على استقرار تدفقات الطاقة عبر الخليج، وترى في إيران عقدة جغرافية مهمة ضمن مشروع "الحزام والطريق".
بكين لا تبحث عن صدام عسكري مباشر، لكنها تمارس ما يمكن تسميته بـ"الترقب النشط":
• تعزيز الشراكات الاقتصادية.
• توسيع التعاملات بالعملات المحلية لتقليل الاعتماد على الدولار.
• استثمار أي توتر يضعف الهيمنة الأمريكية دون أن تنخرط في مواجهة مفتوحة.
الصين لا تريد انهيار الاستقرار في الخليج، لكنها أيضا لا تمانع في رؤية النفوذ الأمريكي يتآكل تدريجيا. إنها مقاربة باردة وطويلة النفس، تقوم على الزمن كأداة قوة.
اصطفاف تدريجي.. لكن بلا حدود صلبة:
نحن إذن أمام إعادة تشكل اصطفافات دولية:
• محور تقوده الولايات المتحدة مدعوما بشبكة تحالفات أمنية واسعة.
• محور مضاد يضم روسيا وإيران، مع دعم سياسي واقتصادي صيني.
• قوى إقليمية كبرى تتبنى سياسة التحوط، فتحافظ على علاقات مع المعسكرين.
لكن هذا الاستقطاب لا يشبه الحرب الباردة الكلاسيكية بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي. الفارق الجوهري يكمن في ثلاثة عناصر:
1- غياب الانقسام الأيديولوجي الصارم:
الصراع الحالي ليس بين رأسمالية وشيوعية، بل بين نماذج مختلفة لإدارة النفوذ.
2- الترابط الاقتصادي العميق:
التجارة وسلاسل الإمداد تربط الخصوم بعضهم ببعض، مما يجعل القطيعة الشاملة مكلفة للجميع.
3- المساحات الرمادية:
العديد من الدول ترفض الاصطفاف الكامل، وتفضل تنويع شراكاتها لتجنب الارتهان لمحور واحد.
استقطاب شبكي لا ثنائي:
إذا كانت الحرب الباردة قد أنتجت نظاما ثنائيا واضح المعالم، فإن الاستقطاب الحالي أقرب إلى شبكة متداخلة من التحالفات المرنة. قد تتقاطع المصالح في ملف، وتتصادم في آخر. قد تتنافس الدول اقتصاديا وتتعاون أمنيا في الوقت ذاته.
إنها مرحلة "تعددية متوترة"، حيث لا يوجد قطب واحد قادر على فرض إرادته منفردا، ولا يوجد تحالف صلب قادر على تحدي الجميع دفعة واحدة.
توازن القوى العالمي يعود، لكن بصيغة أكثر تعقيدا.
روسيا ترى في إيران عمقا استراتيجيا.
الولايات المتحدة ترى في تحجيم طهران ضرورة لمنع تشكل كتلة مضادة.
الصين تراقب وتستثمر وتنتظر اللحظة المناسبة.
وبين هذه الحسابات، يتشكل نظام دولي جديد لا يقوم على جدران حديدية فاصلة، بل على خطوط تماس مرنة ومناطق نفوذ متداخلة.
السؤال الأهم ليس ما إذا كان الاستقطاب سيعود -فقد عاد بالفعل- بل هل تستطيع القوى الكبرى إدارة هذا الاستقطاب دون أن يتحول إلى صدام شامل يعيد العالم إلى منطق المواجهة الكبرى؟
معضلة الجبهتين واختبار القدرة الأمريكية:
كشفت الحرب في أوكرانيا أن القدرة الغربية على الحسم السريع ليست مطلقة. فالصراعات الحديثة عالية التكلفة، وتعتمد على عوامل تتجاوز التفوق العسكري: الاقتصاد، والشرعية السياسية، وإدارة التحالفات. لم تعد الحرب مجرد مواجهة بين جيوش، بل اختبار لقدرة النظام السياسي على تحمل الأعباء على المدى الطويل.
اليوم تضيف جبهة الخليج اختبارا آخر: هل تستطيع الولايات المتحدة إدارة صراعين استراتيجيين متوازيين دون أن تتآكل قدرتها على القيادة؟ فالجبهة الأوروبية تستهلك موارد دبلوماسية واقتصادية، والجبهة الشرق أوسطية - إذا تصاعدت - قد تستهلك موارد عسكرية وسياسية إضافية.
المعضلة هنا ليست بسيطة:
• الردع يتطلب استعدادا لاستخدام القوة.
• لكن استخدام القوة على نطاق واسع قد يقود إلى استنزاف.
• والاستنزاف هو الخطر الأكبر على أي قوة مهيمنة.
التاريخ الاستراتيجي يقدم نماذج مشابهة. فالإمبراطوريات لا تسقط عادة بهزيمة واحدة قاطعة، بل بتراكم التزامات تتجاوز قدرتها على الإدارة. حين تتسع رقعة التدخلات العسكرية والالتزامات الأمنية، يصبح كل مسرح جديد عبئا إضافيا. وحين تتزامن الأزمات تتعرض القدرة على صنع القرار لضغط مزدوج: ضغط الموارد وضغط الإرادة السياسية.
السؤال إذن يتجاوز الردع، هل تستطيع واشنطن الردع دون استنزاف؟
الردع الفعال يعني منع الخصم من اختبار حدود القوة. لكنه يصبح مكلفا إذا تطلب وجود عسكري دائم أو تدخلات متكررة. وإذا ارتفعت الكلفة إلى مستوى يثير جدلا داخليا حول جدوى القيادة العالمية، فإن السياسة الخارجية تتعرض لتحولات.
هنا تظهر معضلة القيادة:
القوة المهيمنة لا تتراجع فقط حين تهزم عسكريا، بل حين تتغير أولوياتها الداخلية ويصبح تحمل الأعباء أقل قبولا سياسيا.
رسالة قوة إذا نجح الاحتواء:
لو تمكنت واشنطن من احتواء التصعيد في الخليج بسرعة، فإنها ستبعث برسالة مزدوجة:
1- إن قدرتها على إدارة الأزمات لا تزال قائمة.
2- إن قواعد الردع لا تزال تمنع الانزلاق إلى مواجهة شاملة.
هذا النجاح لا يعني نهاية التحديات، لكنه يثبت أن النظام الدولي قادر على إدارة التنافس ضمن حدود محسوبة.
مخاطر الاستنزاف إذا طال أمد المواجهة:
لكن السيناريو الآخر أكثر تعقيدا. فاستمرار التوتر لفترة طويلة قد يحول الشرق الأوسط إلى ساحة استنزاف جديدة:
• ارتفاع تكاليف الانتشار العسكري.
• ضغوط اقتصادية نتيجة اضطراب أسواق الطاقة.
• تصاعد الجدل الداخلي حول جدوى التدخلات الخارجية.
وفي هذه الحالة، لا يكون الخطر في هزيمة مباشرة، بل في تآكل تدريجي للقدرة على القيادة. التاريخ يعلمنا أن القوى الكبرى لا تنهار فجأة، بل تفقد تدريجيا هامش التفوق.
الاستنزاف لا يعني نهاية الدور الأمريكي، لكنه قد يعيد تعريفه: من قيادة مطلقة إلى قيادة تشاركية في نظام أكثر تعددية.
الانتقال نحو تعددية الأقطاب:
إذا تراكمت الأزمات وتعددت الجبهات، قد تتسارع عملية الانتقال إلى نظام دولي متعدد الأقطاب. هذا لا يعني غياب الولايات المتحدة، بل يعني مشاركة أوسع في صنع القرار العالمي:
• أقطاب اقتصادية كبرى.
• قوى إقليمية ذات وزن.
• مؤسسات دولية تحتاج إلى تحديث.
التعددية ليست بالضرورة أكثر استقرارا، لكنها تعكس حقيقة توزيع القوة الجديد. النظام الدولي يتغير حين تتغير موازين القوة الاقتصادية والتكنولوجية، وليس فقط العسكرية.
معضلة الجبهتين تختبر حدود القيادة الأمريكية في لحظة تاريخية انتقالية. الردع مطلوب، لكن الكلفة مهمة. النجاح في الاحتواء يعزز النظام القائم، والفشل في إدارة الكلفة قد يدفعه نحو إعادة تشكيل.
هذا لا يعني حتمية الانحدار، بل ضرورة إدارة المخاطر بعقلانية. فالقوة الحقيقية لا تقاس فقط بالقدرة على خوض الحروب، بل بالقدرة على تجنبها أو إنهائها بشروط مقبولة.
لحظة ما قبل التبلور في تحول النظام الدولي:
تشير نظرية انتقال القوة إلى أن الأنظمة الدولية لا تبقى جامدة. فهي تمر بدورات تاريخية تتغير فيها موازين النفوذ بين القوى الكبرى. بعد نهاية الحرب الباردة، دخل العالم مرحلة أحادية قطبية امتدت فيها قيادة الولايات المتحدة دون منازع تقريبا. كانت تلك اللحظة مميزة: نظام دولي قائم على مركز قوة واحد قادر على إدارة التحالفات وفرض قواعد اللعبة.
لكن الزمن لم يتوقف. صعود الصين اقتصاديا وتكنولوجيا، وعودة روسيا كلاعب عسكري وسياسي، وتعاظم أدوار قوى إقليمية كبرى، أدخل العالم في حالة سيولة استراتيجية. السيولة هنا تعني غياب شكل نهائي للنظام: لا عودة إلى الثنائية الصلبة للحرب الباردة، ولا استمرار للأحادية المطلقة.
نحن اليوم في مرحلة يمكن تسميتها "ما قبل التبلور":
• الأحادية لم تعد قادرة على الانفراد بالحسم. فالأزمات المعقدة تتطلب تنسيقا دوليا لا تفرضه قوة واحدة.
• التعددية لم تتشكل بعد في إطار مؤسسي مستقر. لا توجد مؤسسات جديدة قادرة على إدارة توازنات القوة الحديثة بشكل فعال.
• القواعد القديمة لم تعد كافية. النظام الذي صُمم لعالم ما بعد 1991 يواجه تحديات لم يكن معدا لها: الحروب بالوكالة، والاقتصاد كسلاح، والحرب السيبرانية.
هذه اللحظة الانتقالية هي الأخطر لأنها لحظة غياب يقين. في الفترات التي تتغير فيها الأنظمة الدولية، تزداد احتمالات الخطأ في الحسابات. فالقوى لا تعرف بدقة حدود نفوذها الجديد، ولا تعرف أيضا حدود ردود فعل خصومها. وهذا الغموض قد يدفع بعض الأطراف إلى اختبار الخطوط الحمراء، ما يرفع خطر التصعيد.
التاريخ يقدم شواهد على ذلك. فانتقال النظام الدولي بعد الحرب العالمية الثانية صاحبه إنشاء مؤسسات جديدة كالأمم المتحدة، لكن الطريق كان محفوفا بالتوترات. كذلك شهدت الحرب الباردة أزمات كبرى - مثل أزمة الصواريخ - كادت أن تخرج عن السيطرة. الانتقالات لا تعني حتمية الحرب، لكنها تزيد من حساسية البيئة الدولية.
اليوم، لا أحد يملك يقينا حول الشكل النهائي للنظام المقبل:
• هل سيكون متعدد الأقطاب، حيث تتقاسم القوى الكبرى النفوذ؟
• أم سيظهر نظام شبكي أكثر تعقيدا، تتداخل فيه التحالفات والمصالح؟
• أم تستمر درجة من القيادة الأمريكية مع شراكات أوسع؟
الإجابة لم تتبلور بعد. نحن في منطقة وسطى: النظام القديم يفقد بعض خصائصه، والجديد لم يكتمل.
المخاطر في مرحلة ما قبل التبلور:
غياب الوضوح الاستراتيجي يحمل مخاطر:
1- تصاعد المنافسة: حين لا توجد قواعد راسخة، قد تسعى الدول إلى توسيع نفوذها قبل تثبيت النظام الجديد.
2- سوء الفهم: تباين التصورات حول الخطوط الحمراء قد يؤدي إلى تصعيد غير مقصود.
3- تعدد الأزمات: الأزمات المحلية قد تتفاعل مع بعضها، لتتحول إلى تحديات عالمية.
هذه المخاطر لا تعني أن الحرب حتمية، لكنها تفرض إدارة دقيقة للتنافس.
الفرص الموجودة:
الانتقالات ليست فقط لحظات خطر، بل أيضا فرص. فحين تتغير الأنظمة الدولية، تتاح إمكانية تحديث القواعد:
• تعزيز المؤسسات الدولية لتكون أكثر تمثيلا.
• تطوير قواعد إدارة التنافس في الفضاء السيبراني والاقتصادي.
• إيجاد آليات للحد من سباقات التسلح.
النظام الدولي لا يبقى ثابتا.. لكنه يمكن أن يتطور:
نحن في لحظة تاريخية تشبه مفترق طرق. النظام الأحادي الذي عرفناه بعد الحرب الباردة يتراجع تدريجيا، لكن البديل لم يتبلور بعد. هذه المساحة الرمادية هي الأخطر لأنها تفتقر إلى اليقين.
إدارة هذه المرحلة تتطلب مزيجا من الواقعية والحكمة: الواقعية في فهم تغير موازين القوة، والحكمة في تجنب التصعيد. فالنظام الدولي الجديد - أيّا كان شكله - سيولد من عملية توازن بين الطموحات والمخاوف.
الحرب بين الاحتواء والانفجار الأكبر:
المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، لا يمكن اختزالها في حسابات عسكرية محدودة. فهي جزء من صراع أوسع حول من يملك حق صياغة قواعد النظام العالمي: من يحدد حدود النفوذ، ومن يضع معايير الشرعية، ومن يفرض قواعد الردع.
هذا الصراع لا يدور فقط على الأرض، بل على مستوى الأفكار والمؤسسات. فالنظام الدولي الذي تشكل بعد نهاية الحرب الباردة اعتمد على مزيج من القيادة الأمريكية والمؤسسات متعددة الأطراف. لكن التحولات الجارية تطرح سؤالا جوهريا: هل هذا النموذج لا يزال قادرا على إدارة عالم أكثر تعقيدا؟
من منظور الواقعية السياسية، نحن أمام صراع إرادات وقوة. الدول تتحرك وفق حسابات المصلحة، لا وفق خطاب أخلاقي مجرد. الردع، والتحالفات، وتوازن القوى هي الأدوات الأساسية. وفي هذا الإطار، تبدو المواجهة الحالية امتدادا طبيعيا لمحاولة كل طرف تأمين موقعه في النظام.
من منظور توازن القوى، نشهد إعادة اصطفاف تدريجية. القوى الكبرى تعيد حساباتها: من هو الحليف؟ ومن هو الخصم؟ وما حدود التعاون؟ هذا الاصطفاف لا يشبه الحرب الباردة القديمة ذات الخطوط الصلبة، بل أقرب إلى شبكة معقدة من العلاقات تتقاطع فيها المصالح. قد تتعاون الدول في ملف وتتنافس في آخر، مما يجعل المشهد أكثر سيولة.
ومن منظور انتقال النظام الدولي، قد نكون أمام مخاض طويل لنظام أكثر تعددية. الأحادية المطلقة التي عرفها العالم بعد 1991 تتراجع، لكن التعددية لم تتبلور بعد في إطار مستقر. قد يظهر نظام تتقاسم فيه القوى الكبرى النفوذ، لكن دون قواعد راسخة تضمن الاستقرار. وهذا ما يجعل المرحلة الحالية أقل استقرارا وأكثر عرضة للأزمات.
السؤال الجوهري إذن لم يعد: من سينتصر في هذه الجولة؟ فالنصر العسكري -حتى لو تحقق- لا يحسم طبيعة النظام الدولي. بل السؤال الأعمق: أي نظام دولي سيخرج من تحت ركام هذه الحروب المتوازية؟
هل سيكون نظاما متعدد الأقطاب قادرا على إدارة التنافس ضمن قواعد متفق عليها؟ أم نظاما تتنازع فيه القوى دون إطار مؤسسي، مما يزيد من احتمالات التصعيد؟
الإجابة لن تُكتب فقط في ميادين القتال، لأن الحروب الحديثة لا تحسمها الدبابات وحدها. بل تتحدد أيضا في:
• قدرة القوى الكبرى على إدارة التنافس دون كسر الخطوط الحمراء.
• وجود آليات للاتصال والاحتواء تمنع سوء الفهم.
• استعداد الأطراف للقبول بتسويات تحافظ على الحد الأدنى من الاستقرار.
فإن نجحت إدارة الاحتواء، قد يدخل العالم مرحلة تعددية منضبطة بها منافسة قائمة، لكنها محكومة بقواعد. وإن فشلت فقد ندخل عقدا من الحروب المتزامنة تعيد رسم خرائط النفوذ لعقود مقبلة -ليس فقط في الشرق الأوسط، بل في بنية النظام الدولي كله.
هذه ليست نبوءة، بل قراءة للمخاطر. التاريخ يعلمنا أن الفترات الانتقالية هي الأكثر حساسية. لكنها أيضا الفترات التي يمكن فيها بناء قواعد جديدة إذا توافرت الإرادة السياسية.