دلالات "لقاء عنتيبي".. هل تبحث مليشيا الدعم السريع عن اعتراف سياسي؟
4-3-2026

عبدالله فارس القزاز
* باحث فى الشئون الإفريقية

تشهد السودان منذ أبريل 2023 أزمة سياسية وأمنية غير مسبوقة نتيجة تمرد مليشيا الدعم السريع على الدولة، ما انعكس مباشرة على استقرار البلاد وأثر سلبًا على مكانتها الإقليمية والدولية. ومع غياب أي قدرة لهذه المليشيات على الالتزام بالقانون أو احترام مؤسسات الدولة، تعمّقت حالة الانقسام والازدواجية في الحكم، ما أدى إلى توترات متكررة تهدد الأمن القومي وتعرقل أي جهود لإعادة الاستقرار السياسي.

وفي هذا السياق، يبرز قائد مليشيا الدعم السريع محمد حمدان دقلو كفاعل غير شرعي يسعى لتحويل القوة العسكرية إلى اعتراف سياسي خارجي، كما يتجلى ذلك في لقائه مع الرئيس الأوغندي يوري موسيفيني في فبراير 2026. هذا التحرك يعكس محاولات للالتفاف على مؤسسات الدولة، ويبرز حجم التحدي الذي تمثله المليشيات المسلحة أمام سيادة الدولة وشرعيتها.

يهدف هذا التقرير إلى تحليل دلالات هذا اللقاء، واستكشاف دوافع مليشيا الدعم السريع في سعيها للاعتراف الخارجي، وفهم حسابات أوغندا في هذا الانخراط، مع تقييم تأثير هذه التحركات على الاستقرار الداخلي للسودان ومدى تهديدها لسيادة الدولة

أولًا- سعي الدعم السريع نحو الاعتراف السياسي الخارجي:

تشهد القارة الأفريقية منذ بداية عام 2026، مرحلة جديدة من التوتر السياسي، في ظل تداخل عدد من الملفات ذات التأثير الإقليمي، من بينها الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال، وهي إقليم غير معترف به، وما يترتب على ذلك من إشكاليات مرتبطة بالمواثيق الدولية والقانون الدولي، إضافة إلى مطالبة آبي أحمد بمنفذ بحري، فضلًا عن الملفات الممتدة مثل قضية سد النهضة والانتخابات التي تشهدها القارة الأفريقية. في هذا السياق الإقليمي المضطرب، تتداخل الأزمة السودانية مع هذه التحولات، في ظل الحرب المستمرة منذ أبريل 2023 بين مليشيا الدعم السريع والقوات  المسلحة السودانية.

ضمن هذا المشهد، جاء لقاء فبراير 2026 بين قائد مليشيا الدعم السريع محمد حمدان دقلو والرئيس الأوغندي يوري موسيفيني ليشكّل حدثًا محوريًا في تشكيل التوترات القائمة، سواء على مستوى السودان أو الإقليم. ففي  فبراير 2026، استقبل الرئيس الأوغندي قائد الدعم السريع في قصر عنتيبي، في خطوة تتجاوز في دلالاتها مجرد تحرك دبلوماسي عابر.

يأتي لقاء عنتيبي في سياق تكثيف الجهود الإقليمية والدولية للتوصل إلى وقف إطلاق النار في السودان. خلال اللقاء الذي وثقه الرئيس الأوغندي يوري موسيفيني عبر حسابه الرسمي على منصة "إكس"، ناقش موسيفيني مع محمد حمدان دقلو (حميدتي) تطورات الأوضاع في السودان، مؤكدًا أن الحوار والحل السياسي هما السبيل الوحيد لتحقيق الاستقرار المستدام في السودان والمنطقة. وجاء هذا اللقاء بعد أيام قليلة من استقبال موسيفيني نائب رئيس مجلس السيادة السوداني مالك عقار، في إطار سعيه لتسهيل قنوات الاتصال بين أطراف النزاع. ومع ذلك، أكد رئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان مرارًا رفضه التفاوض مع مليشيا الدعم السريع، مؤكدًا عزم الجيش على القضاء عليها، ما يوضح التحديات الكبيرة التي تواجه أي مسعى للوساطة أو الاعتراف الرمزي بالدعم السريع.

خلال اللقاء، أدلى دقلو بعدد من التصريحات التي تعكس الاستراتيجية التي تتحرك في إطارها مليشيا الدعم السريع. فقد أعلن أن عدد قواته بلغ نصف مليون عنصر قتالي، رغم أن عددها في بداية الحرب كان يُقدّر بنحو 123 ألف عنصر. كما صرّح بالاستعانة مرتزقة من كولومبيا لتشغيل الطائرات المسيّرة، وأشار إلى أن التحركات الجوية من بعض الدول المجاورة أعاقت تقدم قواته نحو الخرطوم، فضلًا عن إعلانه عدم رغبته  في حكم السودان.

تحمل هذه التصريحات أبعادًا عسكرية واضحة؛ إذ يعكس الإعلان عن زيادة عدد العناصر القتالية سعيًا لتوسيع القدرات وتحقيق توازن قوى مع القوات  النظامية. وحتى إن حمل الرقم بعدًا دعائيًا، فإنه يرسل رسالة داخلية وخارجية حول قدرة التعبئة والسيطرة على الأرض. كما أن الاستعانة بعناصر أجنبية لتشغيل المسيّرات تعكس محاولة لتحديث القدرات العسكرية واستخدام أدوات غير تقليدية لتعزيز الفاعلية الميدانية. أما الإشارة إلى تأثير التحركات الجوية الإقليمية، فتبرز إدراك أهمية البيئة العملياتية، بما في ذلك المجال الجوي واللوجستيات، كعامل محدد لنجاح العمليات وهل هذا تصريح يكمن في جوهرة فقد الدعم الخارجي.

غير أن التحرك لا يمكن قراءته من زاوية عسكرية فقط. فمن الناحية السياسية، يبدو أن الدعم السريع تدرك أن التحرك في الميدان لا ينفصل عن تحرك دبلوماسي موازٍ يهدف إلى ضمان وجودها كطرف متكافئ على طاولة أي تفاوض محتمل، بدلًا من بقائها في توصيف “قوة غير نظامية”. في اللقاء مع رئيس دولة يمنحها حضورًا سياسيًا ويسهم في رفع مكانتها على الساحة الإقليمية بشكل تدريجي.

في المقابل، جاء الرد الرسمي من الحكومة السودانية عبر بيان وزارة الخارجية الصادر يوم الاحد الموافق 22فبراير من نفس العام ، الذي اعتبر الاحتفاء الذي قامت به أوغندا باستقبال دقلو إستهزاءً بالضحايا، وأشار إلى أن الخطوة التي أقدمت عليها أوغندا تضرب عرض الحائط بالقوانين التي تلتزم بها الدول الأعضاء في المنظمات الإقليمية والدولية بعدم تقديم أي دعم لمليشيا متمردة ضد نظام شرعي معترف به دوليًا. وأكدت الحكومة السودانية أن لكل دولة الحق في استقبال من تشاء وتحقيق مصالحها وعلاقاتها الثنائية باعتبار ذلك حقًا سياديًا، لكنها أعربت عن قلقها بشأن اللقاء متسائلةً: هل يعكس السياسة الخارجية الأوغندية تجاه السودان؟ وأضاف البيان أن اللقاء يمنح غطاءً سياسيًا لمن أراق دماء الأبرياء، مشيرًا إلى حرص الخرطوم على الحفاظ على العلاقات الثنائية القائمة على حسن الجوار وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، ودعت الحكومة السودانية نظيرتها الأوغندية إلى عدم ربط اسمها باسم دقلو في سجله الإجرامي.

في الحروب الأهلية، تتحول المعركة تدريجيًا من السيطرة على الأرض إلى الصراع على الشرعية. والشرعية هنا لا تُقاس فقط بمن يحكم العاصمة، بل بمن يُستقبل في العواصم. من هذا المنظور، يمنح اللقاء ما يمكن تسميته “رأسمالًا رمزيًا” في معركة الاعتراف، إذ ينقل صورة الدعم السريع من ميليشيا منخرطة في نزاع داخلي إلى فاعل يسعى لتمثيل نفسه سياسيًا خارجيًا.

غير أن الاعتراف في السياسة الدولية ليس مسألة ثنائية بين الوجود والعدم، بل يتدرج بين التواصل البراغماتي والاعتراف الرسمي. وما قد تسعى إليه مليشيا الدعم السريع ليس اعترافًا قانونيًا بسلطة حاكمة، بل تثبيت وضع “الطرف الموازي” القوات  المسلحة في أي مسار تفاوضي قادم، بما يعيد صياغة المعادلة من “تمرد ضد الدولة” إلى “نزاع بين طرفين متكافئين سياسيًا”.

الرسالة هنا مزدوجة: داخليًا، التأكيد على أن الحركة ليست معزولة دوليًا؛ وخارجيًا، الإشارة إلى أن أي تسوية لا تمر عبرها قد تكون غير قابلة للتنفيذ. ويُستخدم الخطاب الإعلامي حول حجم المليشيا والقدرات العسكرية كأداة ضغط دبلوماسي لخلق صورة قوة منظمة قادرة على التأثير في القرارات الداخلية والإقليمية.

ومع ذلك، تبقى الإشكالية الجوهرية قائمة؛ فالشريعة لا تُستورد بالكامل من الخارج. فاللقاءات تمنح حضورًا سياسيًا، لكنها لا تحسم مسألة القبول الداخلي أو القدرة على تحويل المكسب الرمزي إلى موقع دائم في معادلة الحكم.

بالتالي، لا يشكل لقاء عنتيبي اعترافًا مكتملًا، بقدر ما يعكس محاولة واعية لفرض واقع سياسي جديد يكرّس الدعم السريع كفاعل يسعى إلى موقع في معادلة السلطة المقبلة. ويبقى السؤال الأساسي: هل تستطيع مليشيا الدعم السريع تحويل هذا الحضور الدبلوماسي إلى شرعية مستدامة، أم سيظل مجرد مكسب رمزي في سياق صراع مفتوح؟

علي الرغم من المكاسب الرمزية على المستوى الخارجي، فإن سجل الانتهاكات الجسيمة التي ارتكبتها مليشيا الدعم السريع، بما في ذلك جرائم الحرب في مناطق مثل الفاشر، يمثل عائقًا جوهريًا أمام قبولها داخليًا كطرف سياسي مشروع. كما يقلل وجود هذا السجل من فعالية أي وساطة إقليمية، مثل دور أوغندا، لأن الأطراف المحلية والمجتمع الدولي سيكونون أكثر تحفظًا تجاه أي اتفاق يشمل الدعم السريع كطرف متساوٍ. هذا التناقض يظهر أن الشرعية لا تُكتسب فقط باللقاءات الرسمية أو الدعم الخارجي، بل تعتمد على قبول داخلي يتأثر بالمساءلة القانونية والأخلاقية، وهو ما يضع سقفًا لمكاسب الدعم السريع الرمزية.

علاوة على ذلك، فإن المكاسب الرمزية التي قد يحققها دعم السريع على المستوى الخارجي، وعدم تجاوزه للمساءلة القانونية والحقوقية، قد يعرقل جهود الوساطة الإقليمية والدولية، بما في ذلك ما يُعرف بـ الرباعية الدولية التي تضم الولايات المتحدة، السعودية، مصر، والإمارات في إطار سعيها نحو حل سياسي شامل للأزمة. تُظهر التطورات الأخيرة أن الرباعية أطلقت خارطة طريق تقترح هدنة إنسانية ووقفًا لإطلاق النار كخطوات أولى نحو تسوية سياسية، مع التأكيد على سيادة ووحدة السودان ومشاركة المجتمع الدولي في دعم تنفيذ هذه الخطة، لكن تنفيذ هذه المبادرات ظل محدود التأثير حتى الآن في وقف القتال بشكل دائم أو فرض أدوات ضغط حقيقية على أطراف النزاع.

بالتالي يتضح أن التحرك الدبلوماسي لقوة مسلحة غير نظامية ليس مجرد مناورة رمزية، بل يمثل محاولة لتحويل النفوذ العسكري إلى وزن سياسي قابل للتفاوض على الساحة الداخلية والإقليمية. هذا السعي لإضفاء الشرعية الرمزية يوضح وعيًا استراتيجيًا بأن السيطرة على الأرض وحدها لا تكفي، وأن السباق على الشرعية والاعتراف الرمزي يمكن أن يعزز موقع هذه القوة في أي عملية تفاوضية مستقبلية. في المقابل، تكشف ردود الفعل الرسمية على هذا التحرك حجم الحساسيات الإقليمية، وما يثيره من تساؤلات حول التوازن بين مصالح الدول والالتزام بالقوانين الدولية ومبدأ عدم دعم قوى متمردة ضد نظام شرعي. هذه الدينامكية المعقدة بين السعي لتعزيز النفوذ السياسي داخليًا والتحديات الإقليمية المحيطة، تمهد بشكل طبيعي للبحث في دوافع الأطراف الأخرى التي استقبلت هذا اللقاء، لتسليط الضوء على الأبعاد الاستراتيجية وراء تحركاتها، حيث تتشابه تمركز قوات الدعم السريع غير النظامية في إقليم دارفور مع تمركز المليشيات غير الدولة في غرب ليبيا، من حيث الاعتماد على السيطرة على مناطق استراتيجية لتأمين النفوذ العسكري والسياسي والاقتصادي. ففي دارفور، تسعى قوات الدعم السريع للتمركز حول مراكز مدنية ولوجستية ومناطق غنية بالموارد مثل الذهب، مما يمنحها قدرة على التمويل الذاتي للعمليات العسكرية وتعزيز حضورها الرمزي عبر لقاءات دبلوماسية مثل لقاء عنتيبي. وبالمثل، تركزت المليشيات الليبية حول المدن والمرافئ، مستفيدة من نقاط السيطرة على الموارد والبنى التحتية، مما مكّنها من ممارسة نفوذ سياسي في مفاوضات محلية وإقليمية. في الحالتين، يوضح هذا النمط أن السيطرة على الأرض وحدها ليست كافية لتحقيق الاعتراف السياسي أو الشرعية، بل يصبح السباق على الشرعية والاعتراف الرمزي، إلى جانب السيطرة على الموارد الاقتصادية، أداة أساسية للفاعلين المسلحين غير النظاميين في النزاعات الأفريقية المعاصرة.

 

ثانيًا: الدوافع الأوغندية من اللقاء:

يمثل اللقاء الذي جمع الرئيس الأوغندي يوري موسيفيني بقائد مليشيا الدعم السريع في فبراير 2026 له دلالات تتجاوز البُعد البروتوكولي، ويمكن تحليله على أنه جزء من استراتيجية أوغندية متعددة الأهداف في سياق الحرب السودانية المعقدة والانهيار الإنساني الذي يشهده السودان منذ اندلاع النزاع في أبريل 2023. وتتمثل الأهداف الأوغندية في :

1- تعزيز دور أوغندا كوسيط إقليمي في الأزمة السودانية:

أوغندا سعت من خلال استضافة حميدتي إلى تقديم نفسها كفاعل إقليمي قادر على الدفع نحو حل سياسي للحرب، بدلاً من أن تكون دولة محايدة تعتمد فقط على المواقف الرسمية من طرفي النزاع.موسيفيني شدد على الحوار كطريق نحو السلام والاستقرار وعدم الانحياز الصريح لطرف على حساب آخر، ما يعكس رغبة في أن يكون الدور الأوغندي قادرًا على جمع الأطراف المختلفة في طاولة تفاوض أو على الأقل فتح قنوات اتصال معهم. هذا النهج يتسق مع واقع فشل العديد من جهود الوساطة التقليدية منذ اندلاع الحرب، حيث لا تزال المفاوضات بين الجيش السوداني ومليشيا الدعم السريع تراوح مكانها، بينما يتفاقم الوضع الإنساني ويهدد بتدهور أوسع على المستويين الإقليمي والدولي.

2- توسيع النفوذ الاستراتيجي لأوغندا في القرن الأفريقي وأفريقيا الشرقية:

الاستقبال الرسمي لقائد قوة مسلحة محورية في النزاع يُعد إشارة سياسية لأوغندا بأنها ليست مجرد جمهورية صغيرة تقف على هامش الأحداث، بل فاعل يسعى للعب دور أكبر في إدارة الأزمات الإقليمية. في سياق تنافس النفوذ بين دول المنطقة ومنظمات مثل الاتحاد الأفريقي وإيجاد، فإن استضافة موسيفيني لحميدتي - رغم الجدل الحاد الذي أثاره هذا القرار داخليًا في أوغندا (حتى من قبل قائد الجيش ونجل الرئيس) - يعطي كامبالا ورقة تفاوضية إضافية في التعامل مع اللاعبين الإقليميين والدوليين. هذا الهدف ليس بعيدًا عن رغبة أوغندا في الحفاظ على أمنها القومي وعدم السماح للأزمات في السودان بأن تتطور إلى تهديد مباشر لحدودها أو إلى موجات نزوح ومشاكل إنسانية على نطاق واسع، وهي تحديات تؤثر على استقرار الدول المجاورة.

3-توظيف اللقاء لتحقيق شرعية رمزية ورقمي سياسي:

رغم أن اللقاء لا يمثل اعترافًا رسميًا مليشيا الدعم السريع كسلطة في  السودان، فإنه يمنحها وزنًا سياسيًا ورمزيًا على الساحة الدولية، وهو ما يمكن لأوغندا الاستفادة منه في مفاوضات مستقبلية. باستقبال قائد طرف قوي في الحرب وعدم الاقتصار على ممثلين أقل مستوى، تضع أوغندا نفسها في مركز اللاعبين الذين يمكن أن يحددوا من يُسمح لهم بالمشاركة في مفاوضات السلام أو التسوية السياسية، ما يرفع من شأنها في أي ترتيبات مقبلة حول السودان. هذا الأسلوب يندمج مع فهم أوسع في العلاقات الدولية أن الشراكات مع أطراف مسلحة في سياق نزاعات داخلية يمكن أن تعطي الدولة المضيفة أدوات تأثير إضافية في صياغة الحلول السياسية، سواء عبر تقديم ضمانات للمفاوضات أو عبر الضغط على الطرفين للقبول بوساطة معينة.

رابعًا-استكشاف ردود الفعل الإقليمية والدولية وتحالفات جديدة:

الخطوة الأوغندية لم تمر من دون انتقادات في الخرطوم نفسها، لكن تلك الانتقادات تعكس حجم التحديات التي تواجه دول الجوار في التعامل مع الأزمة السودانية. أوغندا بذلك تختبر حدود الدعم السياسي الذي يمكن أن تقدمه دون تجاوز الخطوط الحمراء الدولية، خصوصًا مع تقارير حقوقية وأمنية تركز على الانتهاكات في السودان والتي أدانت الأمم المتحدة ومجلس الأمن، بما في ذلك اتهامات بارتكاب جرائم حرب ضد مليشيا الدعم السريع وآخرها إعلان الولايات المتحدة فرض عقوبات علي ثلاثة من قادة الدعم السريع الذي شاركوا في حصار الفاشر وهما العميد الفاتح عبد الله إدريس آدم، واللواء جدو حمدان أحمد محمد، والقائد الميداني التيجاني إبراهيم موسى محمد.، وأيضا أعلنت  وزارة الخزانة الأمريكية  اتهام مليشيا الدعم السريع بارتكاب جرائم قتل علي أساس عرقي وارتكاب عنف جنسي . من هذه الزاوية، اللقاء لا يُقرأ فقط كتحرك منفرد لأوغندا بل كجزء من مناورة أوسع لفهم سلوك اللاعبين الدوليين، ولفتح قنوات اتصال ربما مع دول أخرى معنية بالنزاع أو بالاستقرار الإقليمي.

بالتالي، لا تسعى أوغندا من لقاء موسيفيني مع حميدتي إلى اعتراف سياسي كامل ب مليشيا الدعم السريع كقوة ذو سلطة  في السودان، بل إلى إعادة وضع نفسها كوسيط فعال، وتوسيع نفوذها الدبلوماسي في القرن الأفريقي، وإنتاج شرعية رمزية يمكن أن تُترجم إلى وزن تفاوضي في أفق الحل السياسي. الخطوة تحمل أيضًا بعدًا تجريبيًا ضمن سياسة خارجية أوسع تسعى إلى التأثير في صياغة نتائج النزاعات الإقليمية وليس فقط الالتزام بالخطاب الرسمي التقليدي.

 

ختاما:

يمكن القول إن لقاء عنتيبي لم يكن حدثًا رمزيًا فحسب، بل خطوة استراتيجية تشير إلى تحول في ديناميكيات النزاع السوداني نحو الصراع على الشرعية والاعتراف السياسي، حيث يسعى الدعم السريع إلى تثبيت نفسه كطرف سياسي معادل للقوات  النظامية، في حين تستخدم أوغندا اللقاء لتعزيز نفوذها الإقليمي كوسيط محتمل. قدرة هذه المكاسب الرمزية على الترجمة إلى شرعية مستدامة ستكون محددة بعوامل عدة: مدى قبول القوى المحلية والدولية للدعم السريع كطرف تفاوضي، استمرارية الوساطة الأوغندية، وتوازن القوى في المنطقة. علاوة على ذلك، قد يشكل هذا اللقاء نموذجًا لتغير آليات النزاع في أفريقيا، حيث لم تعد السيطرة على الأرض وحدها كافية، بل أصبح السباق على الشرعية والاعتراف الرمزي أحد الأدوات الحاسمة في إدارة الصراعات والتأثير على مسارات الحلول السياسية المستقبلية. عليه هل يشير لقاء عنتيبي إلى نموذج جديد لإدارة الصراعات في أفريقيا، حيث تُستخدم المكاسب الرمزية والحضور الخارجي كأدوات مؤثرة في الصراع على السلطة، أم أنه يظل حدثًا محدود التأثير ضمن نزاع مستمر؟

 


رابط دائم: