التقارب التركي- المصري ومستقبل "شرق المتوسط"
23-2-2026

ريهام المهدى
* إعلامية، وباحث دكتوراه فى علوم الأمن القومي بالأكاديمية العسكرية للدراسات العليا والاستراتيجية

حينما زار الرئيس التركي رجب طيب أردوغان مصر في فبراير عام 2024، بعد قطيعة سياسية ودبلوماسية استمرت لأكثر من عقد، رد حينها الرئيس عبدالفتاح السيسي الزيارة، لتبدأ بعدها سلسلة من اللقاءات والزيارات المتبادلة بينهما في أكثر من تجمع إقليمي ودولي، فيما بدت حينها تتويجا لبداية مسار سياسي ودبلوماسي رفيع المستوى بين البلدين يرمي لوصل ما سبق وانقطع.

إلا أن هذه المرة حين حطت طائرة الرئاسة التركية على أرض مطار القاهرة الدولي، تجسدت لحظة سياسية ذات دلالة مختلفة بأن السياسة لا عداء فيها دائم وهي نقطة تلاقي لمصالح مشتركة.

وسط عالم يترقب، وشرق متوسط يحبس أنفاسه، ومحللون لدوائر القرار تراقب عن كثب لغة جسد الزعيمين، طرحت أسئلة عديد حول ما إذا كان كل ما تم بهذا اللقاء اقتصر فقط على ما أعلن رسميا من شراكات تجارية واستثمارية وصفقات عسكرية متبادلة؟ أم كان هناك تناول غير معلن جرى بين الأروقة المغلقة لإعادة طرح ترسيم للحدود البحرية بشرق المتوسط، يعيد موازين القوى بالمنطقة بما فيها من تغيير لحسابات الطاقة (نفط ـ وغاز)؟ مما دفع العيون اليونانية والقبرصية لتراقب مشاهد اللقاء بتوجس وحذر.

عقب أحداث 2011، دخلت مصر مرحلة انتقالية استنزفتها سياسيا وأمنيا، وكان لزاما عليها سرعة ترتيب أولوياتها الداخلية لاستعادة تماسكها كدولة قادرة على صد ما تواجهه من تحديات إقليمية، إلا أن أنقرة اتخذت موقفا معارضا وصريحا ضد تلك التحولات ووصفتها (انقلابا )، ولم تكتف بذلك بل رفعت حدة سقف الهجوم وأعقبت ذلك بحملات سياسية وإعلامية مكثفة انهالت على القيادة السياسية الجديدة في القاهرة، والسبب في ذلك إجهاض مشروع حلمها بإلغاء اتفاقية ترسيم الحدود بين مصر وقبرص بعهد الرئيس الراحل حسني مبارك المبرمة عام 2003 ، فقد سعى مجلس الشورى المصري لإلغائها في مارس 2013 بناء على مشروع قانون قدمه النائب خالد عبد القادر عودة القيادي بجماعة الإخوان المسلمين، بالتزامن مع رفع دعوى لصالح عقد اتفاق مع تركيا أمام محكمة القضاء الإداري يطالبون فيها بإلغاء اتفاقية تحديد حدود المنطقة الاقتصادية البحرية الخالصة الموقعة بين مصر وقبرص عام 2003، على أساس أن هناك ثمة تواطئا من مؤسسات الدولة المصرية حينها لصالح قبرص، إلا أن عودة الأحداث للمجرى الصحيح وحكم القضاء بأن الاتفاقية أبرمت بظل قانون البحار ولا يشوبها عيب أو نقص يفقدها صحتها الدولية، دفع أنقرة إلى عدم تبني مسار التهدئة، بل مضت في احتضان عدد من قيادات جماعة الإخوان، لتتحول بعدها أراضيها إلى منصة سياسية وإعلامية معارضة للنظام المصري بشكل عملي فج، كل ذلك وسط تحركات تركية سريعة الوتيرة في مياه شرق المتوسط بحجة المسح الزلزالي، إلا أن مكامنها الحقيقية كانت بغرض البحث عن مصادر الطاقة الهيدروكربونية في مشهد عكس بوضوح نوايا تركيا الحقيقية.

منتدى شرق المتوسط على أرض يونانية باستبعاد مصري لتركيا:

هذا المشهد المركب دفع القاهرة أن تنظر لأنقرة باعتبارها خصما مباشرا يحاول نزع استقرارها الإقليمي، وعليه اتجهت بردة فعل مقابلة لتعزيز شراكتها مع اليونان- الخصم الأشد عداوة لتركيا- ومن ثم استمرار ترسيخ العلاقات مع قبرص وباقي دول شرق المتوسط.

لتتبنى مصر فكرة انطلاق منتدي شرق المتوسط وتدشينه عام 2019، هيئة إقليمية مقره القاهرة، بعد مبادرة مصرية عام 2018 لقمة ثلاثية بين قادة مصر، وقبرص، واليونان على جزيرة كريت اليونانية في رسالة موجهة لأنقرة، بهدف أن يكون ذلك المنتدى منصة تعاون إقليمي رائدة تهدف إلى حسن استغلال وتوزيع احتياطيات الغاز الطبيعي بالمنطقة، مع قصد إقصاء واستبعاد تركي مجمع عليه ومقصود من الأطراف الثلاث، وبالفعل انطلق المنتدى بانضمام كلا من (مصر، وقبرص، واليونان، وإسرائيل، والأردن، وفلسطين، وإيطاليا، وفرنسا، فيما تشارك الولايات المتحدة بصفة مراقب) وتوسعت نشاطاته حتى ارتبط بشراكات مع الاتحاد الأوروبي والفاعلين الرئيسيين فيه في مجال صناعة الطاقة، مما جعله أحد أبرز أطر وجهات التعاون الاستراتيجي البارزة في منطقة شرق المتوسط.

اكتشافات الغاز والنفط تلهب النزاع حول شرق المتوسط:

غير أن أنقرة وهي تراقب لم تتقبل بسهولة فرض هذا الطوق الإقليمي حولها، وفي خطوة قلبت طاولة الموازين على الجميع، أقدمت تركيا في نوفمبر 2019 على توقيع مذكرة تفاهم لترسيم الحدود البحرية بينها وبين حكومة الوفاق الوطني الليبية برئاسة فايز السعيد، في تحرك أعاد النزاعات العلنية على السطح مرة أخرى، وفرض رسم خطوط اشتباك على مناطق بحرية، وبدأ فصلا جديدا لفتح جبهة قانونية وجيوسياسية هددت القاهرة، وأثينا، ونيقوسيا بفقد كل ما حققوه من استحواذ لخرائط غاز ونفط العقود الماضية، في مقابل تقنين أزرق تركي يجمع بين معادلات السياسة والغاز الطبيعي معا لصالح أنقرة ومن يتعاقد معها.

بدأ الاهتمام بمنطقة شرق المتوسط ولفت الانتباه إليها باعتبارها منطقة غنية بالنفط والغاز في أواخر القرن العشرين، تحديدا عام 2010 بعدما كشف عنه الغطاء بتقرير لهيئة المسح الجيولوجية الأمريكية، أعلن فيه رسميا بأن محيط شرق المتوسط يملك حصة مخزون تقدر بـ 3455 مليار متر مكعب من الغاز و1.7 مليار برميل من النفط، فيما يعني أننا أمام مقدرات طاقة طبيعية لم تستخدم حينها بعد، بقيمة تتراوح ما بين 900 مليار دولار وخمسة تريليونات دولار على حسب أسعار الخام المتغيرة منذ ذلك الوقت وحتى الآن.

ومن هنا زادت حدة التركيز التركي على المنطقة، وبحث كيفية التملص والالتفاف حول الحصار التطويقي السياسي والجغرافي الذي فرضته عليها اتفاقية لوزان، كانت أولى خطوات هذا التملص قبيل حلول الذكرى المئوية لمعاهدة لوزان عام 2023، فقد بعث أردوغان رسائل سياسية بدت وكأنها تمهيد لإنهاء إرث لوزان على تقليص أنقرة، والتي جاءت بعدما وقعت الإمبراطورية العثمانية المنهزمة تحت سيطرة انتداب حكم الدول المنتصرة بالحرب العالمية الأولى (فرنسا وبريطانيا)، بموجب ذلك مُنحت اليونان سيادة جميع الجزر البحرية حول سواحل تركيا بموجب اتفاقية سيفر، غير أن الحركة القومية التركية بقيادة مصطفى أتاتورك رفضت سيفر وخاضت حرب استقلال انتهت بالأخير بتوقيع معاهدة لوزان في 24 يوليو عام 1923، وعلى رغم اعتبارها نصرا أعاد استقلال تركيا وأرسى بفضلها حدود الجمهورية التركية الحديثة الحالية، إلا أنها في مقابل ذلك ألزمت بتخليها عن أي مطالبات استرجاع للجزر المنتشرة حولها وبقائها في سيادة اليونان، الأمر الذي دفع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في ديسمبر عام 2017 في أول زيارة له لأثينا، كأول رئيس تركي يخطو أرض اليونان منذ 65عاما، أن يتناول معاداة وهجوم لوزان بالنقد العلني دون تخوف أمام كل الحشد الحاضر من القادة والسياسيين بجملة هزت ثقافة موروث لوزان باليونان قبل تركيا (أنها ليست نصرا عظيما ولم تطبق بعدالة) مضيفا طعنه في استمرارها (أن بعد مرور مئة عام على تنفيذها أصبح من الضروري أن تخضع بنودها للتحديث)، هذه المواقف والتصريحات دفعت بعض المراقبين والمحللين، ليس فقد اليونانيين بل الدوليين أيضا، إلى الحديث عن أن أردوغان يقود توجهات عثمانية مستقبلية تتجاوز فكرة الإطار الدفاعي التقليدية لتتوسع لما هو أبعد من ذلك، بإعادة رسم دوائر نفوذ تركية بشرق المتوسط والإقليم ككل، ليتجسد ذلك عمليا عندما أرسلت أنقرة سفينة التنقيب (عروج ريس) إلى مناطق متنازع عليها مع اليونان مما آثار موجة تنديد أوروبية دفعت الاتحاد الأوروبي إلى مناصرة اليونان واتهام تركيا بزعزعة استقرار شرق المتوسط.

شرعية أنقرة بطلب بطلان سريان معاهدة لوزان وتقنين عقيدة الوطن الأزرق:

لفهم دوافع الرئيس التركي الحقيقية من وراء هذه التصريحات، علينا أن نحل محله، سنكتشف أن تركيا محاطة بالفعل بمأزق تاريخي أفقدها سيادتها على ستة آلاف جزيرة محاطة بها، منها 273 جزيرة مأهولة، معظمها في بحر إيجة الخاضع للسيادة اليونانية. هذا الواقع الجغرافي المفروض على تركيا حتى الآن بفضل بنود معاهدة لوزان التاريخية أفقد ساحلها التركي الطويل عمقه البحري بما فيه من ثروات تراها قرب سواحلها ولا تستفيد منها، ناهيك عما يشكله هذا الوضع من مساس بأمنها القومي في حال توظيف هذه الجزر قواعد عسكرية في ظل ما تعانيه من توتر تاريخي مع اليونان.

من هذا المنطلق يمكننا فهم امتناع تركيا عن الانضمام إلى اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار الصادرة عام 1982، والتي دخلت حيز التنفيذ عام 1994، فالاتفاقية تمنح الدول المتشاطئة حق إقامة منطقة اقتصادية خالصة تمتد حتى 200 ميل بحري، مع اعتراف للجزر المأهولة بالمساحة نفسها المخصصة للدول مما يمنحها مناطق اقتصادية مستقلة، وعليه ففي الإشكالية (التركية-اليونانية) فمساحات المناطق الاقتصادية الممتدة حول شريط تركيا الساحلي ستصب في صالح اليونان بفضل الكثافة الجزرية التابعة لليونان بمقابل حدود تركية ضيقة قد لا تتجاوز ثلاثة أميال مع بعض الجزر.

بالمقابل كان الرد التركي، وقننت أنقرة قاعدة قانونية تمنحها حق مساحات اقتصادية بحرية عادلة، أطلقت عليها (عقيدة الوطن الأزرق) تنطلق من مفهوم بيولوجي للجرف القاري، مفاده أن اليابسة الرئيسية للدول هي أساس رسم الحدود البحرية في الاتفاق بخط منتصف، إلا أن الجزر حتى وإن كانت مأهولة لا يحق لها مناطق اقتصادية خالصة بها مع استمرار الاحتفاظ بتبعيتها للدول التابعة لها سياسيا. وعليه لو كتب لهذا الطرح التركي أن يحظى باعتراف إقليمي أوسع وتوثيق رسمي بالأمم المتحدة من خلال اتفاقات مع دول في شرق المتوسط سيتم إعادة توزيع مساحات شاسعة في بحر إيجة والبحر المتوسط لصالح تركيا، مؤكد أنها غنية باحتياطات غاز طبيعي ونفط.

ترسيم الحدود البحرية التركية-الليبية يعيد رسم خرائط التحالفات في شرق المتوسط:

في يوم الـ 27 من نوفمبر عام ،2019 ثارت ثائرة العالم بعدما أعلنت تركيا إتمامها مذكرة تفاهم لترسيم الحدود البحرية بينها وبين حكومة الوفاق الليبية برئاسة فايز السراج، الأمر دفع وزير الخارجية اليوناني حينها لاستدعاء السفير الليبي وطرده في حال لم يتم الكشف عن تفاصيل ما سمى آنذاك بالاتفاق العسكري الذي وقعته طرابلس مع أنقره.

لكن لماذا ثار العالم وبالأخص اليونان، وقبرص، ومصر رغم أنها لا تعدو أكثر من مذكرة تفاهم لا اتفاقا رسميا ولماذا اختارت تركيا أن يكون شكل هذا التعاون مذكرة تفاهم وليس اتفاقا؟

الحقيقة جوهر الاعتراض الدولي لم ينحصر في مضمون الترسيم ذاته، أكثر من كونها سابقة قانونية دولية صادمة لم تحدث من قبل، إذ سعت دولة إلى تحديد نطاقها البحري مع دولة أخرى لا تربطهما حدود بحرية مباشرة أصلا، فتركيا وليبيا لا يوجد بينهما حدود بحرية مشتركة من الأساس، إذ يفصل بينهما جزيرة كريت اليونانية، الأمر الذي يعني تجاوز المنطق الجغرافي والعرف الدولي المنصوص عليه في القانون الدولي للبحار وتحديدا المادة 74 منه، ومن هنا انفجرت موجه الرفض والتصعيد (اليوناني - القبرصي- المصري) إزاء الاتفاق (التركي-الليبي)، انعكاسا لعمق مضمون المغزى الحقيقي لمذكرة التفاهم، فالاتفاق لم يكن مجرد تفاهم سياسي وإنما تفاهم حمل شقين متلازمين: الأول أمني ذو طابع عسكري يتيح لتركيا حضورا مباشرا في المشهد الليبي من خلال دعم عسكري على أراضيها يهدد أمن مصر، والآخر بحري يتصل بإعادة رسم خرائط الحدود والنفوذ البحري في شرق المتوسط يهدد أيضا أمن القاهرة ولكن النصيب الأكبر فلأثينا ونيقوسيا.

فبالنسبة لليونان تفسير غضبها يعود لما تشير إليه التقديرات من أن أثينا ستخسر مساحة اقتصادية بحرية محيطة بجزرها تقارب 3500 كيلو متر مربع قبالة السواحل التركية، وبهذا الاتفاق دخلت جزيرة كريت في حسابات السيادة التركية، وهو أمر لا نعلم كيف ستسغله أنقرة مستقبلا.

وبالنسبة لمصر فإن عدم حسم حدودها مع ليبيا فتح مخاوف أمنية من أي تفاهمات تركية ليبية على معادلة ترسيم مستقبلية مع أي دولة أخرى بشرق المتوسط، ومن الناحية الأمنية بات للقوات التركية وجود يهدد حدود مصر ويدعم عناصر قوات ليست حليفه لها. صحيح أن الرد المصري اليوناني على أنقرة بترسيم الحدود بينهما عام 2020 كان قاسيا، إلا أن مصر فضلت أن يكون اتفاق خط جزئي حتى لا تثير حفيظة أنقرة بشكل غير محسوب مستقبلا.

بالنسبة لقبرص تبدو الصورة أكثر تعقيدا فكما هو معروف أن الجزيرة القبرصية منقسمة بين جمهورية قبرص عضو الاتحاد الأوروبي المعترف بها دوليا وبين قبرص الشمالية التي لا تعترف بها سوى أنقرة، وعليه فإن أي ترسيم بجري تركي-ليبي سيتقاطع بلا شك مع مناطق نيقوسيا التى تراها تابعة لها، وهنا لا لومة لائم على أنقرة فهي لم توقع من الأساس على قانون أعالي البحار الذي ينظم المناطق الاقتصادية لكل دولة، لذا لا يوجد اتفاق بين تركيا وقبرص ولا بين تركيا ومصر، وفي ظل عدم وجود اتفاق وما نشهده من فوضى دولية بات لكل طرف أن يضع الحدود التى يراها مناسبة له ليحظى بأكبر حصة نفطية.

تبقى المسألة القانونية لمذكرة التفاهم محل جدل. إذ لماذا لم تعتمد أنقرة وحكومة الوفاق شكل التعاون البحري بينهما بشكل اتفاق دولي مكتمل الأركان وفضلتا أن يكون مذكرة تفاهم؟

الفارق جوهري والهدف أذكى، فمذكرة التفاهم تُعد إطارا مبدئيا للتعاون، قابلا للتعديل أو الإلغاء ولا يشترط ضرورة موافقة البرلمان عليه، بخلاف الاتفاق الذي يمر بإجراءات تصديق تشريعية رسمية ويترتب على الإخلال به مسئوليات قانونية وتعويضية ضخمة ومحددة، وتعمد اختيار تركيا لشكل مذكرة تفاهم ناتج عن إدراك أنقرة بأن إبرام اتفاق ملزم مع ليبيا سيستفز اليونان وقبرص ومن خلفهما الاتحاد الأوروبي وهو مالا تستهدفه تركيا حاليا، كما سيعقد مستقبلا أي مسارات تعاون وعودة علاقات محتملة مع القاهرة وهو ما تحاول جاهدة في أن تصل إليه حتى وإن كان السبيل فيه استخدام كروت ضغط سياسية واقتصادية، كما أن الطرف الليبي الموقع على المذكرة وهو فايز السراج رئيس حكومة الوفاق الوطني الليبية -رغم اعتراف الأمم المتحدة به- لا يزال ناقص الشرعية الكاملة لحكم طرابلس فهو لم ينتخب انتخابا مباشرا يمثل كامل الإرادة الشعبية الليبية، مما يضع استمرار حدود على مشروعيته في إبرام الاتفاقيات الملزمة باسم الدولة الليبية وسهولة الطعن في مشروعية أي اتفاقيات دولية سيقوم بها مستقبلا.

الخاتمة:

لا يزال قادة العالم والسياسيون يعتبرون مذكرة التفاهم بين تركيا وليبيا اتفاقا مثيرا للجدل مشكوكا بشرعيته، رغم استغراق الطرفين ما يقرب لعشرة أشهر لتسجيله لدى الأمانة العامة للأمم المتحدة، الأمر الذي عزز مخاوف أنقرة من أن تواجه صعوبة في تأمين حقوقها البحرية بشكل دائم، ومن هنا كان الانخراط المباشر مع حفتر والقاهرة واليونان أمرا حتميا إن كانت ترجو بالفعل نصيبا شرعيا لها بحصة الغاز الطبيعي بشرق المتوسط مستقبلا، فبدأت أولى الخطوات التحولية بسلسلة لقاءات وزيارات رفيعة المستوى شملت أبناء خليفة حفتر (صدام، وبلقاسم، وإبراهيم) ودعوتهم لزيارة تركيا، وسط توقعات بتجاوب وقبول حفتر نفسه دعوة رجب طيب أردوغان لزيارة تركيا هذا العام.

ورغم أن هذا التقارب حمل أبعادا إيجابية في إدارة تركيا للملف الليبي، إلا أنه لا يزال محفوفا بإشكالية النزاع والصدام مع النظام المصري، الذي ينظر لكل تلك المعطيات بنظرة عدائية لما رسمته أنقرة من صورة ذهنية وواقعية لدي المصريين كافة، بأنها الراعي الأول لحركة الإخوان المسلمين المعادية لهم، إضافة إلى أن اليونان تقف متربصة لأى تقارب مع أنقرة وسبق أن طالبت القاهرة بسرعة التدخل لعرقلة تصديق برلمان طبرق على اتفاقية 2019، بجانب معارضة حليف استراتيجي آخر وهو الإمارات.

وبظل هذه المعطيات لا يمكننا قراءة زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى القاهرة بمعزل عن محطتي السعودية قبلها وزيارة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي للإمارات بعدها، أيضا ولا يمكن أن تقرأ بفصل ومعزل عن اهتزاز مستقبل حلف شمال الأطلسي، وخروج الولايات المتحدة وبريطانيا منه، ثم رفع قيمة الإنفاق الدفاعي فيه إلى 5% حتى نهاية 2035 من قيمة الإنتاج المحلي، صحيح أن تركيا لن تقاطع حلف الناتو حاليا لاحتفاظه بقيمته الجيوسياسية رغم ارتفاع عبء عضويته عليها، إلا أنها تسير بخطى فن صناعة البدائل الاستراتيجية بالشرق، فكانت زيارة أردوغان للسعودية قبل مصر لما فيها من إشارة دبلوماسية وجيوسياسية بأن لا هندسة إقليمية تمر بالمنطقة بدون الرياض، خاصة بعد أن أصبحت مركز ثقل للتحالف الثلاثي العسكري (السعودية - باكستان - تركيا) والمفترض فيه أن يكون حلفا موازيا لحلف الناتو الغربي. ثم تأتي الخطوة التي لا تقل أهمية عما سبق وهى إعادة رسم هندسة ريادة منطقة إقليم شرق المتوسط بعودة بمن بيده زمام شرق المتوسط وكانت خطوة عودة العلاقات والتصالح مع مصر، والمتوقع بعدها نجاح فرص البلدين في ترسيم الحدود البحرية بينهما في شرق المتوسط.

في مقابل ذلك جاءت زيارة الرئيس عبدالفتاح السيسي إلى الإمارات، ثم زيارة رئيس جهاز المخابرات العامة المصرية اللواء حسن رشاد إلى ليبيا ولقاؤه المشير خليفة حفتر في خطوات تحمل رسائل ودلالات مؤكدة بأن القاهرة لا تتخلى عن حلفائها، وأن انفتاحها على أنقرة المستقبلي عسكريا، واقتصاديا، وسياسيا لا يعني تخليها عن شركائها التقليديين.

وهنا يطرح السيناريو الأهم وهو هل سنشهد لقاء ثلاثيا يجمع بين مصر، وتركيا، واليونان على طاولة مفاوضات واحدة؟

نظريا نعم وغير مستبعد وإن كان بشروط صارمة تحفظ حقوق جزر اليونان وقبرص القائمة، والأرجح أن هذا السيناريو سيكون بدعوة مصرية للطرفين وبتمسك مصري بحقوق اليونان قبل إبداء الدعوة لأنقرة.

أما بالنسبة لمصر؛ سبق وعرضت تركيا على مصر التفاوض معاها لترسيم الحدود البحرية بعهد الرئيس الراحل حسني مبارك ورفض، وتم تكرار العرض بحكم جماعة الإخوان ولم يكتمل، وطبيعي أن يتجدد العرض بعهد الرئيس عبدالفتاح السيسي وبإغراء مساحة حدود بحرية تصل إلى عشرة آلاف كيلو متر مياه اقتصادية خالصة لمصر.

إلا أن القاهرة بحد القراءات لتاريخ ونهج دبلوماسيتها تتبع منهجية الترفع بنفسها بعيدا عن صدام ودخول في منازعات ثنائية، وخاصة إن كانوا أطرافا معها بالمنطقة السابقة، وأخيرا عن احتمالية انضمام تركيا إلى منتدى شرق غاز المتوسط الفترة فهو وارد جدا وقد يرقى لدرجة التأكيد ونراها بالاجتماعات المقبلة.

 


رابط دائم: