أقامت مصر والصين علاقات دبلوماسية لأول مرة في تاريخ العلاقات بين آسيا وإفريقيا عام 1956، حيث كانت مصر أول دولة عربية وإفريقية تعترف رسميا بجمهورية الصين الشعبية وتفتح أبوابا للشراكات الدبلوماسية معها.
منذ ذلك التاريخ أصبحت مصر نقطة بداية الوجود الرسمي الصيني في القارة السمراء، وتطورت العلاقات لتشمل التعاون الاقتصادي والثقافي مع توقيع العديد من الاستراتيجيات التي عززت آفاق التعاون في مجالات متعددة، مثل التجارة، والاستثمار، والبنية التحتية.
الجذور التاريخية للعلاقات المصرية-الصينية (1956–1970):
لم يكن توافق القاهرة لإقامة علاقات دبلوماسية مع بكين عام 1956 خطوة بروتوكولية تقليدية، فكان وجود شركاء خارج معسكرات الاستقطاب الدولي رؤية سياسية تبناها الرئيس جمال عبدالناصر رغبة في دعم مبدأ السيادة الوطنية ورفض الهيمنة وهو ما تزامن مع توجهات الصين بقيادة رئيس الوزراء شوإن لاي لكسر عزلتها الدولية وبناء علاقات مع دول العالم النامي، وهو الأمر الذي مثل انطلاق التقارب السياسي بين القاهرة وبكين في هذا التوقيت.
ومن هنا بدأ التقارب وتأسيس علاقة متوازنة قائمة علي دعم متبادل في المواقف الدولية، حيث دعمت مصر استعادة الصين لمقعدها في الأمم المتحدة عام 1971، العام الذي اعترف بجمهورية الصين باعتبارها الممثل الشرعي الوحيد للصين لدي المنظمة الدولية، ومصر في هذا التوقيت لم تكن مجرد "موافق" علي القرار بل كانت قائدا للحشد، ولعب الدبلوماسيون المصريون جهودا كبيرة داخل مجموعة دول عدم الانحياز والدول الإفريقية تايوان وأحل محلهم ممثلي بكين.
وموقف مصر تجاه الصين في هذا الأمر كان رد جميل، فالدبلوماسية لا تنسي "الفواتير الأخلاقية" حيث إن الصين وقت أن كانت مصر تواجه العدوان الثلاثي اتخذت مواقف غير مسبوقة سواء من الدعم المالي حيث إنها قدمت منحة مالية لمصر بقيمة 20 مليون فرنك سويسري لدعم المجهود الحربي رغم الظروف الاقتصادية والصعبة التي كانت تمر بها آنذاك، هذا فضلا عن الضغط السياسي والمظاهرات الشعبية الحاشدة في بكين التي كانت تندد بالعدوان مما أعطي زخما دوليا للقضية المصرية، وهذا الموقف جعل مصر ترد الجميل بكسر الحصار الدبلوماسي الذي فرضته القوي الغربية علي الصين لسنوات طويلة.
2014.. محطة فاصلة في مسار العلاقات المصرية–الصينية:
لم تكن 2014 سنة عادية في العلاقات المصرية-الصينية، حيث عززت الصين علاقاتها بمصر وانتقلت إلي مستوي (الشراكة الاستراتيجية الشاملة) عندما قام الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي بزيارته الأولي للصين ووقع مع نظيره الصيني (شي جين بينج) وثيقة ترفيع العلاقات وتوطيد التعاون الذي يشمل التجارة، والأمن، والسياسة، والتكنولوجيا، والفضاء، وفي العام ذاته أصبحت مصر بسبب موقع قناة السويس حليفا مع الصين في مبادرة الحزام والطريق التي أطلقها الرئيس الصيني ومن هنا بدأت نقطة التحول في العلاقات المصرية-الصينية من مجرد صداقة بين بلدين إلي تحالف استراتيجي شامل.
2024.. انضمام مصر إلي تجمع البريكس بدعم صيني:
2024 كان هو الذكري العاشرة لإعلان الشراكة الاستراتيجية الشاملة بين مصر والصين، وهو العام الذي شهد أيضا انضمام مصر رسميا إلي البريكس التكتل العالمي الذي تقوده الصين التي تعتبر مصر شريكا محوريا في الشرق الأوسط وإفريقيا وشريكا أساسيا في مبادرة الحزام والطريق.
أما الجانب المصري فقد انضم إلي البريكس باعتباره أداة لتنويع الشراكات الاقتصادية والمالية، وتوسيع التبادل التجاري بالعملات المحلية، وتقليل الاعتماد علي الدولار، حيث بدأ التفعيل الفعلي لآليات التبادل التجاري (بالجنيه واليوان).
من التاريخ الي المستقبل.. تطور العلاقات المصرية-الصينية:
دخلت العلاقات المصرية مرحلة جديدة بعد 2024، حيث وقعت مصر والصين أول استراتيجية تعاون إنمائي مدتها خمس سنوات في وثيقة تشمل خارطة طريق لتوطين الصناعة، فالصين تدعم مصر لتكون مركزا لتصنيع التكنولوجيا الصينية وتصديرها لإفريقيا واستضافت منطقة "تيدا" بالسويس مؤتمرات لربط الصناعات المصرية بقواعد الابتكار في الصين خاصة في مجال الذكاء الاصطناعي والتنوع الرقمي.
وفي إطار تطوير آليات التعاون المالي بين البلدين لم تكتفِ الصين ومصر بالتبادل التجاري التقليدي بل ابتكرتا معا نموذجا للتعاون المالي تحت اسم "مبادلة الديون من أجل التنمية"، وهي أحدث الطرق الدبلوماسية التي ابتكرتها مصر والصين لتعزيز التعاون، فبدلا من أن تقوم مصر بتسديد الديون بالعملة الصعبة إلي الصين يتم توجيه هذه المبالغ بالعملة المحلية لتمويل مشروعات تنموية داخل مصر ومن هنا تقلل مصر الضغط علي الاحتياطي وتستفيد الصين من تعزيز وجود شراكتها وخبراتها في السوق المصرية.
سبعون عاما علي إقامة علاقات دبلوماسية بين مصر والصين:
بعد مرور سبعين عاما علي العلاقات المصرية-الصينية، فإن علاقة مصر بالصين لم تعد مجرد امتداد لقرار سياسي اتخذته القاهرة في الخمسينيات، بل أصبحت هذه العلاقة شراكة اقتصادية واستراتيجية شاملة تعكس توافق الدولتين في الرؤي والمصالح، ورغبة متبادلة تقوم علي الاحترام المتبادل وتحقيق المصالح المشتركة وفتح أبواب جديدة للعديد من الشراكات الثنائية المستقبلية بين البلدين.