الجسد بوصفه مسألة خوارزمية
17-2-2026

د. خالد وليد محمود
* باحث متخصص في السياسة السيبرانية

منذ اللحظة الأولى للوعي اليومي، لا يتقدّم الجسد إلى العالم بوصفه تجربةً خالصة، بل يدخل محاطًا بطبقات من القراءة والتفسير المسبق. فالإحساس لم يعد وحده من يعلن حالة الجسد، بل تشاركه منظومة صامتة من القياس والمراقبة تعمل في الخلفية، وتستبق التجربة قبل أن تُعاش. في هذا الأفق يتحوّل الجسد إلى سؤالٍ مفتوح: هل نختبره كما هو، أم كما تُخبرنا الشاشات عنه؟

يستيقظ الجسد في العصر الرقمي داخل شبكةٍ دائمة من الرصد والتحليل. فمع أول تماسّ مع الهاتف، تكون الخوارزميات قد سبقت الوعي إلى الداخل، والتقطت إيقاع القلب، وقاست جودة النوم، ورصدت أنماط التنفّس ومؤشرات الإجهاد، ثم قدّمت سرديتها الأولية عمّا يجري في العمق البيولوجي. الجسد هنا يُعاد تعريفه عبر واجهة رقمية تُحوِّل الوظائف الحيوية إلى بيانات وتنبيهات، وتعيد ترتيب العلاقة بين الشعور والتفسير.

في هذا السياق تتخذ العناية بالصحة شكل ممارسة يومية مستمرة تُدار عبر الشاشات والأجهزة المحمولة التي ترافق الجسد في تفاصيله الدقيقة. يتغيّر موقع الإحساس الذاتي لصالح القراءة الرقمية، وتنتقل الثقة تدريجيًا من الخبرة المباشرة إلى المؤشرات والمعايير الخوارزمية. وهكذا تُعاد صياغة العلاقة بين الإنسان وجسده بوصفها علاقة تفسير ومراقبة، حيث يغدو الجسد موضوعًا للقياس الدائم، وتتحول الذات إلى وسيط بين الجسد وطبقاته الرقمية، لا المرجع النهائي لمعناه.

يقود هذا التحول تسارعٌ لافت في تطوير الأجهزة الصحية المدعومة بالذكاء الاصطناعي، والتي لم تعد تكتفي بتتبع النشاط البدني، بل باتت تقترب من عتبة التشخيص الطبي. فالساعات الذكية، والمجسات القابلة للارتداء، والأجهزة المنزلية المتصلة، تحولت إلى أدوات ترصد المؤشرات الحيوية بشكل مستمر، وتحوّل الجسد إلى مصدر بيانات متدفقة قابلة للتحليل والتنبؤ. ويُسوَّق هذا المسار بوصفه انتقالا من طبّ يعالج المرض بعد وقوعه، إلى طبّ يستبق الخطر قبل أن يتجسد.

غير أن ما يجري لا يمكن اختزاله في تطور تقني معزول، بل يرتبط باستثمار اقتصادي عالمي واسع النطاق. فقد قُدِّر حجم سوق الأجهزة الطبية القابلة للارتداء بنحو 40 إلى 45 مليار دولار في عام 2024، مع توقعات بأن يتجاوز 160 مليار دولار مع نهاية العقد الحالي. أما سوق التكنولوجيا القابلة للارتداء عموما، فتتجه لتبلغ مئات المليارات خلال السنوات المقبلة. هذه الأرقام لا تعكس فقط طلب المستهلكين، بل تعبّر عن اندفاع استثماري كثيف من شركات التكنولوجيا الكبرى وصناديق رأس المال نحو قطاع يُنظر إليه بوصفه أحد أعمدة اقتصاد المستقبل.

لكن كلما ارتفع منسوب الاستثمار، ازدادت حساسية الأسئلة المؤجلة. فالأجهزة الاستهلاكية، مهما بلغت دقتها، لا تعمل في فراغ طبي محايد، بل ضمن منظومات خوارزمية تصممها شركات ذات مصالح واضحة. وهنا يصبح الخط الفاصل بين المعلومة الصحية الإرشادية والقرار الطبي خطا هشا، فالاطمئنان الزائف الناتج عن قراءة غير دقيقة قد يكون خطيرا بقدر الذعر الناتج عن إنذار مبالغ فيه.

هذا الأمر لا يتوقف عند دقة القياس، بل يمتد إلى ملكية البيانات. فالمعلومات الصحية، وهي من أكثر أنواع البيانات خصوصية، باتت تُجمع خارج المؤسسات الطبية التقليدية، وتُخزن في منصات رقمية عابرة للحدود. وفي ظل تفاوت الأطر التنظيمية بين الدول، يبرز خطر تحوّل هذه البيانات إلى مورد تجاري، أو إلى أداة غير مباشرة للفرز والتمييز، سواء في التأمين أو التوظيف، أو تقييم ما بات يُعرف بـ"الجدارة الصحية" للأفراد.

إن هذا الواقع يكشف عن شكل جديد من التفاوت الصحي الرقمي. فالوصول إلى هذه التقنيات لا يتوزع بعدالة، بل يرتبط بالقدرة المادية والبنية التحتية الرقمية. ومع غياب سياسات إدماج واضحة، قد تتحول الصحة الرقمية من أداة لتقليص الفجوات الصحية إلى عامل إضافي لتكريسها، حيث يتمتع البعض برفاهية المراقبة والاستباق، بينما يبقى آخرون خارج هذا النظام أو عرضة لنسخه الأقل أمانا.

والمفارقة أن التكنولوجيا التي تُسوّق بوصفها وسيلة لتمكين الفرد من إدارة صحته، قد تُنتج شكلا جديدا من القلق الدائم. فالمراقبة المستمرة للجسد قد تعزز الوعي، لكنها قد تخلق أيضا علاقة مرضية مع الأرقام، حيث يتحول كل تغير طفيف إلى مصدر توتر، ويغدو "الطبيعي" معيارا رقميا صارما لا يراعي الفروق الإنسانية.

في جوهر هذا التحوّل لا تكمن المشكلة في التكنولوجيا ذاتها، بل في غياب النقاش العام حول شروط استخدامها وحدودها. فالتقدم التقني سبق النقاش الأخلاقي، والاستثمار سبق التنظيم، والتجربة سبقت المساءلة. وهذا الخلل هو ما يجعل الصحة الرقمية ساحة مفتوحة للصراع بين منطق الرعاية ومنطق السوق.

بهذا المعنى تتجه التكنولوجيا إلى إعادة تشكيل علاقتنا بالحياة نفسها، لا بوصفها أدوات نستخدمها، بل منظومات تُعيد تعريف ما نراه طبيعيا ومقبولا وآمنا. فالأجهزة المدعومة بالذكاء الاصطناعي لا تكتفي بتوسيع قدراتنا، بل تتسلل إلى قراراتنا اليومية، وتعيد رسم حدود الجسد والصحة والخصوصية. وفي هذا المسار، لا تطرح شركات التكنولوجيا حلولا فحسب، بل تفرض رؤيتها لما ينبغي أن تكون عليه الحياة "الأفضل".

في المحصّلة لا يضعنا هذا التحوّل أمام سؤالٍ تقني بقدر ما يضعنا أمام اختبارٍ فلسفي عميق. فحين يُعاد تعريف الجسد، والقرار، والعناية عبر منطق البيانات والخوارزميات، يتغيّر موقع الإنسان داخل معادلة الفعل والمسئولية. التحدّي لا يكمن في امتلاك أدواتٍ أذكى، بل في الحفاظ على مساحةٍ إنسانية قادرة على الفهم والاختيار والمساءلة. ذلك أنّ أخطر ما في هذا المسار ليس ما تفعله التكنولوجيا بالجسد، بل ما تفعله بالعلاقة بين الإنسان ومعناه، حين يصبح التقدّم أسرع من قدرتنا على التفكير فيه، وأقوى من قدرتنا على مساءلته.


رابط دائم: