بين الركام والرجاء.. قصة الإنسان في زمن الحروب
17-2-2026

أمانى القصاص
* مساعد رئيس تحرير الأهرام

في كل حربٍ تُحترق المدن أولا ثم تُختبر إنسانيتنا بصمتٍ ثقيل، حيث يقف الإنسان وحيدًا بين الركام، يبحث عن معنى للنجاة وعن يدٍ لم تمتد بعد.

لم يعد السؤال المطروح في عالم اليوم هو ما إذا كانت قوانين الحرب تُنتهك، بل أصبح السؤال الأكثر إيلامًا هو ما إذا كان العالم لا يزال يشعر بالصدمة عندما تُنتهك. فمع اتساع النزاعات المسلحة وتحوّل المدن إلى ساحات قتال مفتوحة، لم يعد المدنيون ضحايا عرضيين للصراع، بل أصبحوا في قلبه. وفي زمن تُقصف فيه الأحياء المكتظة، وتُحاصر الشعوب حتى الجوع، وتُستهدف المستشفيات والأسواق، لم يعد القانون الدولي الإنساني، الذي وُلد من رماد الحرب العالمية الثانية لحماية الإنسان من وحشية النزاعات، يواجه اختبارًا قانونيًا فحسب، بل اختبارًا أخلاقيًا يكشف حدود الإرادة السياسية العالمية وقدرتها على حماية الإنسان عندما تفشل السياسة.

القانون الدولي الإنساني، الذي تجسد في اتفاقيات جنيف، وضع قواعد واضحة لحماية المدنيين والبنية المدنية، وضمان حماية المنشآت الطبية والعاملين الصحيين، وتأمين وصول المساعدات الإنسانية، ومنع التعذيب وسوء المعاملة، وتحـييد الأسرى. إلا أن الواقع الراهن يكشف تآكلا في الامتثال لهذه القواعد، حيث أصبح الإفلات من العقاب عاملا رئيسيًا في تصاعد استهداف المدنيين، وتؤكد تقارير إنسانية أن تجاهل هذه القواعد أو تفكيكها في صراعات العصر الحديث يهدد بتحويل الحرب إلى فضاء بلا قيود أخلاقية.

تكشف الأرقام حجم الكارثة الإنسانية العالمية، إذ تشير بيانات النزاعات المسلحة إلى سقوط أكثر من مئتين وأربعين ألف قتيل نتيجة العنف المرتبط بالنزاعات خلال عام واحد، بينما يعيش اثنان وثمانون في المئة من المحتاجين للمساعدات الإنسانية في دول تمزقها النزاعات رغم أنهم يمثلون أحد عشر في المئة فقط من سكان العالم. كما سجلت الأمم المتحدة ما يقرب من ثلاثة وثلاثين ألف انتهاك جسيم ضد الأطفال في مناطق النزاع خلال عام واحد، وارتفعت وفيات العاملين في المجال الإنساني بشكل حاد خلال السنوات الأخيرة، وهي مؤشرات تؤكد أن المدنيين لم يعودوا خارج الحرب بل أصبحوا هدفًا مباشرًا لها.

في غزة تقدم الحرب نموذجًا مأساويًا لحرب تدور في قلب المدن المكتظة، حيث أدى القتال في بيئة حضرية شديدة الكثافة إلى نسب مرتفعة من الضحايا المدنيين، وتدمير واسع للبنية التحتية ونظام الرعاية الصحية، وخلق أزمة إنسانية معقدة. ويثير ذلك جدلا قانونيًا وأخلاقيًا حول مبدأ التناسب العسكري وإمكانية تطبيق قوانين الحرب في بيئة حضرية مكتظة بالسكان دون وقوع كارثة إنسانية واسعة النطاق.

وفي السودان تكشف الحرب الأهلية نموذجًا آخر لانهيار الحماية القانونية عندما تنهار الدولة نفسها، فقد أسفرت الحرب عن عشرات الآلاف من القتلى ونزوح ملايين المدنيين، ووقوع مجازر جماعية واستهداف للأسواق والمخيمات والمرافق المدنية. وقد وصفت الأمم المتحدة الأزمة بأنها إحدى أكبر الكوارث الإنسانية في العالم، ويطرح ذلك سؤالا جوهريًا حول من يفرض قواعد الحرب عندما تغيب مؤسسات الدولة وتتحول الميليشيات المسلحة إلى القوة الفعلية على الأرض.

أما في أوكرانيا فقد أظهرت الحرب عالية التقنية وجهًا مختلفًا لتأثير النزاعات على المدنيين، حيث أدى استهداف البنية التحتية للطاقة والنقل والخدمات الأساسية إلى معاناة إنسانية واسعة النطاق وارتفاع الضحايا المدنيين بشكل ملحوظ، ويثير ذلك تساؤلات حول ما إذا كانت البنية التحتية المدنية أصبحت هدفًا استراتيجيًا مشروعًا في الحروب الحديثة، رغم ما يترتب على ذلك من آثار إنسانية قاسية.

وفي مناطق أخرى من العالم، مثل شرق الكونغو والساحل الإفريقي، تتكرر الانتهاكات الجسيمة ضد المدنيين في نزاعات لا تحظى بالاهتمام الإعلامي الكافي، مما يعكس نمطًا عالميًا غير متوازن في حماية المدنيين، ويطرح إشكالية أخلاقية تتعلق بمدى ارتباط الحماية الدولية بدرجة الاهتمام السياسي والإعلامي العالمي.

تتعدد أسباب تراجع فعالية القانون الدولي الإنساني، ويأتي في مقدمتها شلل مجلس الأمن نتيجة استخدام حق النقض بما يعطل المساءلة في النزاعات الكبرى، كما تسهم ازدواجية المعايير في ردود الفعل الدولية في تقويض شرعية النظام القانوني الدولي. ويضاف إلى ذلك تطور طبيعة الحروب، حيث أصبحت النزاعات تدور في المدن وتعتمد على ميليشيات غير نظامية، وتستخدم تقنيات متقدمة وأنظمة استهداف عالية الدقة، مما يزيد تعقيد حماية المدنيين، بينما يشجع الإفلات من العقاب على تكرار الانتهاكات.

إن استمرار تآكل احترام القانون الدولي الإنساني يحمل تداعيات خطيرة على النظام العالمي، إذ قد يؤدي إلى حروب أكثر قسوة وأقل قيودًا، وتراجع قيمة حقوق الإنسان، وفقدان المؤسسات الدولية لشرعيتها، وعودة العالم إلى منطق القوة بدلا من القانون. والأخطر من ذلك تحوّل المدنيين إلى أضرار جانبية مقبولة في الحسابات العسكرية.

ورغم الانتهاكات المتكررة، يرى العديد من الخبراء أن القانون الدولي الإنساني لم ينهَر، بل يظل المرجعية الأخلاقية والقانونية التي يمكن البناء عليها إذا توفرت الإرادة السياسية اللازمة. ويشمل ذلك إصلاح آليات عمل مجلس الأمن، وتعزيز استقلال المحكمة الجنائية الدولية، وفرض عقوبات تلقائية على الانتهاكات الجسيمة، وتطوير قواعد الحرب في البيئات الحضرية، وتنظيم استخدام التكنولوجيا العسكرية والذكاء الاصطناعي في العمليات القتالية، وحماية العمل الإنساني من التسييس، وضمان وصول المساعدات دون عوائق.

إن القانون الدولي الإنساني لم يُكتب ليمنع الحروب، بل ليحمي الإنسان عندما تفشل السياسة. واليوم لا يواجه العالم أزمة قانون بقدر ما يواجه أزمة ضمير. فالقانون لا يموت عندما يُنتهك، بل عندما يصبح انتهاكه أمرًا عاديًا. وإن إنقاذ القانون الدولي الإنساني ليس مهمة القضاة وحدهم، بل مسئولية مجتمع دولي يقرر ما إذا كان يريد البقاء إنسانيًا في زمن الحروب، لأن حماية الإنسان ليست خيارًا أخلاقيًا ثانويًا، بل هي الأساس الذي تقوم عليه شرعية النظام الدولي ومستقبل الإنسانية.

سيبقى العالم قابلًا للحياة ما دام في قلب هذا الخراب إنسانٌ واحد يختار الرحمة.. ويؤمن أن إنقاذ إنسانٍ واحد هو إنقاذٌ لما تبقّى من إنسانيتنا جميعًا.


رابط دائم: