في مزرعة المستوطن.. كيف حولت زيارة واحدة طقسًا توراتيًا إلى تهديد سياسي فعلي؟
8-2-2026

نسرين طولان
* باحثة دكتوراه في العلوم السياسية

لم تكن زيارة وزير التراث الإسرائيلي "עמיחיאליהו - عميحاي إلياهو"، لمزرعة تربية "الأبقار الحمراء" في إحدى المستوطنات بالضفة الغربية، مجرد جولة روتينية، بل كانت رسالة سياسية مبطنة موجهة للداخل الإسرائيلي والخارج الفلسطيني والعالمي على حد سواء، حيث لم يكن المشهد الأكثر دلالة هو الوزير نفسه، بل كان اقتياده بناته الصغيرات بين تلك الأبقار ذات اللون الأحمر، مما يضعنا أمام مشهد ليس فقط دينيًا أو سياسيًا بل طقس تربوي يورث للأجيال. هذه الصورة تختزل قصة تحول خطير: قفزة مشروع "البقرة الحمراء" من هوامش الفكر الديني اليهودي إلى صلب السياسة الرسمية لأكثر الحكومات الإسرائيلية تطرفًا في تاريخ الدولة المزعومة، حاملًا معه فتيلًا دينيًا وسياسيًا يمكن أن يحرق أي أمل لتسوية سلمية للصراع، ويشعل المنطقة بصراع وجودي حول القدس والمقدسات.

يعود أصل فكرة "פרהאדומה–البقرة الحمراء" إلى سفر العدد في العهد القديم، ووفقًا للنص، كانت تُذبح بقرة حمراء كاملة (دون أي عيب أو شائبة لونية، ولم يركب عليها نير) وتحرق بكاملها فوق جبل الزيتون مقابل المسجد الأقصى، ليتخذ من رمادها ماء طهارة يُرش على من تنجس بلمس الموتى. كان هذا الطقس ضروريًا، وفق التفسير الحاخامي لاستعادة الطهارة الطقسية التي تمكن الكهنة من أداء شعائرهم في الهيكل، حيث يعتقد منظرو حركات الهيكل أن رماد "البقرة الحمراء" شرط لا غنى عنه لتطهير الكهنة اليهود وتمكينهم من دخول "قدس الأقداس" وأداء الطقوس، وبالتالي إنتاج هذا الرماد يعني إزالة العائق الطقسي الأخير (من وجهة نظرهم) أمام إعادة البناء.

مع دمار الهيكل الثاني (בֵּית־הַמִּקְדָּשׁהַשֵּׁנִי) عام 70 ميلاديًا، توقف العمل بهذا الطقس، لكنه بقي حيًا في النصوص التوراتية، كرمز لزمن الفداء والخلاص، وفيما بعد تحولت "البقرة الحمراء" إلى علامة لقدوم السيد المسيح وإعادة بناء الهيكل.

جاء التحول البارز مع صعود "الصهيونية الدينية" و"حركات الهيكل" في إسرائيل، مثل (معهد الهيكل - TempleInstitute) و"أمناء الهيكل"، هذه المجموعات المدعومة من متبرعين يهود من اليمين الديني الأمريكي والمستوطنين بدأت تتعامل مع الفكرة بشكل عملي، ومن هنا بدأت المحاولات العلمية في التسعينيات لاستيلاد "البقرة الحمراء الكاملة" (وفقًا لشروط الشريعة) عبر استيراد سلالات من الولايات المتحدة وأوروبا وبرامج تهجين وراثية مكثفة في مستوطنات الضفة الغربية، تحول الرمز إلى مشروع استيطاني-علمي على أرض فلسطين المحتلة.

بالإضافة إلى ما سبق، أدى تشكيل حكومة بنيامين نتنياهو الحالية (ائتلاف يضم أحزاب اليمين الديني المتطرف والصهيونية الدينية والحريديم بشكل غير مسبوق) إلى قلب المعادلة، فجأة وجد وزراء مثل "إيتمار بن غفير" (وزير الأمن القومي)، وبتسلئيل سموتريتش (وزير المالية، ووزير الإدارة المدنية بوزارة الأمن)، وعميخاي إلياهو (وزير التراث) على رأس مؤسسات الدولة، هؤلاء ليسوا سياسيين فحسب، بل يتبعون نهج أيديولوجي يؤمن بقدسية "ארץישראלהשלמה- أرض إسرائيل الكاملة" وبـواجب إعادة بناء الهيكل كجزء من المشروع الوطني اليهودي.

بالنظر إلى هذه التركيبة من النخبة الحاكمة نجد أن مشروع "البقرة الحمراء" لم يعد هامشيا، وزيارة إلياهو مع ابنتيه لمزرعة الأبقار هي الدلالة الأوضح لهذه الشرعنة كجزء من "التراث اليهودي" الذي تدعمه وزارته. الرسالة واضحة: هذا ليس نشاطا فرديا، بل هو "سياسة دولة".

ومن هنا يأتي السؤال المهم: لماذا يأخذ هذا المشروع كل هذا الحيز من الاهتمام؟

ببساطة لأنه ليس مجرد طقس ديني أو تراثي بريء، بل هو جزء من ترسانة أيديولوجية- عملية تهدف إلى إحداث تغيير جيوسياسي وجودي في أقدس بقعة في الصراع: الحرم الشريف / جبل الهيكل في القدس.

أيضا يخلق المشروع إحساسًا حتميًا واستعجاليًا بين أنصاره، فوجود "البقرة الحمراء" يغذي الرواية القائلة بأن الخلاص قريب وأن على "الدولة اليهودية" والشعب اليهودي الاستعداد له، هذا الضغط من السياسيين المتطرفين سواء من صناع القرار أم لا، يُسير الحكومة لتتخذ خطوات أكثر جرأة في القدس، كما يعطي المستوطنين والمتطرفين من اليهود حُجة وذريعة دينية للقيام بإجراءات أحادية الجانب، مثل محاولات تقديم قرابين حيوانية داخل الحرم القدسي.

ناهيك عن أن فكرة تقديم المشروع عبر زيارة عائلية هادئة، كما فعل إلياهو مع ابنتيه، تسعى إلى ترسيخ الفكرة في العقلية الإسرائيلية والعالمية (كما كان يقول إلياهو لابنتيه أثناء الزيارة: كل العالم يتحدث عنهم) حتى تصبح "بقرة مقدسة" بدلا من "مشروع استفزازي خطير"، كما يُقدم كطقس ديني وتراث إسرائيلي، متجاوزا حقيقة كونه تهديدا مباشرا لواقع مقدسات دينية أخرى ومسببا رئيسيا لصراع وجودي.

تداعيات مشروع "البقرة الحمراء":

إن عواقب تحويل هذا المشروع من كينونته الدينية إلى سياسة متطرفة لها آثار مدمرة على جميع الأطراف:

·على الفلسطينيين والعالم المسيحي والإسلامي ككل: يعتبر الحرم القدسي خطا أحمر لا يُقبل المساس به، ليس فقط كمكان للصلاة، بل كرمز للهوية الدينية والسيادة والكرامة، أي تهديد عملي له، مثل الإعلان عن نجاح تربية "البقرة الحمراء" المستوفية لأحكام الشريعة وبالتالي الحصول على رمادها في أي وقت واستعداد جماعات الهيكل لاستخدامه، قد يكون الشرارة التي تُشعل صراع لا يمكن احتواؤه، وتدفع بالعالم الإسلامي إلى رد فعل غاضب، وهو ما يُمكن ترجمته إلى أن الصراع مع إسرائيل هو صراع وجودي ليس فقط على الأرض بل على المقدسات أيضا.

·على إسرائيل نفسها: يزيد المشروع من حالة الانقسام العميق داخل المجتمع الإسرائيلي بين العلمانيين والمتديّنين المتطرفين، حيث إن كثيرا من الإسرائيليين يخشون أن يقودهم هذا النهج وهذه الأيديولوجية إلى حرب دينية لا نهاية لها، كما أنه يعمق من عزلتها الدولية، ويظهرها كدولة تقاد من قبل جماعة دينية متطرفة غير مكترثة بالاستقرار الإقليمي.

·على عملية السلام: يدفن المشروع أي أمل متبقٍ في حل الدولتين، فالقدس الموحدة كعاصمة لإسرائيل، في هذه الرواية، لا تعني فقط السيطرة السياسية، بل تعني هيمنة دينية يهودية على الحرم القدسي الشريف، ومن هنا يصبح التفاوض على القدس مستحيلًا ولا طائل منه، لأن الجانب الإسرائيلي يتفاوض وهو يعمل بالفعل على تغيير الوقائع على الأرض بأدوات وممارسات دينية يعتبرها مقدسة ولا تقبل المساومة.

ختامًا، زيارة الوزير الإسرائيلي "عميحاي إلياهو" لمزرعة "البقرة الحمراء" ليست نهاية القصة، بل بداية فصل جديد خطير، فهي إعلان أن مشروع تغيير الوضع القائم في القدس أصبح جزءًا من سياسات واستراتيجية "الدولة العبرية"، لقد تحول الرماد الطقسي القديم إلى وقود لصراع وأيديولوجيا حديثة تهدد بإحراق الاستقرار الهش في المنطقة.

الخطر الأكبر لا يكمن في "البقرة الحمراء" نفسها، بل في العقلية التي تمثلها، والتي تنتهج استراتيجية "الاستبداد التوحيدي" ساعيةً إلى فرض رؤية دينية أحادية على واقع تعددي تاريخي، مستخدمة أدوات الدولة العصرية لتحقيق نبوءات قديمة.

السؤال الآن: هل سيتصاعد هذا المشهد إلى مواجهة مصيرية، أم سينطفئ هذا الفتيل؟ الوقت وحده، وموازين القوى على الأرض، هما من سيجيبان.


رابط دائم: