لعبة الردع على حافة الهاوية.. المقاربة الأمريكية و حدود الحرب الخاطفة في الملف الإيراني
3-2-2026

لواء دكتور/ أحمد الجيزاوي
* باحث في العلوم السياسية والأمن القومي

لم يعد الصراع الأمريكي-الإيراني مجرد مواجهة حول تخصيب اليورانيوم أو النفوذ الإقليمي، بل بات يعبر عن نموذج أوسع لطبيعة الصراع في النظام الدولي الجديد: صراع لا يحسم بالحرب، ولا يغلق بالتسوية، بل يدار بوصفه اختبارًا دائمًا لإرادة الردع وحدود السيطرة، فالمفارقة الكبرى اليوم أن الطرفين يبدوان وكأنهما يقتربان من التصعيد، لكنهما في الوقت ذاته يتجنبان لحظة الانفجار الكامل، مما يخلق حالة غير مسبوقة من الاشتباك المؤجّل.

وفي هذا السياق تبدو العلاقة بين واشنطن وطهران أقرب إلى توازن هش بين قوتين: قوة عظمى تسعى إلى التحكم في مسارات الأزمة دون الانزلاق إلى حرب طويلة، ودولة إقليمية تدرك أن قدرتها على الصمود لا تقوم على الانتصار العسكري المباشر، بل على إدارة الكلفة وتوسيع ساحات الاشتباك، وهكذا يتحول الردع من كونه وسيلة لمنع الحرب إلى ساحة للصراع ذاته، حيث تصبح كل ضربة محتملة شرارة، وكل تهدئة مؤقتة محطة ضمن أزمة ممتدة.

لقد خرجت الولايات المتحدة، منذ تجربتي العراق وأفغانستان، من وهم الحرب الحاسمة بوصفها الطريق المختصر لإعادة تشكيل النظام الإقليمي أو فرض الإرادة الاستراتيجية، فقد أثبتت التجربة التاريخية أن الحروب الطويلة لا تنتج نصرًا مستدامًا، بقدر ما تستنزف القوة، وتفتح المجال لتآكل الشرعية الدولية وتعميق الانقسام الداخلي، بل تمنح الخصوم فرصًا استراتيجية على حساب واشنطن نفسها.

ومن هنا تبلورت لدى صانع القرار الأمريكي مقاربة أكثر براجماتية تقوم على الانتقال من الاجتياحات المكلفة إلى الضربات المحدودة، ومن الاحتلال المباشر إلى الردع المتحرك، ومن الحرب الشاملة إلى الضغط الاقتصادي والسيبراني، مع إبقاء مسار التفاوض جزءًا من الأزمة لا خاتمة لها.

وبذلك تعتمد واشنطن نهجًا يقوم على ضبط التصعيد والتحكم في إيقاع المواجهة، عبر فرض حدود واضحة للصراع دون الانجرار إلى حرب مفتوحة أو طويلة الأمد قد تحملها كلفة سياسية واقتصادية باهظة. إنها مقاربة تسعى إلى ممارسة الضغط والردع من جهة، مع تجنب الاستنزاف الذي تكبدته الولايات المتحدة في تجاربها العسكرية السابقة.

غير أن إيران ليست خصمًا يمكن تطويقه بسهولة عبر القواعد الكلاسيكية للردع أو الاحتواء، فهي ليست دولة تسعى فقط إلى ضمان أمنها بالمعنى التقليدي، بل تمثل مشروعًا استراتيجيًا مركبًا يقوم على عقيدة ثورية ترى المواجهة جزءًا من الهوية السياسية، ويستند إلى جهاز أمني شديد التماسك والانغلاق، وشبكة واسعة من الوكلاء تمتد من الخليج إلى المتوسط.

كما طورت إيران خلال العقود الأخيرة نموذجًا اقتصاديًا مقاومًا تشكل تحت وطأة العقوبات، إلى جانب تبنيها مفهوم الصبر الاستراتيجي كبديل عن الصدمة السريعة أو المواجهة المباشرة، وبذلك فإن واشنطن لا تواجه دولة فحسب، بل تواجه منظومة اشتباك متعددة المستويات تملك قدرة عالية على امتصاص الضغط وإعادة توزيعه على ساحات مختلفة.

في هذا السياق تراهن واشنطن على الضربة المحدودة بوصفها أداة ردع مركزة، لا كمدخل إلى حرب شاملة، فالهدف ليس إسقاط النظام الإيراني، بل إعادة ضبط التوازن، ومنع الاقتراب من حدود الردع النووي، وفرض شروط تفاوضية أكثر صرامة، مع توجيه رسالة قوة واضحة دون التورط في احتلال أو مواجهة مفتوحة.

غير أن الإشكال الجوهري يتمثل في أن الضربة المحدودة لا تبقى محدودة بالضرورة في الحالة الإيرانية، فطهران لا تنظر إليها كتكتيك عابر، بل كمساس مباشر بالسيادة والهيبة الوطنية، ما يجعل الرد مسألة وجودية تتجاوز الحسابات العسكرية الضيقة، وتفتح الباب لاحتمالات تصعيد يصعب ضبطها بالكامل.

وهنا تكمن خطورة هذه المقاربة: ضربة محسوبة قد تفضي إلى تصعيد غير محسوب، وانزلاق تدريجي يصعب التحكم في مساره.

ولا يمكن فهم طبيعة المواجهة بين واشنطن وطهران بمعزل عن حرب الظل التي تجري تحت مستوى الصدام العسكري المباشر، حيث تلعب الأدوات الاستخباراتية والعمليات غير المعلنة دورًا متزايدًا في تعطيل القدرات وتأخير المسارات الحساسة، وفرض الردع دون الوصول إلى مواجهة شاملة، فالصراع هنا لا يدار فقط عبر حاملات الطائرات والعقوبات، بل أيضًا عبر معركة خفية تسعى من خلالها الأطراف إلى تحقيق مكاسب استراتيجية بأقل كلفة ممكنة.

ومن أخطر أوهام بعض التحليلات الغربية الاعتقاد بأن الضغط العسكري الخارجي قادر على إسقاط النظام الإيراني من الداخل، فالواقع التاريخي والسياسي يشير إلى العكس تمامًا: فالمجتمع الإيراني، رغم أزماته وانقساماته، يخضع لقاعدة سياسية صلبة مفادها أن التهديد الخارجي غالبًا ما يعيد إنتاج التماسك الداخلي.

فعند تعرض إيران لضربة عسكرية، يحدث ما يُعرف بـ "الالتفاف حول العلم"، حيث تتحول الأزمة من احتجاج اجتماعي إلى صراع قومي دفاعًا عن الوطن، وقد تجد حتى بعض القوى المعارضة نفسها مضطرة للاصطفاف خلف الدولة في مواجهة ما ينظر إليه كعدوان خارجي.

وبذلك تتحول الضربة إلى فرصة للنظام من أجل إعادة إنتاج الشرعية، وتعبئة الجماهير، وتضييق المجال أمام المعارضة عبر تصويرها كطابور خامس، فضلًا عن تعزيز القبضة الأمنية تحت مظلة الخطر الوجودي.

وعليه فإن الحرب الخاطفة التي يفترض أن تضعف إيران قد تمنحها، في مفارقة لافتة، لحظة تماسك استثنائية بدلًا من أن تفتح الباب لانهيار داخلي سريع.

وإذا كانت الضربة المحدودة محفوفة بالمخاطر، فإن الحرب الطويلة تمثل الكابوس الأمريكي الحقيقي، فإيران ليست ساحة بعيدة يمكن ضربها دون ارتدادات، بل تشكل مركزًا لشبكة اشتباك إقليمي معقدة تجعل أي مواجهة ممتدة قابلة للتوسع بسرعة خارج حدودها المباشرة.

فأي حرب طويلة ستطال فورًا المصالح الأمريكية الحيوية في الخليج، بما في ذلك القواعد العسكرية والأساطيل، ومنشآت الطاقة العالمية، وأمن الملاحة في مضيق هرمز، فضلًا عن تداعياتها المباشرة على استقرار الأسواق النفطية العالمية.

وفي هذا السياق لا تحتاج إيران إلى هزيمة الولايات المتحدة عسكريًا بالمعنى التقليدي، بل يكفيها رفع تكلفة الحرب إلى مستوى لا تستطيع واشنطن احتماله سياسيًا واقتصاديًا، ومن ثم فإن الحرب الطويلة ضد إيران لن تكون حربًا على إيران وحدها، بل حربًا على المصالح الأمريكية نفسها، وعلى استقرار الإقليم والنظام الاقتصادي العالمي.

كما أن الملف الإيراني لا يبقى حبيس الإطار الإقليمي، إذ إن أي تصعيد واسع سرعان ما يستدعي تلقائيًا تدويل المواجهة وإعادة تموضع القوى الكبرى، فروسيا قد تنظر إلى الأزمة بوصفها فرصة لتعزيز دورها في مواجهة الهيمنة الأمريكية، بينما تتحرك الصين بدافع حماية مصالحها الحيوية المرتبطة بالطاقة وممرات التجارة العالمية.

وفي المقابل قد تبرز انقسامات داخل التحالف الغربي ذاته بين من يفضلون الردع والتشدد، ومن يدفعون نحو التسوية والاحتواء، فضلًا عن احتمال اتساع الحرب الرمادية إلى ساحات بعيدة خارج الشرق الأوسط.

وبذلك تتحول إيران من مجرد أزمة شرق أوسطية إلى أزمة تتداخل فيها اعتبارات النظام الدولي ذاته، بما يجعل أي انفجار واسع فيها قادرًا على إعادة ترتيب موازين القوة على نطاق أوسع.

وتواجه الولايات المتحدة مفارقة استراتيجية قاسية في تعاملها مع إيران: فكلما صعّدت أدوات الضغط العسكري، أعادت طهران إنتاج التماسك الداخلي ووسعت مساحة الرد الإقليمي عبر شبكاتها وأذرعها المختلفة، وفي المقابل كلما تجنبت الولايات المتحدة الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة، اقتربت إيران تدريجيًا من تعزيز موقعها الردعي، بما يجعل خيار الاحتواء أكثر تعقيدًا.

وهكذا تجد واشنطن نفسها عالقة بين مسارين أحلاهما مرّ: ضربة قد تفتح الباب لتوسع الحرب خارج حدود السيطرة، أو تردد يمنح إيران مساحة استراتيجية أكبر لتكريس موقعها كقوة إقليمية عصية على الإخضاع.

ومن ثم فإنها ليست مواجهة قابلة للحسم، بل لعبة ردع تدار باستمرار على حافة الهاوية، حيث يصبح التوازن هشًا واحتمال الانزلاق قائمًا في كل لحظة.

إن الملف الإيراني لن يغلق بضربة عسكرية، ولن ينهى باتفاق سريع، ولن يحسم بحرب طويلة، فهو مرشح لأن يبقى نموذجًا للأزمة الدائمة التي تدار ولا تحل، حيث تستمر المواجهة في المنطقة الرمادية بين الحرب والسلام دون الوصول إلى خاتمة قاطعة.

والسيناريو الأرجح في المستقبل القريب يتمثل في استمرار نمط التصعيد المحسوب، عبر ضربات محدودة، وردود غير مباشرة، وتوتر دائم، وتفاوض مشروط، في سياق لا يفضي إلى حرب شاملة ولا إلى سلام نهائي.

ومع كل جولة جديدة، يصبح السؤال أقل ارتباطًا بمن ينتصر، وأكثر تعلقًا بمن يستطيع تحمل الأزمة أطول، ومن يملك النفس الاستراتيجي الأعمق في إدارة صراع مفتوح على حافة الهاوية.

ويبقى السؤال المفتوح: إلى أي مدى يمكن لهذا الاشتباك المؤجّل أن يستمر دون أن يتحول إلى انفجار لا يملك أحد القدرة على احتوائه؟


رابط دائم: