يشهد النظام الدولي في السنوات الأخيرة تحولات عميقة تعكس تصاعد الصراع بين القوى الكبرى، خاصة بين الولايات المتحدة الأمريكية وجمهورية الصين الشعبية، هذا التنافس لا يقتصر على الصراع العسكري المباشر، بل يعكس صراعا جيوسياسي وجيواقتصادي، حيث تسعى الدول الكبرى للهيمنة على الموارد الاستراتيجية، والتكنولوجيا المتقدمة، ومسارات الطاقة. من خلال هذه الديناميكيات أطلقت الولايات المتحدة سلسلة من المبادرات السياسية التي تهدف إلى الحد من النفوذ الصيني في مناطق حيوية، وهو ما يعكس تحولا في طبيعة التعاملات الدولية.
في هذا السياق تبرز مبادرة "مجلس السلام" التي أعلن عنها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في مؤتمر دافوس الاقتصادي 2026، كجزء من هذه الاستراتيجية الجيوسياسية.
والهدف المعلن لـ"مجلس السلام": هو مبادرة لتسوية النزاعات الدولية، حيث أعلن أن "مجلس السلام" أداة جديدة تهدف إلى تسوية النزاعات المسلحة بشكل فعال، خاصة في مناطق ساخنة مثل قطاع غزة. يسعى المجلس للحد من التصعيد العسكري ويدعو إلى تبني حلول سلمية تحت إشراف دولي محدود. في هذه المبادرة يعكس المجلس محاولة لتوسيع آليات السلام خارج إطار المؤسسات التقليدية مثل الأمم المتحدة، وتقديم آليات جديدة أكثر مرونة وفعالية في حل النزاعات. يهدف المجلس إلى التعامل مع الأزمات والصراعات الدولية بمرونة أكبر، وإدخال سياسات تتلاءم مع التحديات العالمية الحالية.
ووراء هذا الطرح يمكن قراءة أهداف أعمق، أهمها هو السيطرة على أدوات السياسة الدولية، فوراء هذه المبادرة يكمن هدف غير معلن يتجاوز مجرد تسوية النزاعات. فمن خلال "مجلس السلام"، تسعى الولايات المتحدة إلى إعادة هندسة آليات السلام الدولية بعيدا عن الهيئات التقليدية، مثل الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي. هذا يهدف إلى تقليص دور المؤسسات التي أصبحت تعد عبئًا على القرار الأمريكي، وتحويل السلام من قيمة قانونية دولية إلى أداة سياسية تخدم المصالح الاستراتيجية الأمريكية. بمعنى آخر السلام هنا ليس غاية بقدر ما هو وسيلة لإعادة ضبط موازين القوى.
النظرة الأمريكية للصين:
تنظر الولايات المتحدة إلى الصين كتهديد طويل الأمد، ليس فقط من حيث القوة العسكرية ولكن أيضا من حيث القوة الاقتصادية والتكنولوجية.
تعتبر الصين منافسا مباشرا في مجالات، مثل الذكاء الاصطناعي والتصنيع المتقدم، وهو ما يهدد التفوق الأمريكي في هذه المجالات. في ظل هذا التنافس، تدرك واشنطن أن المستقبل الاقتصادي العالمي سيكون مرهونا بالقدرة على التحكم في المعادن النادرة والطاقة، وهما عصب الاقتصاد الحديث والتسليح المتطور.
بينما تواصل الصين توسعها في عدة مناطق استراتيجية، وتسعى الولايات المتحدة إلى تقليص هذا النفوذ من خلال تدخلات جيوسياسية محسوبة في مناطق، مثل إفريقيا، وآسيا، وأمريكا اللاتينية، والمحيط المتجمد الشمالي.
تحركات واشنطن لتقليص التوسع الصيني:
1- المعادن النادرة:
على سبيل المثال تمثل الكونغو ورواندا مركزًا رئيسيا لاحتياطي المعادن النادرة، مثل الكوبالت، والليثيوم، والكولتان. وهي معادن أساسية للصناعات العسكرية والتكنولوجيا الحديثة. وتسيطر الصين حاليا على الجزء الأكبر من سلاسل توريد هذه المعادن، وهو ما دفع الولايات المتحدة إلى التدخل لإيقاف الصراع بين البلدين الذي دام أكثر من 30 عاما ، وهو ما يعكس التحركات الأمريكية المباشرة لتقليص النفوذ الصيني في هذه المنطقة الحيوية. من خلال هذه التدخلات، تسعى واشنطن للهيمنة على هذه الموارد الهامة.
2-إيران:
تعد إيران محورا رئيسيًا للصين فى الشرق الأوسط كحليف استراتيجي لا غنى عنه لعدة أسباب:
أ- أمن للطاقة : تستورد الصين نحو 90% من صادرات النفط الإيرانية (ما عادل 1.8 مليون برميل يوميا في عام 2025).
ب- مبادرة "الحزام والطريق": تقع إيران في قلب الطريق التجاري الذي يربط الصين بأوروبا برا ، وهي "الجسر" الذي تريده بكين لتجاوز المسارات التي تسيطر عليها القوات البحرية الأمريكية.
لذلك تعد التحركات الأمريكية الحالية تجاه إيران منذ يناير 2026، جزءا من استراتيجية أوسع لا تقتصر فقط على "تغيير سلوك النظام" الإيراني، بل تمتد لتكون أداة رئيسية في الصراع الجيوسياسي مع الصين.وتتبع إدارة ترامب حاليا سياسة "الضغط الأقصى، والتي تتجاوز مجرد العقوبات الاقتصادية التقليدية، منها:
- التحشيد العسكري: أرسل ترامب قطعا بحرية ضخمة إلى المنطقة كرسالة ردع واضحة مع التلويح بخيارات عسكرية حاسمة إذا تم تجاوز "الخطوط الحمراء".
-التعامل مع الاحتجاجات: أبدى ترامب دعما علنيا قويا للاحتجاجات الداخلية في إيران، مهددا بفرض تبعات خارجية قاسية على طهران حال استمرار قمع المتظاهرين.
- سلاح الرسوم الجمركية: التطور الأبرز هو تهديد ترامب بفرض رسوم جمركية بنسبة 25% على أي دولة (وعلى رأسها الصين) تستمر في التعامل التجاري مع إيران، وهو ما يُعرف بـ "العقوبات الثانوية" المبتكرة.
3- فنزويلا:
فنزويلا، التي تمتلك أكبر احتياطي نفطي مؤكد في العالم، وكانت تعتبر مركزا نفطيا للصين، أصبحت محورا للصراع الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين.
تدخلت الولايات المتحدة في الشأن الفنزويلي بهدف تقليص النفوذ الصيني في قطاع الطاقة الفنزويلي. من خلال الدعم السياسي للمعارضة الفنزويلية والتحركات العسكرية وعليه اعتقل رئيس البلاد وزوجته ، وتسعى الولايات المتحدة لإعادة السيطرة على النفط الفنزويلي، وهو ما يعزز قوتها الاقتصادية والجيوسياسية في منطقة استراتيجية ذات أهمية كبيرة.
4-جرينلاند – مستقبل الموارد:
جرينلاند، التي تتمتع بموقع استراتيجي بين أمريكا الشمالية وأوروبا، أصبحت واحدة من أهم المناطق التي تسعى الولايات المتحدة إلى توسيع نفوذها فيها.
تحتوي جرينلاند على معادن نادرة مثل اليورانيوم، بالإضافة إلى موقعها الحيوي في التحكم بممرات بحرية مهمة.
تسعى الولايات المتحدة إلى منع الصين من تعزيز علاقاتها مع الدنمارك وجرينلاند، حيث حاولت الصين دخول سوقها عبر الاستثمارات في البنية التحتية. مع ذوبان الجليد نتيجة لتغير المناخ قد يفتح المجال أمام استغلال المزيد من الموارد الطبيعية في المنطقة.
ختاما:
تظهر تحركات الولايات المتحدة الأخيرة استراتيجية مترابطة تهدف إلى الحد من التوسع الصيني، والسيطرة على الموارد الحيوية، وإعادة تأكيد الهيمنة الأمريكية على النظام الدولي. هذه الاستراتيجية تشمل تحركات جيوسياسية متعددة تستهدف مناطق رئيسية من أجل تقليص النفوذ الصيني في مجالات حيوية من النفط، والمعادن النادرة، والممرات البحرية الحيوية إلي جانب تقليص مشاريعها الاقتصادية.
ورغم عدم وجود وثائق رسمية تربط بين هذه التحركات بشكل مباشر، فإن تزامنها وتشابه أهدافها يعكس بوضوح ملامح استراتيجية أمريكية طويلة الأمد تستهدف تقليص النفوذ الصيني على الساحة الدولية.