القرن الإفريقي وإعادة تشكيل ميزان القوى في البحر الأحمر في ظل التحولات الإقليمية
2-2-2026

د. محمد إبراهيم حسن فرج
* دكتوراه العلوم السياسية- كلية الاقتصاد والعلوم السياسية،جامعة القاهرة

لم يعد البحر الأحمر مجرد ممر ملاحي حيوي يربط الشرق بالغرب، بل تحوّل خلال السنوات الأخيرة إلى ساحة صراع مفتوحة تتقاطع فيها مصالح القوى الإقليمية والدولية، مدفوعة بتغيرات عميقة في بنية النظام الإقليمي وتآكل أنماط الاستقرار التقليدية. وفي قلب هذا التحول يبرز القرن الإفريقي بوصفه العمق الجغرافي والاستراتيجي الذي تُعاد من خلاله صياغة موازين القوة في البحر الأحمر.

فمن انتشار القواعد العسكرية الأجنبية، إلى تصاعد الصراعات الداخلية، مرورًا بتدويل الموانئ والسواحل، أصبح القرن الإفريقي أحد المفاتيح الرئيسية لفهم التحولات الجارية في أمن البحر الأحمر. هذه التطورات لا تنفصل عن حالة السيولة الإقليمية التي أعقبت تراجع الأدوار التقليدية لبعض القوى، وصعود فاعلين جدد يسعون إلى تثبيت نفوذهم عبر السيطرة على الممرات البحرية ونقاط الاختناق الاستراتيجية.

في هذا السياق تكتسب دراسة القرن الإفريقي أهمية مضاعفة، ليس فقط باعتباره مسرحًا للتنافس الدولي، بل كعامل مؤثر بشكل مباشر في الأمن القومي المصري، خاصة في ظل الارتباط العضوي بين استقرار البحر الأحمر، وأمن قناة السويس، وحركة التجارة العالمية، ومجمل التوازنات الاستراتيجية في الإقليم.

الأهمية الجيوسياسية للقرن الإفريقي:

يمتلك القرن الإفريقي موقعًا جغرافيًا فريدًا يجعله أحد أكثر الأقاليم حساسية في معادلات الجيوبوليتيك العالمية، إذ يُشرف مباشرة على مضيق باب المندب، أحد أهم نقاط الاختناق البحرية في العالم، والذي يربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي. هذا الموقع يمنح دول القرن الإفريقي قدرة مباشرة على التأثير في حركة التجارة الدولية وإمدادات الطاقة، ويجعل أي اضطراب أمني أو سياسي في الإقليم ذا انعكاسات تتجاوز حدوده الجغرافية لتطال الاقتصاد العالمي وأمن الملاحة الدولية، وهو ما يفسر كثافة الاهتمام الدولي المتزايد بهذه المنطقة.

ولا تقتصر أهمية القرن الإفريقي على إشرافه البحري فحسب، بل تتعزز قيمته الاستراتيجية بكونه حلقة وصل جيوسياسية بين إفريقيا والشرق الأوسط، ومنطقة تماس مباشر بين منظومتين إقليميتين متداخلتين. فالقرن الإفريقي يمثل امتدادًا طبيعيًا للأمن الإقليمي في البحر الأحمر والجزيرة العربية، كما يشكل منصة انطلاق أو ارتكاز للقوى الساعية إلى توسيع نفوذها عبر الضفتين. هذا التداخل جعل الإقليم ساحة مفتوحة للتفاعلات السياسية والأمنية، حيث تتقاطع المصالح العربية، والإفريقية، والدولية في إطار تنافسي معقد.

وفي ضوء هذه المعطيات، انتقل القرن الإفريقي تدريجيًا من كونه هامشًا جغرافيًا مضطربًا يعاني من هشاشة الدولة والصراعات الداخلية، إلى مركز ثقل استراتيجي في حسابات القوى الكبرى والإقليمية. فقد أعادت التحولات الإقليمية والدولية، ولا سيما عسكرة الممرات البحرية وتدويل الأمن البحري، تعريف دور الإقليم ووظيفته في النظام الدولي. وبات القرن الإفريقي اليوم أحد المفاتيح الرئيسية لإعادة تشكيل ميزان القوى في البحر الأحمر، ومسرحًا تتجسد فيه بوضوح معادلات النفوذ والصراع في عالم يشهد سيولة استراتيجية متزايدة.

التحولات الإقليمية وانعكاسها على البحر الأحمر:

شهد الإقليم خلال العقد الأخير تراجعًا ملحوظًا في قدرة الدولة الوطنية على الاحتفاظ باحتكارها التقليدي للأمن والسيادة، خاصة في مناطق النزاع والهشاشة السياسية. هذا التراجع أفسح المجال أمام صعود منطق التحالفات المرنة، التي تقوم على المصالح المؤقتة والتفاهمات التكتيكية بدلًا من التحالفات الاستراتيجية طويلة الأمد. وفي سياق البحر الأحمر، انعكس هذا التحول في تعدد الشركاء الأمنيين، وتغير أنماط الاصطفاف الإقليمي، بما جعل المشهد أكثر سيولة وتعقيدًا، وأضعف إمكانية بناء منظومة أمن جماعي مستقرة.

وتفاقمت هذه التحولات بفعل تشابك الصراعات الإقليمية الممتدة من اليمن إلى غزة وصولًا إلى دول القرن الإفريقي، حيث لم تعد هذه النزاعات منعزلة عن بعضها بعضا، بل باتت مترابطة ضمن بيئة صراع واحدة. فالحرب في اليمن ألقت بظلالها الثقيلة على أمن باب المندب، بينما أسهمت التطورات في غزة في توسيع نطاق التوتر في البحر الأحمر، عبر استهداف الملاحة وارتفاع منسوب المخاطر الأمنية. وفي المقابل أدى استمرار الصراعات الداخلية في القرن الإفريقي إلى توفير بيئة رخوة تستقطب التدخلات الخارجية، مما زاد من هشاشة الأمن الإقليمي وأعاد رسم أولويات القوى الفاعلة.

وفي ظل هذه المعطيات دخل البحر الأحمر مرحلة العسكرة المتزايدة وتدويل الأمن، حيث تحولت مياهه وسواحله إلى مسرح لانتشار القواعد العسكرية الأجنبية، والدوريات البحرية متعددة الجنسيات، بذريعة حماية الملاحة الدولية. غير أن هذا التدويل لم يُفضِ إلى استقرار مستدام، بل ساهم في تعميق التنافس بين القوى الكبرى والإقليمية، وجعل أمن البحر الأحمر رهينة لتوازنات القوة الخارجية أكثر من كونه نتاجًا لتفاهمات إقليمية ذاتية، الأمر الذي يعيد طرح تساؤلات جوهرية حول مستقبل الأمن البحري في المنطقة وانعكاساته الاستراتيجية بعيدة المدى.

الفاعلون الإقليميون والدوليون في القرن الإفريقي:

أصبح القرن الإفريقي ساحة مفتوحة لتنافس القوى الإقليمية التي تسعى إلى توسيع نطاق نفوذها خارج حدودها الجغرافية المباشرة، مستفيدة من هشاشة الأوضاع الداخلية في دول الإقليم. فقد عملت تركيا على تعزيز حضورها عبر الأدوات الاقتصادية، والعسكرية، والإنسانية، مستندة إلى خطاب الشراكة وبناء القدرات، بينما ركزت إيران على توظيف البعد الأمني غير المباشر وربط ساحات الصراع الإقليمي ببعضها بعضا، خاصة في سياق البحر الأحمر وباب المندب. وفي المقابل سعت دول الخليج إلى تثبيت موطئ قدم استراتيجي في القرن الإفريقي، انطلاقًا من اعتبارات أمن الملاحة، وتأمين خطوط الطاقة والتجارة، فضلًا عن مواجهة نفوذ الخصوم الإقليميين. أما إسرائيل فقد تعاملت مع الإقليم بوصفه امتدادًا للأمن القومي الإسرائيلي، وحرصت على بناء علاقات سياسية وأمنية تضمن لها مراقبة الممرات البحرية وتطويق التهديدات المحتملة.

وعلى المستوى الأوسع يتجلى حضور القوى الدولية الكبرى بوصفه عنصرًا حاسمًا في تشكيل المشهد الاستراتيجي للقرن الإفريقي. فالولايات المتحدة تنظر إلى الإقليم باعتباره جزءًا من منظومة أمنية أوسع تمتد من الشرق الأوسط إلى المحيط الهندي، وتسعى من خلال وجودها العسكري وشبكة تحالفاتها إلى الحفاظ على حرية الملاحة ومكافحة التهديدات العابرة للحدود. في المقابل تعمل الصين على توظيف قوتها الاقتصادية ومبادرة «الحزام والطريق» لترسيخ نفوذ طويل الأمد، معززة ذلك بحضور عسكري محسوب يهدف إلى حماية مصالحها التجارية. أما روسيا فتسعى إلى استعادة مكانتها الدولية عبر التمدد في مناطق الفراغ الاستراتيجي، مستخدمة أدوات أمنية وعسكرية مرنة لتعزيز نفوذها السياسي والاقتصادي في الإقليم.

وتُعد القواعد العسكرية والموانئ من أبرز أدوات النفوذ المستخدمة في هذا التنافس متعدد المستويات، إذ تحولت الموانئ الاستراتيجية في القرن الإفريقي إلى نقاط ارتكاز عسكرية ولوجستية تمنح القوى الفاعلة قدرة على التحكم في حركة الملاحة ومراقبة خطوط الاتصال البحرية. ولم تعد هذه القواعد مجرد منشآت دفاعية، بل أصبحت أدوات ضغط سياسي ورسائل ردع متبادلة، تعكس عمق الصراع على السيطرة والنفوذ في إقليم بات يمثل أحد المفاتيح الأساسية لإعادة تشكيل ميزان القوى في البحر الأحمر والنظام الإقليمي المحيط به.

إعادة تشكيل ميزان القوى في البحر الأحمر:

شهد البحر الأحمر خلال السنوات الأخيرة تحولًا جوهريًا في أنماط إدارة الأمن، حيث تراجع مفهوم الأمن التعاوني القائم على التنسيق الجماعي وحماية المصالح المشتركة، لصالح صعود الأمن التنافسي الذي تحكمه اعتبارات النفوذ والردع وتوازنات القوة. هذا التحول جاء نتيجة لتزايد عدد الفاعلين المنخرطين في الإقليم، وتضارب أجنداتهم الاستراتيجية، مما أدى إلى تآكل الثقة المتبادلة وغياب إطار إقليمي جامع قادر على إدارة أمن البحر الأحمر بصورة مستقلة وفعالة.

وفي هذا السياق، برز سباق محموم للسيطرة على الموانئ ونقاط الاختناق الاستراتيجية، باعتبارها أدوات حاسمة في معادلة القوة البحرية. فقد تحولت الموانئ الواقعة على سواحل البحر الأحمر وباب المندب إلى منصات نفوذ سياسي وعسكري، تستخدمها القوى الإقليمية والدولية لتعزيز حضورها، وتأمين خطوط إمدادها، وفرض وقائع استراتيجية جديدة. ولم يعد التحكم في هذه الموانئ مجرد مسألة اقتصادية، بل أصبح عنصرًا أساسيًا في الصراع على النفوذ الإقليمي وإعادة توزيع القوة في الفضاء البحري.

وقد انعكست هذه التطورات بشكل مباشر على حرية الملاحة والتجارة الدولية، حيث أدى تصاعد التوترات الأمنية والعسكرة المتزايدة إلى رفع مستويات المخاطر التي تواجه السفن التجارية وناقلات الطاقة. كما أسهم ذلك في زيادة تكاليف الشحن والتأمين، وأثار مخاوف متنامية بشأن استقرار سلاسل الإمداد العالمية. وبذلك لم يعد البحر الأحمر مجرد ممر حيوي للتجارة العالمية، بل أصبح أحد مؤشرات اضطراب النظام الدولي، وساحة تتجسد فيها بوضوح تداعيات إعادة تشكيل ميزان القوى في ظل التحولات الإقليمية المتسارعة.

انعكاسات المشهد على الأمن القومي المصري:

يمثل البحر الأحمر امتدادًا مباشرًا لا ينفصل عن منظومة الأمن القومي المصري، ليس فقط بوصفه مجالًا بحريًا حيويًا، وإنما لارتباطه العضوي بالأمن الاقتصادي، والعسكري، والاستراتيجي للدولة المصرية. فأي اختلال في توازنات القوة داخل هذا الفضاء، أو تصاعد في مستوى التهديدات الأمنية ينعكس بصورة فورية على المصالح المصرية، خاصة في ظل اعتماد مصر على استقرار البحر الأحمر لضمان سلامة حركة الملاحة وحماية عمقها البحري الجنوبي.

وتكتسب قناة السويس في هذا الإطار مكانة استثنائية باعتبارها خطًا أحمر استراتيجيًا لا يقبل المساومة أو التهديد، إذ تمثل أحد أهم شرايين التجارة العالمية وركيزة أساسية للاقتصاد المصري ولمكانة مصر الجيوسياسية الدولية. ومن ثم فإن أي محاولات لزعزعة أمن البحر الأحمر أو التأثير على مداخله ومخارجه، لا سيما في منطقة باب المندب، تُعد تهديدًا مباشرًا لأمن القناة ولدور مصر المحوري في النظام التجاري العالمي.

وفي المقابل يسهم التوسع في الوجود العسكري الأجنبي، وتعدد القواعد والموانئ ذات الاستخدام المزدوج، وبناء التحالفات الإقليمية المتنافسة في خلق بيئة استراتيجية قد تُستخدم للضغط على المصالح المصرية أو تقليص هامش حركتها الاستراتيجية. ويزداد هذا الخطر في ظل هشاشة الأوضاع السياسية والأمنية في بعض دول القرن الإفريقي، مما يجعل الإقليم ساحة مفتوحة لإعادة هندسة التوازنات الإقليمية.

وانطلاقًا من ذلك المشهد الإقليمي المتغير تتبنى مصر مقاربة استراتيجية متعددة المستويات، تقوم على تعزيز الشراكات الإقليمية، والانخراط الفاعل في ترتيبات أمن البحر الأحمر، وتفعيل الدبلوماسية الوقائية، إلى جانب دعم أدوات الحضور الأمني غير المباشر. وتُعد هذه المقاربة ضرورية للحفاظ على التوازن الإقليمي، ومنع فرض واقع استراتيجي جديد يهدد المصالح المصرية في البحر الأحمر، بما يجعل الحضور المصري الفاعل عنصرًا أساسيًا ليس فقط لحماية الأمن القومي، بل للإسهام في استقرار الإقليم ككل.

الخاتمة:

تكشف التحولات الجارية في القرن الإفريقي عن انتقال الإقليم من موقعه التقليدي بوصفه هامشًا مضطربًا في النظام الإقليمي، إلى مسرح رئيسي لإعادة تشكيل ميزان القوى في البحر الأحمر، في ظل تداخل غير مسبوق بين الصراعات المحلية والتنافس الإقليمي والدولي. فقد أسهمت هشاشة الدولة الوطنية، وتدويل الأمن البحري، وتصاعد عسكرة الممرات الحيوية، في تحويل القرن الإفريقي إلى عقدة استراتيجية تتقاطع عندها مصالح القوى الكبرى والإقليمية، بما جعل أمن البحر الأحمر رهينة لتوازنات قوة متغيرة وغير مستقرة.

إن البحر الأحمر لم يعد مجالًا للأمن التعاوني القائم على المصالح المشتركة، بل أصبح فضاءً للأمن التنافسي تحكمه حسابات الردع، والهيمنة، والسيطرة على نقاط الاختناق البحرية والموانئ الاستراتيجية. وفي هذا السياق أضحى القرن الإفريقي أحد المفاتيح الرئيسية لفهم ديناميات الصراع الإقليمي، ليس فقط من زاوية الجغرافيا، وإنما من حيث كونه أداة لإعادة هندسة النفوذ والتحكم في مسارات التجارة والطاقة العالمية.

وفيما يتعلق بالأمن القومي المصري، يتضح أن التطورات في القرن الإفريقي تمثل تحديًا استراتيجيًا مركبًا يمس بشكل مباشر أمن البحر الأحمر، وسلامة الملاحة في قناة السويس، ومجمل الدور الجيوسياسي لمصر في الإقليم. فاختلال ميزان القوى أو سيطرة قوى غير صديقة على سواحل وموانئ القرن الإفريقي يفرض واقعًا استراتيجيًا جديدًا، قد يُستخدم للضغط على المصالح المصرية وتقليص هامش حركتها الإقليمية، الأمر الذي يرفع من كلفة تجاهل هذا الإقليم أو الاكتفاء بسياسات رد الفعل.

وانطلاقًا من ذلك نخلص إلى أن الحفاظ على المصالح المصرية في البحر الأحمر استلزم انتقالًا واعيًا من منطق إدارة الأزمات إلى منطق التخطيط الاستراتيجي طويل الأمد، يقوم على الحضور الفاعل في دوائر القرن الإفريقي، وبناء شراكات إقليمية متوازنة، وتعزيز أدوات الدبلوماسية الوقائية، إلى جانب تطوير القدرات البحرية والأمنية المرتبطة بحماية الممرات الحيوية. كما تبرز الحاجة إلى رؤية مصرية شاملة لأمن البحر الأحمر، لا تنظر إليه كمساحة جغرافية منفصلة، بل كجزء لا يتجزأ من المجال الحيوي المصري.

وبذلك فإن مستقبل البحر الأحمر، واستقرار القرن الإفريقي، سيظلان عاملين حاسمين في تحديد ملامح الأمن الإقليمي، ومكانة القوى الفاعلة فيه. وفي هذا الإطار لا يُعد الحضور المصري خيارًا سياسيًا، بل ضرورة استراتيجية تفرضها معادلات الجغرافيا ومتغيرات القوة، وتستلزم تحركًا استباقيًا يضمن لمصر الحفاظ على دورها المحوري، وصون أمنها القومي، والمساهمة الفاعلة في صياغة نظام إقليمي أكثر توازنًا واستقرارًا.


رابط دائم: