حين تتحول الدولة إلى سابقة قانونية.. هل يخاف العالم من "عدوى أرض الصومال"؟
2-2-2026

عبدالله فارس القزاز
* باحث فى الشئون الإفريقية

في عالم يزداد تعقيدًا جيوسياسي وقانونيًا، تصبح أي خطوة دبلوماسية أحادية أكثر من مجرد فعل سياسي؛ فهي رسالة متعددة الأبعاد، تحمل في طياتها آثارًا على الاستقرار الإقليمي والشرعية الدولية. يمثل إعلان إسرائيل في 26 ديسمبر 2025 اعترافها بإقليم أرض الصومال كدولة مستقلة تحوّلًا نوعيًا في المعايير التقليدية للاعتراف الدولي، إذ يكسر الجمود الذي فرضه المجتمع الدولي على هذا الإقليم منذ إعلان انفصاله عن الصومال عام 1991. الاعتراف لا يمنح أرض الصومال شرعية كاملة فحسب، بل يفتح الباب أمام نقاش أوسع حول قيمة السوابق القانونية والدبلوماسية في إعادة تشكيل ميزان القوى الإقليمية، ويضع علامات استفهام كبيرة حول قدرة المؤسسات الدولية والإقليمية، مثل الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي، على الحفاظ على إجماعه حول وحدة الأراضي وسيادة الدول.

هذا التحرك الإسرائيلي ليس مجرد خطوة سياسية، بل انعكاس لأهمية جيواستراتيجية للإقليم، الذي يقع عند مدخل خليج عدن ومضيق باب المندب، ويشكل نقطة حيوية للملاحة والتجارة والطاقة العالمية. وفي الوقت نفسه، يسلط الاعتراف الضوء على تآكل تدريجي لمبدأ وحدة الدول في القانون الدولي، حيث تصبح المبادئ الأساسية مرهونة بالمصالح الاستراتيجية للدول الكبرى، مما يخلق مساحة رمادية تتيح تفسيرًا انتقائيًا للمعايير القانونية مثل معايير مونتفيديو لإنشاء الدولة. وفي ظل هذه التغيرات، يظهر السؤال المركزي: هل يمكن لتحولات محدودة مثل الاعتراف الإسرائيلي أن تُحدث عدوى سياسية وقانونية تشجع أقاليم أخرى على السعي للانفصال، وعلى رأسها إقليم تيجراي الإثيوبي، الذي يعاني من صراعات مسلحة طويلة الأمد ونقص في الاستقرار المؤسساتي؟

أولًا- الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال وتحويلها إلى سابقة (سياسية – قانونية):

أعلنت إسرائيل في 26 ديسمبر 2025 اعترافها الرسمي بإقليم أرض الصومال كدولة مستقلة وذات سيادة، لتصبح بذلك أول دولة عضو في الأمم المتحدة تقوم بخطوة الاعتراف المباشر بهذا الإقليم الانفصالي، الذي أعلن انفصاله عن الصومال عام 1991، بعد أكثر من ثلاثة عقود من الجمود الدبلوماسي وغياب أي اعتراف دولي رسمي. ولم يكن هذا الإعلان مجرد إشارة رمزية، بل جاء ضمن إعلان مشترك بين رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ورئيس إقليم أرض الصومال عبد الرحمن محمد عبد الله، حيث ركّز الطرفان على تعزيز أطر التعاون السياسي، والاقتصادي، والأمني، بما يشير إلى أن الاعتراف يمثل بداية لتحويل الإقليم الانفصالي إلى لاعب مؤثر في المنطقة.

يمثل الاعتراف الإسرائيلي اختراقًا رمزيًا للشرعية الدولية لأرض الصومال، ويمنح الإقليم قيمة استراتيجية على المستوى الجيوسياسي. فموقعه عند مدخل خليج عدن مقابل جنوب اليمن يمنحه أهمية كبرى في مراقبة الملاحة الدولية والسيطرة على ممرات الطاقة والتجارة العالمية، وهو ما يجعل الاعتراف الإسرائيلي خطوة تتجاوز البُعد السياسي لتصبح أداة استراتيجية تعزز مصالح إسرائيل في المنطقة. وفي الوقت نفسه يعكس هذا الاعتراف قدرة إسرائيل على استثمار حالة الجمود الدولي لخلق نفوذ مباشر في القرن الإفريقي، مما يزيد من تعقيد المشهد الإقليمي ويطرح تساؤلات حول دور الدول الأخرى في هذا الملف.

تاريخيًا يعود انفصال أرض الصومال إلى اختلافات عميقة بين شمال الصومال، الذي كان تحت الاستعمار البريطاني، والجنوب الإيطالي، مما أوجد فجوات سياسية، واجتماعية، واقتصادية كبيرة. وبعد سقوط نظام محمد سياد بري عام 1991، أعلن شمال الصومال انفصاله في خطوة لحماية السكان واستعادة السيطرة على أراضيهم، لكن غياب الاعتراف الدولي شكل عائقًا أمام تعزيز دوره على الساحة الدولية. ومن هنا يشكل الاعتراف الإسرائيلي مدخلًا أوليًا يمنح الإقليم شرعية جزئية تؤهله للانخراط في علاقات دبلوماسية وتجارية مباشرة.

على الصعيد الداخلي يعزز هذا الاعتراف موقف قادة أرض الصومال في هرجيسا ويقوي سلطتهم السياسية، كما يتيح لهم استثمار هذه الخطوة لتعزيز موقفهم التفاوضي أمام الحكومة الفيدرالية الصومالية والأطراف الإقليمية والدولية. بالإضافة إلى ذلك يمثل الاعتراف فرصة لتطوير مشروعات اقتصادية وعلاقات دبلوماسية جديدة، خاصة في مجالات الزراعة، والتجارة، والتكنولوجيا، مما يربط البعد السياسي بالبعد الاقتصادي للاستقلال الفعلي للإقليم.

ويكشف الموقف الأمريكي والأوروبي المتحفظ حدود القدرة الإسرائيلية على فرض مسار جديد للاعترافات الدولية. فهذا التحفظ لا يعكس فقط اختلافًا في التقدير السياسي، بل يظهر حرصًا على عدم تفكيك الإطار القانوني الذي يحكم النزاعات الانفصالية. ومع ذلك فإن التباين بين الاعتراف والرفض يشير إلى تصدع وحدة الموقف الدولي، حيث لم يعد الرفض مطلقًا، ولم يعد الاعتراف مستحيلًا، مما يخلق منطقة رمادية تزيد من تعقيد إدارة الأزمات الانفصالية مستقبلًا.

يمكن القول إن ما نشهده ليس انهيارًا كاملًا لمبدأ وحدة الدول، بل تآكلًا تدريجيًا له عبر استثناءات مدفوعة بالمصالح، تظهر كل مرة بشكل محدد، لكنها في مجموعها تضعف القاعدة العامة. وفي حالة أرض الصومال تزداد خطورة هذه السابقة بسبب هشاشة الأمن الإقليمي والتنافس الدولي المحتدم، مما يجعل أي كسر للإجماع الدولي عاملًا مضاعفًا لعدم الاستقرار.

ومن الناحية القانونية والدبلوماسية، يطرح الاعتراف الإسرائيلي تحديات حقيقية، إذ يشكل سابقة قد تؤثر على مبدأ سلامة الأراضي المعترف بها دوليًا، ويضع المجتمع الدولي أمام تساؤلات حول كيفية التعامل مع الانفصالات المماثلة. وفي هذا السياق أعربت الحكومة الفيدرالية للصومال، والاتحاد الإفريقي، وعدد من الدول العربية عن رفضها لهذه الخطوة، معتبرين أنها تمس وحدة الأراضي وتزيد المخاطر الأمنية في المنطقة. بينما يظهر تحفّظ الإدارة الأمريكية بقيادة دونالد ترامب أن الاعتراف الإسرائيلي لن يتحول فورًا إلى موجة اعترافات دولية واسعة، مما يعكس التعقيد الدولي الذي يكتنف القرار.

ويؤكد الاعتراف الإسرائيلي قدرة دولة واحدة على تغيير قواعد اللعبة الدبلوماسية في منطقة حساسة، مشيرًا إلى أهمية الموقع الجيوسياسي لإقليم أرض الصومال، لكنه يوضح في الوقت نفسه محدودية القوة الدبلوماسية الفردية أمام التحالفات الإقليمية والدولية التي تحمي مبادئ وحدة الأراضي. ومن هنا قد يفتح الاعتراف مرحلة جديدة من التفاعلات الدولية والإقليمية، حيث سيكون لكل خطوة لاحقة أثر مباشر على ديناميكيات الأمن والسياسة في القرن الإفريقي، ويحوّل الإقليم الانفصالي إلى لاعب جديد في حسابات القوى الكبرى الاقتصادية، والعسكرية، والسياسية.

بالتالي يشكل الاعتراف الإسرائيلي تحولًا دبلوماسيًا واستراتيجيًا مهمًا، يجمع بين البُعد السياسي، والاقتصادي، والأمني، ويضع الإقليم أمام تحديات إقليمية ودولية حقيقية. فهو يمنحه شرعية أولية ويعزز موقعه التفاوضي، لكنه في الوقت نفسه يزيد من حدة التوتر بين مقديشو وهرجيسا، ويعقد دور القوى الإقليمية والدولية في موازنة مصالحها في القرن الإفريقي، مما يجعل الاعتراف نقطة محورية لفهم الديناميكيات المستقبلية للإقليم، خاصة في ضوء التنافس الدولي على موانئ البحر الأحمر ومضيق باب المندب والتفاعلات المحتملة مع نزاعات إقليمية أخرى.

ثانيًا- تآكل مبدأ وحدة الدول وكسر الإجماع الدولي:

يمثل الاعتراف الإسرائيلي بإقليم أرض الصومال خروجًا صريحًا على أحد المبادئ المؤسسة للنظام الدولي الحديث، وهو مبدأ سلامة الأراضي ووحدة الدول ذات السيادة، كما نصت المادة الثانية، الفقرة الرابعة من ميثاق الأمم المتحدة، التي تلزم الدول بالامتناع عن أي تصرف يمس السلامة الإقليمية أو الاستقلال السياسي للدول الأخرى. ورغم أن الاعتراف الدبلوماسي لا يُعد بحد ذاته استخدامًا للقوة، إلا أن الفقه القانوني الدولي يعتبره تصرفًا سياسيًا يحمل آثارًا قانونية غير مباشرة، خاصة عندما يتعلق بكيان انفصالي لا يحظى بموافقة الدولة الأم ولا بإجماع دولي.

من منظور القانون الدولي، لا يُعدّ الاعتراف شرطًا أساسيًا لقيام الدولة، لكنه يمثل عنصرًا حاسمًا في اندماجها داخل النظام الدولي. ووفقًا لاتفاقية مونتفيديو لعام 1933، يتطلب قيام الدولة توافر أربعة عناصر: إقليم محدد، سكان دائمون، حكومة فعالة، وقدرة على الدخول في علاقات مع الدول الأخرى. ورغم أن أرض الصومال تتوافر فيها هذه الشروط جزئيًا، ظل المجتمع الدولي يرفض الاعتراف بها احترامًا لمبدأ وحدة الصومال، مما يعكس أولوية الاعتبارات السياسية والقانونية الجماعية على التقييم الشكلي لعناصر الدولة. ويكسر الاعتراف الإسرائيلي هذا المنطق، إذ يفتح الباب أمام تفسير انتقائي لمعايير مونتفيديو، بما يخضعها لحسابات المصالح وليس للمعايير الموضوعية.

تاريخيًا عززت إفريقيا هذا المبدأ من خلال قرار منظمة الوحدة الإفريقية عام 1964، بشأن احترام الحدود الموروثة عن الاستعمار (Uti Possidetis Juris)، وهو قرار تحوّل لاحقًا إلى قاعدة عرفية إقليمية تهدف إلى منع تفكك الدول الجديدة بعد الاستقلال. وقد تبنّى الاتحاد الإفريقي هذا المبدأ صراحة في المادة الرابعة من قانونه التأسيسي، التي تنص على احترام الحدود القائمة ومنع التغييرات غير الدستورية. ومن هذا المنطلق لا يُنظر إلى رفض الاتحاد الإفريقي للاعتراف بأرض الصومال كموقف سياسي ظرفي، بل كدفاع مؤسسي عن قاعدة قانونية تُعد ركيزة للاستقرار القاري.

تكمن خطورة الاعتراف الإسرائيلي في أنه يضعف هذه القواعد عبر خلق سابقة استثنائية، إذ يظهر أن دولة عضوًا في الأمم المتحدة يمكنها تجاهل الإجماع الإقليمي والمؤسسي دون أن تتحمل كلفة قانونية مباشرة. هذا السلوك يعزز فكرة أن قواعد وحدة الأراضي ليست ملزمة بذاتها، بل مرهونة بميزان المصالح، ومع تكرار هذه الاستثناءات يتحول المبدأ من قاعدة حاكمة إلى مجرد توصية سياسية، مما يفتح المجال أمام إعادة تدوير النزاعات الانفصالية تحت غطاء "الشرعية الجزئية".

كما يتعارض الاعتراف مع ما استقر عليه القضاء الدولي، خاصة في آراء محكمة العدل الدولية، التي أكدت في قضايا متعددة –مثل قضية كوسوفو (2010)– أن إعلان الاستقلال لا يمنح تلقائيًا شرعية الدولة أو أحقية الاعتراف بها، وأن تقييم الاعتراف يظل خاضعًا لاعتبارات احترام وحدة الدول والسلم الدولي. ورغم أن المحكمة لم تُحرّم الاعتراف صراحة، إلا أنها لم تمنحه صفة الإلزام أو المشروعية العامة، مما يعني أن أي اعتراف أحادي يظل محل نزاع قانوني وأخلاقي داخل النظام الدولي.

في هذا الإطار يعكس التحفظ الأمريكي والأوروبي التزامًا عمليًا، ولو غير معلن، بهذه القواعد. فالدعوة إلى الحوار بين مقديشو وهرجيسا تتسق مع مبدأ حل النزاعات بالوسائل السلمية المنصوص عليه في المادة 33 من ميثاق الأمم المتحدة، وتؤكد أن المسار التفاوضي الداخلي يظل الإطار الشرعي الوحيد لمعالجة القضايا الانفصالية. ومع ذلك فإن التباين بين هذا الموقف والاعتراف الإسرائيلي يكشف عن تصدّع متزايد في وحدة المعايير الدولية، حيث بات الالتزام بالقانون الدولي انتقائيًا ومشروطًا بالاعتبارات الاستراتيجية.

ولا يعني هذا أن النظام الدولي يشهد انهيارًا فوريًا لمبدأ وحدة الدول، بل يمر بمرحلة إضعاف تراكمي تتحول فيها القواعد القانونية إلى أدوات مرنة تُستخدم أو تُهمَل وفق السياق. وفي مناطق هشة مثل القرن الإفريقي، يكتسب هذا التآكل أهمية بالغة، لأنه يبعث برسالة ضمنية مفادها أن الصبر المؤسسي وبناء الأمر الواقع قد يحلان محل التسوية القانونية الشاملة.

في المحصلة يُظهر الاعتراف الإسرائيلي كيف يمكن لخطوة أحادية أن تُربك توازنًا قانونيًا دوليًا استمر لعقود، وتقوّض الإجماع حول وحدة الدول دون إسقاطه رسميًا. وهو ما يجعل هذا الاعتراف ليس مجرد حدث دبلوماسي، بل مؤشرًا على تحوّل أعمق في تطبيق القانون الدولي، حيث تتقدم البراجماتية السياسية على القواعد الجامعة، بما ينذر بإعادة تشكيل طريقة تعامل المجتمع الدولي مع النزاعات الانفصالية مستقبلًا. وفي هذا السياق لا يقتصر تآكل مبدأ وحدة الدول على آثاره القانونية والدبلوماسية المباشرة، بل يمتد ليشمل البعد الرمزي، الذي قد تعيد الحركات الانفصالية توظيفه في خطابها السياسي. ومن هنا يبرز الخوف من أن تتحول السوابق المحدودة، مثل الاعتراف بأرض الصومال، إلى محفّز لإحياء مطالب انفصالية أخرى داخل القارة الإفريقية، بما يفتح التساؤل حول قابلية انتقال هذه "العدوى" إلى أقاليم مأزومة مثل تيجراي.

ثالثًا- الخوف من "عدوى الانفصال".. هل يشجّع أقاليم مثل تيجراي؟

أثار الاعتراف الإسرائيلي بإقليم أرض الصومال نقاشًا متجددًا حول احتمال تحوّل بعض التجارب الانفصالية إلى سوابق سياسية يُعاد استدعاؤها في سياقات أخرى داخل القارة الإفريقية، وعلى رأسها إقليم تيجراي الإثيوبي. ولا ينبع هذا القلق من تشابه قانوني مباشر بين الحالتين، بل من الأثر الرمزي الذي قد تُحدثه الاعترافات الجزئية في إعادة إحياء خطاب الانفصال داخل أقاليم تواجه أزمات سياسية وأمنية ممتدة. وفي هذا السياق يصبح الاعتراف أداة سياسية أكثر منها قاعدة قانونية، تُوظف لتغذية السرديات المحلية التي تحاول إقناع الداخل بأن الاستقلال خيار قابل للتحقق، حتى مع رفضه الدولي.

غير أن تحليل هذه الفرضية يستلزم وضع حالة تيجراي ضمن مسارها الزمني الفعلي منذ اندلاع النزاع المسلح عام 2020، وربطها بالبنية السياسية والأمنية التي تشكّلت لاحقًا، بدل الاكتفاء بالمقارنة الشكلية مع تجارب انفصالية أخرى. فقد بدأت أزمة تيجراي في نوفمبر 2020 مع اندلاع الحرب بين الحكومة الفيدرالية الإثيوبية وجبهة تحرير شعب تيجراي، وهي حرب اتّسمت بعنف واسع وتدويل غير مباشر للصراع، وأسفرت عن انهيار عميق للنسيج المؤسسي للإقليم. هذا العنف لم يؤدِ فقط إلى خسائر بشرية وإنسانية جسيمة، بل أضعف أي إمكانية لبلورة مشروع سياسي جامع داخل الإقليم، إذ تحوّل الصراع إلى مسألة بقاء عسكري أكثر منها صراعًا حول ترتيبات الحكم.

ورغم توقيع اتفاق وقف إطلاق النار في نوفمبر 2022، فإن الاتفاق عكس رغبة في احتواء الكلفة الأمنية للحرب أكثر من كونه تعبيرًا عن استعداد حقيقي لتسوية سياسية شاملة. ومن ثم فإن غياب تسوية سياسية متكاملة ترك تيجراي بعد الحرب بلا رؤية مؤسسية واضحة، وهو عامل جوهري يضعف أي ادعاء مستقبلي بالانفصال المنظم. وخلال الفترة بين 2023 و2024، دخل الإقليم مرحلة من "الاستقرار السلبي"، حيث تراجعت العمليات العسكرية الواسعة دون أن يُستبدل بها بناء سياسي فعلي. هذا الفراغ أسهم في تفكك مراكز القرار وارتفاع التنافس بين الفصائل المسلحة والنخب المحلية على الموارد والنفوذ، مما حول الصراع من مواجهة مركزية مع الدولة إلى صراع داخلي متعدد الأقطاب، وهو نمط يُعد من أكثر البيئات طردًا لفكرة إقامة كيان مستقل قابل للحياة.

غياب سلطة موحدة وشرعية داخلية مستقرة يجعل أي مشروع انفصالي، حتى على المستوى الخطابي، فاقدًا للأساس البنيوي الذي يتطلبه الاعتراف الدولي. ومع تجدد الاشتباكات خلال 2024 و2025، خاصة في غرب تيجراي، تعمّق الطابع المركّب للنزاع، إذ أصبح الصراع متداخلًا بين أبعاد سياسية، وإثنية، وإقليمية، مما رفع كلفته وأعاد تعريفه من أزمة داخلية قابلة للاحتواء إلى بؤرة عدم استقرار إقليمي محتملة. وأي إقليم يسعى إلى الانفصال يحتاج إلى تقديم نفسه كعامل استقرار لا كمصدر تهديد، وهو شرط لم تتمكن تيجراي من تحقيقه في ظل هذا الواقع.

كما أن التدهور الاقتصادي والإنساني المصاحب لهذه المرحلة أضعف قدرة الإقليم على إقناع أي فاعل دولي بأن الانفصال حل للأزمة، بدل أن يكون مدخلًا لتفاقمها. في هذا السياق تبدو المقارنة مع أرض الصومال محدودة الصلاحية، إذ إن نجاح أرض الصومال لم يكن نتيجة إعلان الانفصال بحد ذاته، بل مسار طويل من بناء المؤسسات والاستقرار الأمني الداخلي في غياب نزاع مسلح نشط. وقد جاء الاعتراف الإسرائيلي ليكافئ هذا المسار، ولو بشكل رمزي، ضمن حسابات جيوسياسية تتجاوز الاعتبارات القانونية الصرفة، في حين أن استمرار الصراع وتعدد الفاعلين المسلحين في تيجراي يحول دون تكرار هذا النموذج.

يمكن القول إن المجتمع الدولي يتسامح أحيانًا مع "الأمر الواقع" المستقر، لكنه نادرًا ما يكافئ حالات الانفصال الناتجة عن نزاعات مفتوحة وغير محسومة. ومع اقتراب الانتخابات الوطنية الإثيوبية المقررة في 2026، يزداد تمسّك الحكومة الفيدرالية، بدعم دولي واضح، بمبدأ سلامة الأراضي كخط أحمر لا يمكن تجاوزه، ليس فقط للحفاظ على وحدة الدولة، بل لتجنب أن يؤدي أي تساهل إلى مطالب انفصالية أخرى داخل إثيوبيا وخارجها.

في هذا الإطار يظهر الخوف من "عدوى الانفصال" كهاجس وقائي أكثر منه تقييمًا واقعيًا لاحتمالات الانفصال. فالمعطيات السياسية والأمنية تشير إلى أن الاعتراف بأرض الصومال، رغم دلالاته الرمزية، لا يوفر نموذجًا عمليًا يمكن نقله إلى حالة تيجراي في المدى المنظور، إذ يظل الانفصال خيارًا ضعيف الجدوى سياسيًا، مكلفًا أمنيًا، ومرفوضًا قانونيًا على المستوى الدولي.

مع دخول عام 2026، تصاعدت التوترات في تيجراي بشكل ملموس، مع اندلاع اشتباكات مباشرة بين الجيش الإثيوبي وقوات الإقليم في المناطق الغربية المتنازع عليها، مما أدى إلى تعليق الرحلات الجوية، والخدمات المصرفية، والاتصالات، وهو مؤشر مباشر على انهيار أي استقرار نسبي تحقق منذ اتفاق وقف إطلاق النار عام 2022. مشاركة ميليشيات أمهرة والتدخلات الإقليمية، لا سيما من إريتريا، زادت من تعقيد النزاع وأعادت تصنيفه من أزمة محلية هشّة إلى تهديد أمني إقليمي محتمل.

تؤكد هذه التطورات أن الانفصال لم يعد خيارًا قائمًا على مؤسسات مستقرة أو توافق داخلي، بل مرتبط مباشرة بخطر التصعيد المستمر، فيما يعكس تعليق الخدمات الأساسية هشاشة قدرة الإقليم على إدارة شئونه داخليًا، وهو شرط ضروري لأي اعتراف دولي محتمل. وفي ظل اقتراب الانتخابات الوطنية الإثيوبية، يظل المجتمع الدولي متمسكًا بمبدأ سلامة الأراضي لتجنب "عدوى الانفصال"، مما يجعل أي نقاش حول الانفصال في تيجراي أقرب إلى الرمز السياسي منه إلى خيار عملي قابل للتحقق، مع فرص محدودة جدًا للاعتراف الدولي، رغم أي تأثير رمزي للاعتراف بأرض الصومال.

ختامًا:

 إن الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال يمثل نقطة فاصلة في تاريخ الانفصالات الإقليمية في إفريقيا، إذ يظهر كيف يمكن لدولة واحدة أن تضعف الإجماع الدولي حول وحدة الدول وتخلق سابقة يمكن أن تُستثمر سياسيًا وقانونيًا في مناطق أخرى. هذه السابقة تكشف هشاشة النظام الدولي أمام التحديات الاستراتيجية للسياسة الأحادية، وتوضح أن البراجماتية السياسية باتت في بعض الحالات أقوى من القواعد القانونية الجامعية، خاصة عندما يتعلق الأمر بالنزاعات الانفصالية في مناطق حساسة مثل القرن الإفريقي.

لكن على الرغم من الأثر الرمزي الكبير لهذه الخطوة، يظل الانفصال خيارًا محدود الجدوى سياسيًا، وأمنيًا، وقانونيًا في مناطق مثل تيجراي، التي تعاني من تفكك مؤسساتي، وصراعات متعددة الأقطاب، وأزمات إنسانية مستمرة. فغياب سلطة مركزية مستقرة ورؤية سياسية متكاملة يجعل أي مشروع انفصالي، حتى على المستوى الخطابي، فاقدًا للأساس البنيوي الذي يتطلبه الاعتراف الدولي. وفي هذا السياق، يظهر أن المجتمع الدولي ما يزال متمسكًا بمبدأ سلامة الأراضي كخط أحمر، معتبرا أن أي تجاوز له يحمل أبعادًا رمزية وسياسية أكثر من كونه نموذجًا عمليًا للتكرار.

من هذا المنطلق يمكن النظر إلى الاعتراف الإسرائيلي ليس فقط كخطوة دبلوماسية منفردة، بل كمؤشر على تآكل تدريجي للمعايير القانونية الدولية، وتحول السياسة البراجماتية إلى العامل الحاسم في رسم ملامح النزاعات الانفصالية، وإعادة تعريف التوازنات الإقليمية والدولية. ويظل التحدي الأكبر للمجتمع الدولي هو إيجاد توازن بين الاعتراف بالواقع السياسي المستقر والحفاظ على قواعد وحدة الدول، بما يمنع تحوّل أي سابقة محدودة إلى عدوى مفتوحة تهدد استقرار القارة وسلامتها القانونية في المستقبل. ويبقى التساؤل إلى أي مدى يمكن أن يتحول الاعتراف الأحادي بدول غير معترف بها دوليًا من استثناء براجماتي تحكمه المصالح الجيوسياسية، إلى نمط متكرر يعيد تشكيل قواعد الاعتراف الدولي دون تفكيك صريح لمبدأ وحدة الدول؟

المصادر:

1- أ.د. حمدي عبدالرحمن حسن، "دلالات اعتراف إسرائيل بصوماليلاند "، مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، 27 ديسمبر 2025.  https://2u.pw/7lOULu

2- منة صلاح، "الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال: تحول دبلوماسي ومخاطر أمنية إقليمية"، مركز شاف لتحليل الأزمات والدراسات المستقبلية، 28 ديسمبر 2025. https://2u.pw/j3Ajdc

3- د. أسماء حجازي، الصراع في إقليم تيجراي بين الماضي والحاضر ووساطة لحل النزاع، المركز الديمقراطي العربي، 15 أكتوبر 2022. https://2u.pw/6vBnjS

4- شيماء البكش، "الولاية السادسة: مستقبل الفيدرالية الصومالية بعد تأسيس ولاية شمال الشرق"، المركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية"، 5 أكتوبر 2025. https://2u.pw/vw943

5- محمود السقا، "لماذا اعترفت إسرائيل بأرض الصومال؟ "، مجلة قراءة إفريقية، 30 ديسمبر 2025. https://2u.pw/eLSYe

6- نهي أحمد، "دلالات الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال وتداعياته على الأمن القومي المصري"، مركز مسارات للدراسات الاستراتيجية، 28 ديسمبر 2025. https://2u.pw/1xe7I

7- لملوم، تأزُّم سياسي في إقليم التيجراي: فهل باتت المنطقة على شفا حرب جديدة؟،مركز شاف للدراسات المستقبلية وتحليل الأزمات والصراعات، 19 مارس 2025.

https://2u.pw/tR29e

8- شيرين حمدي، "اعتراف إسرائيل بأرض الصومال: تحوّل جيوسياسي يتجاوز القرن الإفريقي"، معهد السياسة والمجتمع، 29 ديسمبر 2025. https://2u.pw/8h0Zbf

9- حسين محمود التلاوي، "الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال: بين حقائق التاريخ، والجغرافيا، وأمن مصر القومي"، مركز الدراسات الاستراتيجية وتنمية القيم، 3يناير 2026.

https://2u.pw/HWSVw

10- مخاطر التمدد: حرب التيجراي الثانية.. ومأزق الوساطة غير المقبولة , مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة، 16 سبتمبر 2022. https://2u.pw/ZJ2Wi

11- الصراع الإثيوبي في إقليم تيجراي والمواقف الدولية والإقليمية، المركز الدولي للدراسات الاستراتيجية، 11 أكتوبر 2022. https://2u.pw/PRKwL

12- عبدالله فارس القزاز، أرض الصومال والأمن القومي المصري: أبعاد غير معلنة في البحر الأحمر، مركز الدراسات الاستراتيجية وتنمية القيم، 11 يناير 2026. https://2u.pw/zzfJS


رابط دائم: