منطق التدويل.. كيف ترى إسرائيل "مجلس السلام" كتهديد استراتيجي؟
2-2-2026

وداد العربي
* باحثة في الشأن الإسرائيلي

في التجربة الإسرائيلية لا يُقاس الخطر فقط بعدد الصواريخ أو حجم الدمار، بل بطبيعة اللحظة السياسية التي تتشكّل في أعقاب القتال. فبينما اعتادت إسرائيل تاريخيًا العمل في فضاء يسمح لها بإدارة الصراع بدل حله، يبدو أن مرحلة ما بعد حرب غزة الأخيرة تفرض معادلة مختلفة.

ظهور "مجلس السلام" كمظلّة دولية جديدة، بمبادرة أمريكية مباشرة، لا يعكس فقط رغبة في تثبيت وقف إطلاق النار أو تنظيم إعادة الإعمار، بل يشير إلى انتقال تدريجي نحو تدويل آليات اتخاذ القرار المتعلقة بالصراع نفسه. هذا التحول يضع إسرائيل أمام معضلة بنيوية: كيف تحافظ على تفوقها الأمني وحرية حركتها، في ظل أطر متعددة الأطراف تُقيّد قدرتها على الانفراد بالقرار؟

من هنا لا يمكن قراءة انضمام إسرائيل إلى المجلس كخطوة تكتيكية عابرة، بل كجزء من سياق أوسع يعكس تآكل نموذج "إدارة الصراع" الذي شكّل حجر الأساس في العقيدة السياسية–الأمنية الإسرائيلية منذ مطلع الألفية.

لماذا قبلت إسرائيل الانضمام إلى "مجلس السلام"؟

من منظور صانع القرار الإسرائيلي، يُعد مجلس السلام إطارا أقل عدائية مقارنة بمؤسسات الأمم المتحدة، التي يُنظر إليها داخل الخطاب السياسي والإعلامي الإسرائيلي كمنصات ذات تحيّز بنيوي ضد إسرائيل. أشارت تقارير صادرة عن معهد دراسات الأمن القومي(INSS) إلى أن أي آلية تُدار تحت رعاية أمريكية مباشرة تُعد، افتراضيا، أكثر قابلية للاحتواء وأقل خطرا من المسارات الأممية التقليدية.

   وفي السياق الغزّي، رأت إسرائيل في المشاركة فرصة للتأثير – ولو جزئيا – على تصميم ترتيبات ما بعد الحرب، خاصة ما يتعلق بآليات الأمن، ونطاق عمل القوة الدولية المقترحة، وشكل الإدارة المدنية. الهدف الأساسي هنا لم يكن فرض رؤية إسرائيلية كاملة، بل منع تشكّل ترتيبات تُفرض عليها من الخارج دون أي موطئ قدم داخلها.

لكن هذا الانضمام لم يكن تعبيرًا عن ثقة، بقدر ما كان انعكاسا لإدراك إسرائيلي بحدود الخيارات المتاحة. فرفض المشاركة كان سيُفسَّر دوليًا كتعطيل متعمّد لمسار الاستقرار، مما قد يفتح الباب أمام ضغوط سياسية واقتصادية متزايدة. وبذلك، دخلت إسرائيل المجلس وهي تدرك أن مكاسبها المحتملة دفاعية الطابع، تهدف إلى تقليص الخسائر، لا إلى تحقيق اختراق استراتيجي.

إسرائيل.. مجلس السلام كبديل مشوَّه للأمم المتحدة:

أحد الأبعاد الأقل تداولًا في النقاش العلني داخل إسرائيل يتمثل في البُعد المؤسسي للمجلس. فبحسب ما طرحه المستشرق الإسرائيلي إيلي بوديه -عضو مجلس إدارة معهد ميتفيم- المعهد الإسرائيلي للسياسات الخارجية الإقليمية- في مقاله في صحيفة The Jerusalem Post، بتاريخ 28 يناير 2026، فمجلس السلام لا يشكّل بديلا كاملا للأمم المتحدة، بل إطارا موازيا يُضاف إلى المشهد الدولي دون أن يُلغي الأطر القائمة.

هذه الازدواجية تخلق مشكلة مركّبة لإسرائيل. فمن جهة، تسعى تل أبيب منذ سنوات إلى تقليص الاعتماد على المؤسسات الأممية. ومن جهة أخرى، تجد نفسها الآن أمام آلية جديدة قد تتحول، بمرور الوقت، إلى مرجعية سياسية وأمنية تُراكم شرعية دولية مستقلة.

أكد إيلي بوديه على أن الخطر هنا لا يكمن في قرارات فورية، بل في التحوّل التدريجي نحو ترسيخ المجلس كمنصة لتطبيع فكرة التدخل الدولي في إدارة النزاعات، بما فيها النزاع الإسرائيلي–الفلسطيني. وهو ما يتعارض جوهريا مع الاستراتيجية الإسرائيلية القائمة على تفضيل القنوات الثنائية، خاصة مع واشنطن، وتجنّب الأطر الجماعية التي يصعب التحكم في مخرجاتها.

تركيبة المجلس.. مصدر القلق الحقيقي:

تُعد تركيبة مجلس السلام أحد أبرز مصادر القلق داخل الدوائر السياسية والأمنية الإسرائيلية. فإلى جانب دول تُعتبر شريكة أو مقبولة نسبيًا، يضم المجلس دولا تُصنّف في الخطاب الإسرائيلي كـ"إشكالية" في بعض الملفات الحساسة.

هذا التكوين يثير مخاوف حقيقية من احتمال عزل إسرائيل داخل المجلس في لحظات اتخاذ القرار، خاصة فيما يتعلق بقضايا، مثل حرية العمل العسكري، وجدول الانسحابات، وآليات نزع السلاح. وتشير تحليلات في صحيفة "هآرتس" إلى أن المشكلة لا تكمن فقط في مواقف هذه الدول، بل في قدرتها على تشكيل كتل تصويتية مؤثرة داخل إطار متعدد الأطراف.

ويزداد القلق حين يظهر تباين –ولو محدود– بين الموقفين الإسرائيلي والأمريكي. ففي مثل هذه الحالات، تخشى تل أبيب أن تميل واشنطن إلى حلول وسط تأخذ في الاعتبار مصالح إقليمية أوسع، حتى وإن تعارضت مع المقاربة الأمنية الإسرائيلية الصارمة.

كما أن غياب دول أوروبية مركزية، مثل ألمانيا، وبريطانيا، وإيطاليا يفاقم هذا الشعور بالعزلة المحتملة، إذ كان من الممكن لهذه الدول أن تشكّل كتلة موازِنة داخل المجلس.

منطق التدويل مقابل عقيدة "إدارة الصراع":

هنا تتضح الفجوة البنيوية بين الرؤية الإسرائيلية وطبيعة مجلس السلام. فمنذ سنوات، تبنّت إسرائيل مقاربة تقوم على إدارة الصراع بدل حله، انطلاقًا من افتراض أن الحلول النهائية مكلفة سياسيًا وأمنيًا. هذه المقاربة سمحت لها بالحفاظ على قدر كبير من حرية الحركة، وتقليل الاحتكاك الدبلوماسي.

لكن مجلس السلام، بطبيعته، يعمل وفق منطق معاكس: نقل إدارة الصراع إلى أطر دولية، وربطه بمسارات زمنية واضحة، وآليات رقابة متعددة الأطراف.

وبحسب باحثين في جامعة رايخمان (مركز هرتسيليا)، فإن هذا التحول يُضعف أحد أهم مصادر القوة الإسرائيلية: القدرة على التحكم بإيقاع الأحداث.

بعبارة أخرى المشكلة ليست في قرارات محددة، بل في المنهج نفسه، الذي يحدّ من مرونة إسرائيل ويجعلها طرفًا خاضعًا لقواعد لعبة دولية متغيرة.

المرحلة الثانية.. التحدي غير المسبوق لإسرائيل:

يمثل الانتقال إلى المرحلة الثانية من مخطط ترامب ذروة هذا التحدي. فالانتقال من وقف إطلاق النار إلى نزع السلاح، وإقامة إدارة تكنوقراطية فلسطينية، ونشر قوة استقرار دولية تحت مظلة مجلس السلام، يعني عمليًا نقل مركز الثقل من الميدان إلى السياسة الدولية.

وفق تقارير "يديعوت أحرونوت"، تحاول إسرائيل إبطاء هذا المسار عبر شروط تتعلق بآليات الرقابة، والتشكيك في جاهزية الواقع الأمني. لكن هذه المحاولات تعكس إدراكًا عميقًا بأن المرحلة الثانية تمثل كسرًا لنموذج السيطرة الميدانية المباشرة.

في المقابل يرى الفلسطينيون في هذه المرحلة فرصة لإنهاء الحرب وبدء إعادة الإعمار، وإن كانوا يتخوفون بدورهم من تحوّل المجلس إلى وصاية دولية دائمة. هذا التباين في التوقعات يزيد من تعقيد المشهد، ويجعل مجلس السلام ساحة صراع سياسي بحد ذاته، لا مجرد أداة لإدارة ما بعد الحرب.

ارتدادات مجلس السلام على الداخل الإسرائيلي(الجيش – الحكومة – الرأي العام):

لا تقتصر تداعيات انضمام إسرائيل إلى "مجلس السلام" على الساحة الخارجية، بل تمتد بوضوح إلى الداخل الإسرائيلي، حيث يفتح المجلس شروخًا جديدة داخل منظومة صنع القرار، ويعيد ترتيب التوازنات بين المؤسسة العسكرية، والقيادة السياسية، والرأي العام.

الجيش الإسرائيلي:

داخل الجيش الإسرائيلي يسود قلق متزايد من أن تؤدي آليات الرقابة الدولية المرتبطة بالمجلس، خاصة في المرحلة الثانية من مخطط ترامب، إلى تقييد حرية العمل العملياتي، وتحويل قرارات ميدانية حساسة إلى موضوع نقاش سياسي–دبلوماسي.

تشير تقارير وتحليلات صادرة عن باحثين مقربين من معهد دراسات الأمن القومي(INSS)  إلى أن الجيش يخشى فقدان قدرته على المبادرة، والانتقال من منطق "الضربة الاستباقية" إلى منطق "الدفاع المبرر أمام المجتمع الدولي".

الحكومة الإسرائيلية:

أما على المستوى الحكومي، فيكشف المجلس عن تصدعات داخل الائتلاف نفسه. فبينما ترى بعض الأطراف في الانضمام ضرورة لتجنب صدام مع واشنطن والحفاظ على الغطاء الأمريكي، تنظر أطراف أخرى –خاصة في اليمين القومي والديني– إلى المجلس كمدخل خطير لتآكل السيادة وفرض وقائع سياسية لا يمكن عكسها.

هذا التباين يحدّ من قدرة الحكومة على بلورة خطاب موحّد، ويجعل إدارة العلاقة مع المجلس عبئا سياسيا داخليا لا يقل تعقيدا عن التحديات الخارجية.

الشارع الإسرائيلي:

على صعيد الرأي العام، يتجلى انقسام أكثر عمقًا. فبين جمهور مرهق من الحرب يرى في الأطر الدولية فرصة للتهدئة والاستقرار، وجمهور آخر يعتبر أي تدويل للصراع خطوة نحو فرض تسوية قسرية، يتآكل الإجماع التقليدي حول "حرية اليد الإسرائيلية".

وهكذا يتحول مجلس السلام من أداة خارجية إلى عامل ضغط داخلي يعمّق أزمة الثقة بين الدولة ومواطنيها حول مستقبل الصراع وحدود القوة.

سيناريوهات ما بعد مجلس السلام:

في المحصلة لا يُمكن اختزال مأزق إسرائيل في انضمامها إلى "مجلس السلام" بحد ذاته، بل في المسار الأعمق الذي يُجسّده هذا المجلس: انتقال بطيء ولكن متسارع من نموذج "إدارة الصراع" الذي منح تل أبيب هامش سيطرة واسعا، إلى نموذج "إدارة دولية للصراع" تُعاد فيه صياغة القواعد خارج الإرادة الإسرائيلية المنفردة. ومن هنا يبرز السؤال الجوهري: ما السيناريوهات المحتملة لهذا التحول؟

·          السيناريو الأول- الاحتواء من الداخل:

في هذا السيناريو تسعى إسرائيل إلى التعامل مع مجلس السلام كأمر واقع، مع محاولة تعظيم تأثيرها من الداخل عبر التحالف الوثيق مع واشنطن، واللعب على التناقضات بين أعضاء المجلس.

هذا المسار يسمح بتخفيف حدة الضغوط، لكنه يتطلب قبولا تدريجيا بقيود متزايدة على حرية العمل العسكري، وتحولا في العقيدة الأمنية من المبادرة إلى الإدارة المحسوبة للأزمات. هو سيناريو "الخسائر المضبوطة"، لا الانتصار الاستراتيجي.

·          السيناريو الثاني- المراوحة والتعطيل:

هنا تراهن إسرائيل على إبطاء تنفيذ المرحلة الثانية من مخطط ترامب، عبر شروط أمنية، وأزمات تقنية، وخلافات داخل المجلس نفسه.

هذا السيناريو ينسجم مع مناورات إسرائيل في كسب الوقت، لكنه يحمل مخاطر تراكمية: استنزاف سياسي مع واشنطن، وتآكل شرعية دولية، وتحول إسرائيل تدريجيًا إلى الطرف المتهم بعرقلة الاستقرار، لا الطرف المدافع عن أمنه.

·          السيناريو الثالث- الصدام الناعم مع المسار الدولي:

في حال شعرت تل أبيب بأن مجلس السلام يتحول إلى أداة لفرض تسويات تمس جوهر سيادتها الأمنية، قد تلجأ إلى إعادة تعريف علاقتها به، دون انسحاب كامل، ولكن عبر تجاهل عملي لبعض مخرجاته أو فرض وقائع ميدانية تتجاوز قراراته.

هذا السيناريو يحمل مخاطر عالية، لأنه قد يضع إسرائيل في مواجهة غير مباشرة مع شركائها الدوليين، ويعمّق عزلتها داخل منظومة آخذة في التشكل.

في جميع هذه السيناريوهات، يظل الثابت الوحيد هو أن النموذج القديم لم يعد صالحًا. فمجلس السلام ليس مجرد إطار جديد، بل مؤشرًا على تحوّل أوسع في النظام الدولي وطريقة إدارة النزاعات، حيث لم تعد القوة العسكرية وحدها كافية لفرض قواعد اللعبة.

   أخيرا لا يكمن التحدي الحقيقي أمام إسرائيل في كيفية التعامل مع المجلس، بل في قدرتها على إعادة صياغة استراتيجيتها الشاملة في عالم لم يعد يسمح بإدارة الصراع إلى ما لا نهاية، ولا يمنح امتياز الانفراد بالقرار كما في السابق.حيث تدخل إسرائيل مرحلة أكثر انكشافا وأقل تحكما، لا في غزة وحدها، بل في موقعها داخل النظام الدولي ذاته-مرحلة تختبر فيها حدود القوة، ومعنى السيادة، وثمن البقاء خارج التسويات الكبرى.


رابط دائم: