هل أصبحت أوروبا ساحة صراع بين واشنطن وموسكو وبكين؟ قراءة تحليلية في تحولات القوة ومأزق القارة العجوز
1-2-2026

أحمد ناجي قمحة
* رئيس تحرير مجلتى السياسة الدولية والديمقراطية

لفهم التحولات التي تشهدها أوروبا اليوم، لا يكفي توصيف الأزمات الاقتصادية أو رصد التوترات السياسية، بل يصبح من الضروري وضع إطار نظري يفسر موقع القارة داخل النظام الدولي المتغير. فالتاريخ يعلمنا أن القوى الكبرى لا تتراجع فجأة، وإنما تدخل في مسار بطيء من فقدان المركز، تتحول فيه من فاعل صانع للقواعد إلى موضوع تتصارع عليه القوى الصاعدة. هذا التحول يمكن قراءته عبر ثلاث مقاربات نظرية متداخلة: نظرية توازن القوى، ونظرية التحول الهيكلي في الاقتصاد السياسي الدولي، ونظرية الاعتماد المتبادل غير المتكافئ.

وفقًا لنظرية توازن القوى، فإن النظام الدولي لا يعرف الفراغ، وكل تراجع لقوة ما يقابله صعود لقوى أخرى تسعى لإعادة توزيع النفوذ. أوروبا، التي كانت مركز النظام الدولي حتى منتصف القرن العشرين، فقدت تدريجيًا قدرتها على لعب دور القطب، ثم لعبت دور الشريك داخل المنظومة الغربية بقيادة الولايات المتحدة. ومع انتقال مركز الثقل الاقتصادي والسياسي نحو آسيا، باتت أوروبا في موقع إشكالي، فهي ليست قوية بما يكفي لفرض توازن مستقل، ولا ضعيفة بما يسمح بتجاهلها، وهو ما يجعلها ساحة جذب وتنافس بين القوى الكبرى.

أما من منظور التحول الهيكلي في الاقتصاد السياسي الدولي، فإن تراجع أوروبا لا يرتبط فقط بسوء إدارة أو أخطاء سياسات، بل بتحولات أعمق في بنية الاقتصاد العالمي. فالعالم ينتقل من اقتصاد صناعي تقليدي تقوده الدول الأوروبية، إلى اقتصاد تكنولوجي وشبكي تقوده الولايات المتحدة والصين، بينما تجد أوروبا نفسها عالقة بين نموذجين: نموذج صناعي يتآكل، ونموذج رقمي لم تلحق به بالكامل. هذا التأخر البنيوي يضعف قدرتها على المنافسة، ويجعلها أكثر عرضة للضغط الخارجي.

أما نظرية الاعتماد المتبادل غير المتكافئ، فتفسر كيف يمكن للعلاقات الاقتصادية المتشابكة أن تتحول إلى أدوات نفوذ. أوروبا اعتمدت لعقود على الطاقة الروسية، وعلى المظلة الأمنية الأمريكية، وعلى الأسواق العالمية المفتوحة. ومع تسييس هذه الاعتمادات، تحولت من عناصر قوة إلى مصادر هشاشة، وأصبحت القارة مكشوفة أمام ضغوط القوى الكبرى، كلٌّ وفق مصالحه وأدواته.

لذا، نجد أن النظام متعدد الأقطاب ومتغير القواعد، يشير إلى أن صعود الصين، وتصاعد المنافسة بين واشنطن وموسكو، يعيد تشكيل القواعد التقليدية للنفوذ في أوروبا، ويضع القارة في موقف يتطلب إعادة تعريف الاستقلال الاستراتيجي وإعادة بناء القدرة على المناورة. هذا الإطار يسمح بفهم أوروبا ليس كمجرد تابعة للقوى الكبرى، بل كمجموعة فاعلين متباينين داخليًا، تحاول مقاومة التراجع والبقاء ضمن نظام عالمي أكثر تعقيدًا.

من هنا، تتضح أهمية تحليل ثلاثة عناصر مترابطة: التراجع البنيوي الأوروبي والضغط الاقتصادي، أزمة النخب وصعود الشعبوية، وتحول أوروبا إلى ساحة تنافس مفتوحة بين القوى الكبرى. وهذه العناصر تمثل جوهر المقال الذي يبحث في السيناريوهات المستقبلية للأدوار المحتملة للقارة، من التبعية، إلى التفكك، وصولاً إلى الصحوة الاستراتيجية المحتملة.

أوروبا عند نقطة التحول من مركز النظام إلى هامشه

لم يكن التراجع الأوروبي، كما قد يبدو في القراءة السطحية، نتاج صدمة واحدة أو أزمة مفاجئة، بل جاء بوصفه حصيلة مسار تراكمي طويل بدأ منذ لحظة انتهاء الحرب الباردة، حين فقدت القارة الأوروبية وظيفتها الاستراتيجية الأساسية داخل النظام الدولي. طوال عقود الانقسام العالمي، كانت أوروبا ساحة المواجهة الرئيسية بين المعسكرين الشرقي والغربي، وهو ما جعل وزنها السياسي يفوق أحيانًا وزنها الاقتصادي، الأمر الذي جعل أمنها واستقرارها أولوية قصوى للقوى الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة.

مع انهيار الاتحاد السوفيتي، بدا أن أوروبا تدخل لحظة تاريخية استثنائية، لحظة خالية من التهديدات الوجودية، ومفتوحة على إمكانات غير محدودة للتكامل والنمو. في تلك المرحلة، ساد الاعتقاد بأن القارة العجوز وصلت إلى ما يشبه "نهاية التاريخ" بنسختها الأوروبية، حيث انتصرت الديمقراطية الليبرالية، وترسخ اقتصاد السوق، وتراجع منطق الصراع الجيوسياسي لصالح التعاون والمؤسسات والقواعد المشتركة. الاتحاد الأوروبي بدا آنذاك نموذجًا كونيًا، ليس فقط للتكامل الإقليمي، بل لإدارة العالم بالقوة الناعمة، وبآليات القانون والاقتصاد بدل الجيوش والصراعات.

غير أن هذا التفاؤل أخفى، في جوهره، سوء تقدير استراتيجي عميق. ففكرة "السلام الدائم" دفعت أوروبا إلى تقليص استثماراتها في القوة الصلبة، وإهمال بناء قدرة دفاعية مستقلة، والارتهان شبه الكامل للمظلة الأمنية الأمريكية. ففي الوقت الذي كانت فيه قوى أخرى، كالصين وروسيا، تعيد تعريف علاقتها بالقوة، وتستثمر في بناء قدراتها العسكرية والاقتصادية، كانت أوروبا تفكك أدوات قوتها، وتراهن على أن العالم سيتحول تدريجيًا إلى نسخة موسعة من تجربتها الداخلية.

التوسع الأوروبي شرقًا، الذي قُدِّم بوصفه إنجازًا تاريخيًا، جاء هو الآخر محمّلًا بتناقضات بنيوية. فالاتحاد الأوروبي اتسع جغرافيًا ومؤسسيًا، لكنه لم يتعمق سياسيًا بالقدر ذاته. أُضيفت دول جديدة، وتوسعت السوق الموحدة، لكن دون بناء مركز قرار سياسي قادر على إدارة هذا الاتساع، أو صياغة رؤية استراتيجية مشتركة تعكس مصالح متباينة ومستويات مختلفة من التنمية والخبرة التاريخية. وهكذا، تحوّل الاتحاد الأوروبي إلى كيان كبير الحجم، محدود الفاعلية، قوي اقتصاديًا على الورق، لكنه هش سياسيًا واستراتيجيًا.

في موازاة ذلك، اتسم النمو الاقتصادي الأوروبي بعدم التوازن، سواء بين دول الشمال والجنوب، أو بين الغرب والشرق. استفادت بعض الاقتصادات من العولمة والانفتاح، بينما عانت أخرى من فقدان القدرة التنافسية، وتراكم الديون، وتآكل القاعدة الإنتاجية. ومع غياب سياسات صناعية موحدة، ومع قيود صارمة على السياسة المالية، لم يتمكن الاتحاد من معالجة هذه الفجوات، بل تحولت مع الوقت إلى مصدر توتر دائم يهدد تماسك المشروع الأوروبي ذاته.

الاعتماد على الخارج في ملفات حيوية شكّل أحد أخطر مظاهر هذا المسار. أوروبا بنت جزءًا كبيرًا من أمن الطاقة على الغاز الروسي، وأمنها العسكري على الولايات المتحدة، ونموها الاقتصادي على الأسواق المفتوحة وسلاسل الإمداد العالمية. هذا النموذج بدا عقلانيًا في عالم مستقر، لكنه كشف عن هشاشته فور عودة الجغرافيا السياسية إلى الواجهة. الحرب في أوكرانيا لم تكن سبب الأزمة الأوروبية بقدر ما كانت كاشفًا لها، إذ أظهرت إلى أي مدى أصبحت القارة مكشوفة أمام الصدمات الخارجية، وعاجزة عن المناورة المستقلة.

ومع مرور الوقت، بدأت أعراض التراجع البنيوي تتراكم بوضوح. الشيخوخة الديموغرافية تضغط على أسواق العمل وأنظمة الرعاية الاجتماعية، وتباطؤ الإنتاجية يحد من القدرة على النمو، وفقدان الريادة الصناعية لصالح الولايات المتحدة والصين يضعف موقع أوروبا في سلاسل القيمة العالمية. الأخطر من ذلك هو تراجع القدرة على اتخاذ قرار موحد في القضايا المصيرية، حيث تتحول كل أزمة كبرى إلى اختبار جديد لانقسامات داخلية عميقة، تعكس غياب رؤية استراتيجية مشتركة.

أوروبا اليوم لا تعاني فقط من تراجع في النفوذ الدولي، بل من أزمة ثقة في الذات، ومن ارتباك في تعريف دورها داخل العالم. القارة التي شكّلت تاريخ النظام الدولي الحديث، وصدّرت مفاهيم الدولة القومية، والديمقراطية الليبرالية، واقتصاد السوق، تجد نفسها اليوم عاجزة عن حماية هذه المفاهيم في بيئة دولية تتسم بتصاعد السلطوية، وتراجع العولمة، وتسييس الاقتصاد والتكنولوجيا.

التراجع النسبي للحصة الأوروبية من الاقتصاد العالمي وخطر التراجع المطلق

تكشف قراءة الاتجاهات الكبرى في الاقتصاد العالمي أن تراجع الحصة الأوروبية من الناتج المحلي الإجمالي العالمي لم يعد مجرد ظاهرة عابرة يمكن تفسيرها بصعود قوى جديدة أو بتغير موازين النمو بين الشمال والجنوب، بل أصبح مؤشرًا على خلل بنيوي عميق في النموذج الاقتصادي الأوروبي ذاته. فعلى مدار العقود الماضية، انتقلت أوروبا تدريجيًا من موقع القلب الاقتصادي للنظام الدولي إلى موقع الشريك المتراجع، ثم إلى موقع المنافس الأقل قدرة على مواكبة التحولات الكبرى في الاقتصاد العالمي.

في المراحل الأولى من هذا التراجع، ساد داخل العواصم الأوروبية قدر من الاطمئنان الزائف. فقد جرى التعامل مع انخفاض الوزن النسبي لأوروبا باعتباره نتيجة طبيعية لصعود اقتصادات كبرى مثل الصين والهند، وباعتباره أمرًا لا يمس جوهر القوة الأوروبية طالما ظل مستوى الرفاه مرتفعًا، واستمرت القدرة على تمويل دولة الرفاه، وحافظت القارة على تفوقها التكنولوجي والصناعي النوعي. غير أن هذا التقدير ثبت مع الوقت أنه قاصر، إذ أن التراجع لم يكن مجرد مقارنة حسابية مع اقتصادات صاعدة، بل كان انعكاسًا لتباطؤ داخلي مزمن، ولعجز متزايد عن توليد مصادر جديدة للنمو.

الخطر الحقيقي يكمن في أن هذا التراجع النسبي بات يقترب من التحول إلى تراجع مطلق، حيث لم تعد أوروبا قادرة على الحفاظ على معدلات النمو التي تسمح بإدامة نموذجها الاجتماعي والاقتصادي. فدولة الرفاه الأوروبية، التي شكلت أحد أهم مصادر الشرعية السياسية والاستقرار الاجتماعي، تعتمد على اقتصاد منتج وقادر على توليد فوائض مستدامة. ومع تباطؤ النمو، وارتفاع تكاليف الشيخوخة الديموغرافية، وتزايد أعباء الإنفاق الاجتماعي، تصبح قدرة الدول الأوروبية على تمويل هذا النموذج موضع تساؤل متزايد.

الأزمة هنا لا تتعلق فقط بمستوى النمو، بل بطبيعته وبمصادره. فالنمو الأوروبي خلال السنوات الأخيرة بات يعتمد بدرجة متزايدة على الاستهلاك الداخلي وقطاع الخدمات، في حين تراجعت مساهمة الصناعة التحويلية والقطاعات التكنولوجية المتقدمة. هذا التحول قد يبدو طبيعيًا في اقتصاد متقدم، لكنه يحمل في طياته مخاطر استراتيجية جسيمة في عالم يعيد الاعتبار للإنتاج الصناعي، ولسلاسل الإمداد الوطنية، وللقدرة على التحكم في التكنولوجيا والمواد الخام الحيوية.

من جهة أخرى نجد أن الاعتماد المفرط على الخدمات والاستهلاك يجعل النمو أكثر هشاشة أمام الصدمات، وأقل قدرة على خلق قيمة مضافة عالية، وأضعف في توليد وظائف نوعية قادرة على دعم القاعدة الضريبية. وفي المقابل، شهدت الاقتصادات المنافسة، وعلى رأسها الولايات المتحدة والصين، عودة قوية للسياسات الصناعية، واستثمارات ضخمة في التكنولوجيا المتقدمة، والطاقة، والذكاء الاصطناعي، وسلاسل الإمداد الاستراتيجية. هذا التباين في الاتجاهات يعمّق الفجوة، ويجعل من الصعب على أوروبا اللحاق بالركب دون تغيير جذري في سياساتها الاقتصادية.

فقدان الريادة الصناعية يمثل أحد أخطر أبعاد هذا التراجع. فالصناعة لم تكن مجرد قطاع اقتصادي في التجربة الأوروبية، بل كانت أساس القوة التصديرية، ومصدر النفوذ التجاري، وأحد أعمدة الاستقلال الاستراتيجي. ومع انتقال جزء متزايد من الإنتاج إلى الخارج، وتراجع الاستثمار في البحث والتطوير مقارنة بالمنافسين، تفقد أوروبا قدرتها على التحكم في مفاتيح الاقتصاد العالمي، وتتحول تدريجيًا إلى مستهلك للتكنولوجيا بدل أن تكون منتجًا لها.

هذا التحول ينعكس مباشرة على الموقع الجيوسياسي للقارة. فالاقتصاد، في النهاية، هو قاعدة القوة السياسية. وكلما تآكلت القاعدة الاقتصادية، تقلصت القدرة على التأثير في القواعد المنظمة للنظام الدولي، وعلى حماية المصالح الاستراتيجية، وعلى تحمل كلفة السياسات المستقلة. أوروبا التي تفقد وزنها الاقتصادي تجد نفسها مضطرة لمجاراة سياسات القوى الأكبر، سواء في ملفات التجارة، أو التكنولوجيا، أو العقوبات، أو حتى في خياراتها الاستراتيجية الكبرى.

الخلل البنيوي في النمو الأوروبي يتفاقم أيضًا بسبب غياب سياسة اقتصادية موحدة قادرة على التعامل مع التحديات العالمية. فالقيود المفروضة على السياسة المالية، والتفاوتات بين الاقتصادات الوطنية، وضعف أدوات التدخل المشترك، كلها عوامل تحد من قدرة الاتحاد الأوروبي على تبني استجابة جماعية فعالة. وبدل أن يكون الاقتصاد الأوروبي رافعة للقوة، يتحول إلى عبء سياسي، ومصدر انقسام داخلي، ومجال مفتوح للضغط الخارجي.لذا، فإن خطر التراجع المطلق لن يظل مجرد احتمال نظري، بل سيتحول إلى واقع يفرض نفسه على مكانة القارة ودورها ومستقبلها.

أزمة قدرة النخب الأوروبية على إدارة الأزمة في مواجهة صعود الشعبوية

أحد أخطر أوجه الأزمة الأوروبية المعاصرة لا يكمن في التراجع الاقتصادي أو في الضغوط الجيوسياسية الخارجية فحسب، بل في طريقة تعامل النخب السياسية والاقتصادية مع هذه التحديات. فالمشكلة الحقيقية لا تتعلق بغياب الموارد أو الأدوات، بل بغياب الإرادة والرؤية. النخب التي قادت المشروع الأوروبي لعقود تبدو اليوم عاجزة عن الاعتراف بأن النموذج الذي دافعت عنه طويلاً لم يعد قادرًا على الاستجابة لعالم يتغير بسرعة، فتختار، بدل المواجهة، سياسة إدارة التراجع، وتمديد عمر الوضع القائم، وتأجيل القرارات الكبرى التي لا مفر منها.

هذا السلوك لا يمكن تفسيره فقط بمنطق الحسابات الانتخابية أو الخوف من فقدان السلطة، رغم أن هذه العوامل حاضرة بقوة، بل يعكس أزمة أعمق تتعلق بطبيعة هذه النخب ذاتها. فهي نخب تشكلت في سياق تاريخي مختلف، حيث كان الاستقرار هو القاعدة، والتوسع هو الاتجاه العام، والعولمة تعمل لصالح أوروبا لا ضدها. ومع تغير الشروط البنيوية للنظام الدولي، ظلت هذه النخب أسيرة أدوات وأفكار قديمة، غير قادرة على إنتاج سردية جديدة تفسر للمجتمعات الأوروبية ما يجري، ولا على صياغة مشروع جامع يعيد الثقة في المستقبل.

في ظل العجز عن طرح أسئلة جذرية حول نموذج النمو، والسيادة الاقتصادية، والاستقلال الاستراتيجي، تميل النخب الأوروبية إلى الدفاع عن سياسات تدريجية محدودة، أو إلى تحميل الأزمات لعوامل خارجية دون مراجعة ذاتية حقيقية. حيث تُدير الأزمات المالية، وأزمات الطاقة، وأزمات الهجرة، بمنطق الإطفاء المؤقت، لا بمنطق المعالجة البنيوية. وهكذا، تتراكم الأزمات، ويزداد الشعور العام بأن هناك فجوة متسعة بين من يحكمون ومن يُحكمون.

في هذا الفراغ بين النخب والمجتمع، وجدت التيارات الشعبوية واليمين المتطرف بيئة مثالية للصعود. فهذه التيارات لم تنشأ من العدم، بل تغذت على الإحباطات الاجتماعية، وعلى شعور قطاعات واسعة من الأوروبيين بأنهم يدفعون ثمن عولمة لم تعُد تخدمهم، وسياسات أوروبية لا تعكس أولوياتهم، ونخب منفصلة عن واقعهم اليومي. ومع غياب خطاب رسمي مقنع، تحولت الشعارات الشعبوية البسيطة إلى بديل جذاب، مهما كان تبسيطها أو خطورتها.

الشعبوية الأوروبية لا تقدم حلولًا حقيقية للأزمات البنيوية، لكنها تنجح في تشخيص الغضب وتوجيهه. فهي تربط التراجع الاقتصادي بالهجرة، وتربط فقدان الأمن بالاتحاد الأوروبي، وتربط تآكل الهوية الوطنية بمشروع التكامل. وفي ظل شعور متزايد بفقدان السيطرة، يصبح الخطاب القومي، المعادي للنخب، والمشكك في المؤسسات العابرة للحدود، أكثر جاذبية، خاصة في المناطق التي تضررت من فقدان الصناعة، أو من ارتفاع تكاليف المعيشة، أو من التهميش الاقتصادي.

صعود اليمين المتطرف في عدد متزايد من الدول الأوروبية لا يعكس تحولًا أيديولوجيًا مفاجئًا بقدر ما يعكس فشل النخب التقليدية في تقديم بدائل قابلة للتصديق. فعندما يشعر المواطن بأن النخبة غير قادرة على حماية مستوى معيشته، أو ضمان أمنه، أو الدفاع عن مصالحه في عالم تنافسي، يصبح مستعدًا لتجربة خيارات راديكالية، حتى وإن حملت مخاطر على الديمقراطية الليبرالية ذاتها.

الأخطر من ذلك أن هذا الصعود الشعبوي يعمّق أزمة الاتحاد الأوروبي بدل أن يقتصر على كونه نتيجة لها. فمع تزايد حضور قوى سياسية تشكك في جدوى التكامل، أو تدعو صراحة إلى استعادة السيادة الوطنية، تصبح عملية اتخاذ القرار الأوروبي أكثر تعقيدًا، ويتراجع الاستعداد لتقديم تنازلات متبادلة، ويتآكل الحد الأدنى من الثقة بين الدول الأعضاء. وهكذا يدخل المشروع الأوروبي في حلقة مفرغة؛ نخب مترددة، مجتمعات غاضبة، شعبوية صاعدة، وتكامل يتآكل.

في هذا السياق، لا يمكن فصل أزمة النخب عن أزمة الديمقراطية الليبرالية في أوروبا. فالديمقراطية، حين تعجز عن إنتاج سياسات فعالة، تصبح عرضة للتشكيك من داخل مجتمعاتها. ومع كل فشل في معالجة أزمة كبرى، تتراجع الثقة في المؤسسات، وتزداد جاذبية الحلول السلطوية أو الانعزالية، حتى داخل دول كانت تُعد نماذج للاستقرار السياسي.

كل ذلك يضع المشروع الأوروبي نفسه أمام اختبار وجودي حقيقي: إما التجدد عبر إصلاح عميق وشجاع، أو الانزلاق التدريجي نحو التفكك وفقدان الدور.

نماذج أوروبية للمقاومة والبقاء

في ظل هذا الضعف البنيوي المتراكم، لم تعد أوروبا فاعلًا مركزيًا يصوغ التوازنات الدولية، بقدر ما تحولت إلى ساحة تنافس مفتوح بين القوى الكبرى، كل منها يتعامل مع القارة بوصفها جزءًا من معادلته الاستراتيجية الشاملة، لا بوصفها شريكًا متكافئًا يمتلك إرادة مستقلة. هذا التحول لا يعكس فقط تراجع القوة الأوروبية، بل يعكس أيضًا طبيعة النظام الدولي الراهن، الذي يتجه نحو تعددية قطبية صراعية، حيث تتداخل الجغرافيا السياسية مع الاقتصاد والتكنولوجيا والطاقة في معركة شاملة على النفوذ.

رغم أن الصورة العامة لأوروبا توحي بقارة تتراجع تحت وطأة الضغوط الخارجية والانقسامات الداخلية، فإن المشهد لا يخلو من نماذج تحاول، بدرجات متفاوتة من النجاح، المقاومة والبقاء، عبر سياسات مناورة تسعى إلى حماية المصالح الوطنية، أو الحفاظ على هامش من الاستقلال، داخل صراع مفتوح بين الولايات المتحدة وروسيا والصين.

ألمانيا تمثل النموذج الأكثر تعقيدًا في هذا السياق. فهي القوة الاقتصادية الأولى في أوروبا، والعمود الفقري للصناعة الأوروبية، لكنها في الوقت ذاته الأكثر انكشافًا على التحولات الدولية. النموذج الألماني، القائم على التصدير، والطاقة الرخيصة، والاستقرار الجيوسياسي، تعرض لهزة عنيفة مع الحرب في أوكرانيا وقطع شريان الطاقة الروسي. هذا التحول فرض على برلين مراجعة عميقة، وإن كانت مترددة، لخياراتها الاستراتيجية.

تحاول ألمانيا اليوم إعادة بناء نموذجها الصناعي عبر تنويع مصادر الطاقة، وتعزيز الاستثمار في التكنولوجيا، والحفاظ على أسواقها الخارجية، خاصة الصين، التي تمثل شريكًا اقتصاديًا لا يمكن التفريط فيه بسهولة. غير أن هذه المحاولة تصطدم بضغط أمريكي متزايد لفك الارتباط مع بكين، وبمخاوف داخلية من فقدان الريادة الصناعية. وهكذا، تجد ألمانيا نفسها عالقة بين ضرورات التحالف مع واشنطن، وحاجتها الاقتصادية للصين، وواقع جيوسياسي لا يسمح بالعودة إلى ما قبل الحرب.

فرنسا تقدم نموذجًا مختلفًا، يقوم على السعي نحو استقلال استراتيجي نسبي، حتى وإن كان هذا السعي أكثر خطابية منه عملية. باريس ترى في نفسها القوة السياسية القادرة على إعادة بعث المشروع الأوروبي، وتدفع باتجاه تعزيز القدرات الدفاعية الأوروبية، وتقليل الاعتماد على الولايات المتحدة، وبناء سياسة صناعية مشتركة. هذا الطموح يعكس إدراكًا فرنسيًا مبكرًا لمخاطر التبعية، لكنه يصطدم بواقع اقتصادي ومالي ضاغط، وبمقاومة داخلية لأي إصلاحات عميقة.

الأزمة المالية الفرنسية، والعجز المزمن في الميزانية، والاحتجاجات الاجتماعية المتكررة، كلها عوامل تحد من قدرة باريس على تحويل رؤيتها إلى سياسات ملموسة. ومع ذلك، تظل فرنسا أحد الأصوات القليلة داخل أوروبا التي تحاول التفكير في موقع القارة كفاعل مستقل، لا مجرد ساحة صراع، حتى وإن بدت أدواتها أقل من حجم طموحاتها.

أما دول أوروبا الشرقية، فتقدم نموذجًا ثالثًا مختلفًا، تحكمه اعتبارات التاريخ والذاكرة الأمنية. هذه الدول، التي عاشت طويلًا تحت الهيمنة السوفيتية، ترى في الولايات المتحدة الضامن الأساسي لأمنها، وتتعامل مع روسيا بوصفها تهديدًا وجوديًا لا يمكن التساهل معه. من هذا المنطلق، تنخرط بقوة في الاصطفاف الأمريكي، وتدفع باتجاه تشديد المواقف داخل الاتحاد الأوروبي، حتى لو جاء ذلك على حساب التوازنات الاقتصادية أو وحدة القرار الأوروبي.

هذا النموذج يعكس منطق البقاء من زاوية أمنية خالصة، حيث تُقدَّم الحماية العسكرية على أي اعتبارات أخرى. لكنه في الوقت ذاته يعمّق الانقسام داخل أوروبا، ويجعل من الصعب بلورة سياسة خارجية موحدة، إذ تتباين أولويات الأمن بين الشرق والغرب، وتتضارب رؤى التعامل مع روسيا والصين والولايات المتحدة.

فأوروبا التي كانت يومًا مركز النظام الدولي، باتت اليوم مجموعة من الدول التي تفاوض على هامش الحركة داخل صراع الكبار، وتسعى للحفاظ على ما تبقى من وزنها، أكثر مما تسعى إلى استعادة دورها القيادي. وحتى يتحقق ذلك، ستظل أوروبا تحاول النجاة داخل عاصفة دولية، لا تقودها، بل تتفاعل معها، وتدفع كلفة التردد والانقسام.

مستقبل أوروبا في ضوء تحولات النظام الدولي

يمكن فهم المأزق الأوروبي بوصفه تعبيرًا عن أزمة "موقع" داخل بنية القوة العالمية ستعرضها السيناريوهات القادمة، لا مجرد أزمة سياسات أو قيادات. فالقوى التي تفقد مركزها في النظام لا تتراجع فجأة، بل تمر بمرحلة طويلة من التآكل التدريجي، حيث تتسع الفجوة بين القدرات المادية، والقدرة على تحويل هذه القدرات إلى نفوذ فعلي.

السيناريو الأول: التبعية بوصفها خيارًا عقلانيًا محدود الأفق

وفق مقاربات الواقعية الدفاعية، يمكن تفسير استمرار التبعية الأوروبية للولايات المتحدة بوصفه خيارًا عقلانيًا تسعى من خلاله الدول الأوروبية إلى تعظيم أمنها بأقل كلفة ممكنة. في ظل غياب قدرة دفاعية أوروبية مستقلة، تظل المظلة الأمريكية الضامن الأساسي للاستقرار، حتى وإن جاءت هذه المظلة مشروطة بتنازلات اقتصادية وسياسية.

غير أن هذا الخيار، رغم منطقيته على المدى القصير، يعمّق ما تسميه نظريات الاعتماد غير المتكافئ "اختلال التبعية"، حيث تتحول العلاقة من شراكة إلى علاقة مركز–هامش داخل المعسكر الغربي ذاته. ووفق هذا المسار، لا تكتفي أوروبا بفقدان استقلالها الاستراتيجي، بل تفقد تدريجيًا قدرتها على صياغة أولوياتها التنموية والصناعية، ما يضعف موقعها التنافسي في النظام الدولي على المدى الطويل.

السيناريو الثاني: التفكك كنتاج لفشل الحوكمة فوق القومية

السيناريو الثاني، المتعلق بالتفكك التدريجي، يمكن تحليله في ضوء نظريات الحوكمة متعددة المستويات، التي تؤكد أن نجاح الكيانات فوق القومية مشروط بقدرتها على تحقيق توازن مستدام بين السيادة الوطنية والسلطة المركزية. فشل الاتحاد الأوروبي في إدارة الأزمات المتلاحقة – من الأزمة المالية، إلى الهجرة، إلى الجائحة، ثم الحرب – كشف حدود هذا النموذج عندما لا يُدعَم بإرادة سياسية موحدة.

صعود الشعبوية واليمين المتطرف، في هذا السياق، لا يُعد سببًا للتفكك بقدر ما هو عرض له. فحين تعجز النخب عن تحويل التكامل إلى مكاسب ملموسة، يصبح الانكفاء القومي خيارًا جذابًا لجماهير تشعر بأن العولمة الأوروبية جاءت على حساب الأمن الاقتصادي والاجتماعي. ووفق هذا المسار، تتحول أوروبا إلى مجموعة من وحدات سياسية متجاورة، ضعيفة التأثير، في نظام دولي تحكمه القوى القارية الكبرى.

السيناريو الثالث: الاستقلال الاستراتيجي كإعادة تموضع بنيوي

السيناريو الثالث، المتعلق بالصحوة الأوروبية، ينسجم مع مقاربات التحول البنيوي في العلاقات الدولية، التي ترى أن لحظات الانتقال في النظام العالمي تتيح فرصًا لإعادة التموضع، شريطة امتلاك الإرادة والرؤية. الاستقلال الاستراتيجي هنا لا يُفهم بوصفه انفصالًا عن التحالفات، بل بوصفه قدرة على تقليص فجوة الاعتماد، وتوسيع هامش القرار، وبناء أدوات قوة ذاتية.

من منظور الاقتصاد السياسي الدولي، يتطلب هذا المسار إعادة الاعتبار لدور الدولة في توجيه التنمية، وحماية الصناعات الاستراتيجية، وإعادة تنظيم العلاقة بين السوق والسياسة. كما يفترض تجاوز النموذج الليبرالي الذي افترض أن القوة الناعمة والتكامل الاقتصادي كفيلان بضمان النفوذ في عالم تحكمه، مجددًا، اعتبارات القوة الصلبة وسلاسل الإمداد والأمن التكنولوجي.

نخلص أن أوروبا اليوم تقف في منطقة رمادية، ليست قوة صاعدة قادرة على فرض قواعد جديدة، ولا قوة منهارة تُستبعد من الحسابات، بل فاعل متردد، يُستدعى عند الحاجة، ويُهمّش عند اتخاذ القرار. والخروج من هذا المأزق يتطلب كسر منطق الإجماع الهش، والانتقال من سياسات رد الفعل إلى استراتيجية كبرى واضحة المعالم.

 


رابط دائم: