لماذا صار "العقل السيبراني" ضرورة في علاقاتنا؟
27-1-2026

د. خالد وليد محمود
* باحث متخصص في السياسة السيبرانية

ماذا لو كانت أثمن فضائلنا الإنسانية هي نفسها أخطر نقاط ضعفنا؟ في المخيال الأخلاقي تبدو الثقة قيمةً خالصة لا يطالها الشك، لكن التجربة الحديثة -خاصة في زمن الفضاء السيبراني والتحولات الرقمية- تكشف أن الثقة قد تكون أيضًا نقطة اختراق. ففي هذا المجال لا تُعامل الثقة بوصفها فضيلةً إنسانية، بل بوصفها متغيرًا يرفع مستوى المخاطر إذا مُنح بلا ضوابط. من هنا ظهر مبدأ "الثقة الصفرية" (Zero Trust) بوصفه إحدى أكثر فلسفات الحماية صرامة وواقعية، ويمكن تلخيصه في قاعدة واضحة: لا تمنح الثقة مسبقًا… تحقّق دائمًا. الملفت أن ما يثير الانتباه في هذا النموذج أنه لا يقتصر على التقنية بقدر ما يفتح نافذة لفهم أعمق لعلاقاتنا الاجتماعية التي أصبحت تتشكل اليوم داخل بيئة مليئة بالواجهات المصقولة والانطباعات السريعة، حيث يبدو القرب سهلًا لكنه ليس دائمًا آمنًا.

كما هو معروف لا يكافئ النظام الرقمي حسن النية، ولا يراهن على الانطباع الجيد، لأنه يعلم أن الخطر لا يأتي دائمًا بوجه عدائي واضح، وأن الاختراق قد يُنفَّذ عبر لغة ودودة، أو هوية منتحلة، أو صلاحية مُنحت أكثر مما ينبغي. لذلك لا تُبنى الثقة في المنظومات الحديثة على لحظة قبول أولى ثم استرخاء دائم، بل على منطق مختلف: الهوية تُثبت، والصلاحيات تُستحق، والوصول يُمنح بقدر الحاجة لا بقدر الألفة. وهذه الفكرة -على قسوتها الظاهرية- تخفي حكمة عميقة؛ لأنها تعيد تعريف الثقة باعتبارها عملية تُدار، لا هبة تُقدَّم، وتربطها بالسلوك والاستمرارية لا بالاندفاع العاطفي.

عند إسقاط هذه المقاربة على العلاقات الإنسانية، يظهر أن المشكلة ليست في الثقة بذاتها بل في طريقة توزيعها. لقد أصبحنا نعيش زمنًا لم يعد فيه التراكم البطيء شرطًا للعلاقة، بل صارت العلاقات تُستهلك بسرعة، وتُصنع فيها الألفة أحيانًا خلال ساعات كما لو أنها تاريخ طويل. صرنا نلتقي بالآخر لا كما هو، بل كما يريد أن يظهر؛ نلتقي بالصياغة لا بالجوهر، وبالقول لا بما يثبت، وبالواجهة أكثر من الحقيقة. ننجذب للوضوح السريع، وللقرب السهل، وللتوافق الذي يبدو قدرًا، ثم نكتشف لاحقًا أن بعض ما حسبناه قدرًا لم يكن إلا تمثيلًا متقنًا للحظة قصيرة، أو استجابة محسوبة لحاجة عابرة.

هنا يصبح السؤال جوهريًا: هل نحسن إدارة الثقة؟ أم إننا نوزّعها كما لو أنها لا تُكلّف شيئًا؟ في النظم الرقمية الخطر لا يتوقف عند بوابة الدخول، ولذلك لا تكتفي الثقة الصفرية بفكرة "التحقق مرة واحدة"، لأن المخترق قد يمرّ بسلام، وقد ينتحل الصديق هوية الصديق، وقد يتحول الداخل ذاته إلى تهديد إذا تبدّلت نواياه أو تبدلت أدواته. ولهذا يقوم النموذج على التحقق المستمر لا بسبب الهوس، بل بسبب إدراك أن الخطأ في الثقة ليس خطأ بسيطًا، بل خلل قد يجرّ وراءه انهيارًا في كامل البنية.

تأسيسًا على ذلك يبدو ليس من الصعب رؤية النظير الاجتماعي لهذا المنطق؛ فنحن أيضًا نمتلك "بيانات حساسة" لا تظهر على شاشة: أسرارنا، وذاكرتنا، ومساحاتنا الهشة، والندوب التي نخفيها خلف سلوك طبيعي. ونحن أيضًا نمنح صلاحيات دون قصد: صلاحية الدخول إلى يومنا، وإلى أعماقنا، وإلى تفاصيل كنا نظن أنها لا تُقال إلا لمن يستحق. غير أن ما يحدث كثيرًا هو أننا نمنح ذلك لمن يتقن الحضور لا لمن يتقن الوفاء، لمن يجيد اللغة لا لمن يملك اتساقًا أخلاقيًا، لمن يمنح شعورًا سريعًا بالطمأنينة لا لمن يستطيع حمل مسئولية القرب.

والخديعة في العلاقات لا تأتي دائمًا على هيئة شرّ صريح كي يسهل اكتشافها. أحيانًا تأتي بوجه لطيف وبحضور دافئ وبكلمات تعرف كيف تُربّت على الفراغ. وأحيانًا لا يكون الخطر شخصًا سيئًا بقدر ما يكون شخصًا هشًا: متقلبًا، اندفاعيًا، يَعِد كثيرًا ويثبت قليلًا، يمنح دفئًا كبيرًا ثم ينسحب بلا تفسير. وفي الحالتين النتيجة واحدة: ثقة تُمنح بجرعة كاملة، ثم تُسحب منك كأنها لم تكن، تاركةً أثرًا أقرب إلى الاختراق منه إلى الخيبة العادية، لأن ما يُنهك الإنسان هنا ليس فقط الانسحاب، بل فكرة أنه سمح لشخص ما بالدخول إلى مناطق لا يجوز أن تُفتح إلا بتدرج.

لهذا لا يبدو "الشك" في هذا السياق رذيلة كما اعتدنا تصويره، بل قد يكون سلوكًا وقائيًا بالغ العقلانية. ليس شكًا عدائيًا يكره الناس ويُحاكمهم مسبقًا، بل شكًا واعيًا يعرف أن القرب لا يعني الأمان، وأن الانسجام لا يعني الأخلاق، وأن الكلام الجميل لا يساوي شيئًا إن لم يثبت في المواقف. فالاختبار الحقيقي للإنسان لا يظهر في لحظات المزاج الجيد، بل في لحظات الاختلاف، والضغط، والغياب، وفي قدرته على حفظ الود حين تتراجع المصلحة وحين يصبح الالتزام مكلفًا.

ومن هنا لا تكون الفكرة أن نعيش بمنطق الارتياب الدائم، بل أن نتعلم بناء الثقة تدريجيًا. أن لا نعطي "صلاحيات كاملة" من اللقاء الأول، وأن لا نفتح أبوابنا النفسية لمن يتقن الدخول السريع، وأن نفهم أن العلاقة ليست قرارًا عاطفيًا لحظيًا بل مسارًا يحتاج إلى تراكم أدلة. تمامًا كما تُدار الصلاحيات في الأمن السيبراني وفق مبدأ "أقل قدر من الامتياز"(Least Privilege)، يمكن للعلاقات أيضًا أن تُدار بذكاء مشابه: ليس لأننا نختزل البشر إلى ملفات، بل لأننا نحمي أنفسنا من الاستنزاف. فليس كل من اقترب يستحق أن يعرف أكثر، وليس كل من ابتسم يستحق أن نراهن عليه، وليس كل من شاركنا حديثًا طويلًا يستحق أن يمسك تفصيلًا هشًا من حياتنا.

الخلاصة أن "العقل السيبراني" لم يعد مفهومًا تقنيًا معزولًا، بل أداة معرفية لفهم سلوكنا الاجتماعي في زمن التلاعب والانطباعات السريعة. ففي السيبرانية الثقة العمياء ليست فضيلة بل سطح هجوم واختراق مؤجل، وفي العلاقات الثقة المجانية ليست طيبة قلب بقدر ما قد تكون ثغرة نفسية تُكلّف صاحبها كثيرًا. إن المطلوب ليس إلغاء الثقة، بل حوكمتها: أن يصبح القرب مثل الوصول داخل النظام؛ هوية تُثبت، وسلوك يُختبر، وصلاحيات تُمنح بقدر الحاجة. بهذه الطريقة فقط يمكن للإنسان أن يبقى إنسانًا دون أن يتحول قلبه إلى مساحة مفتوحة لكل عابر، وأن يحافظ على دفئه دون أن يدفع ثمنه استنزافًا متكررًا.

 

 


رابط دائم: