التنافس حول جرينلاند بين الواقعية والليبرالية
27-1-2026

د. محمد عبد العظيم الشيمي
* أستاذ العلوم السياسية – جامعة حلوان

في السنوات الأخيرة، برزت جرينلاند مجددا كبؤرة تركيز في الخطاب الاستراتيجي عبر الأطلنطي، ولا سيما في أعقاب الاقتراح المثير للجدل الذي قدمه الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب لشراء الجزيرة من الدنمارك عام 2019. وعلى الرغم من أن كوبنهاجن سارعت برفض الفكرة، وتعامل معها العديد من القادة الأوروبيين بوصفها غير واقعية أو حتى "عبثية"، إلا أنها كشفت عن ديناميكيات هيكلية أعمق تشكل العلاقات الدولية المعاصرة. فبعيدا عن كونها مجرد "فضول رمزي"، تمثل جرينلاند إقليما حيويا من الناحية الاستراتيجية، حيث تتقاطع فيه أمن منطقة القطب الشمالي، وتنافس القوى العظمى، وتغير موازين القوى العالمية. إن موقعها الجغرافي، ومواردها الطبيعية، وأهميتها العسكرية -خاصة في مجالات الدفاع الصاروخي والمراقبة الفضائية- قد رفعت من شأنها في عصر يتسم بشكل متزايد بتجدد الخصومات الجيوسياسية.

نحلل هنا قضية جرينلاند من خلال منظورين للنظريتين المهيمنتين في العلاقات الدولية: الواقعية والليبرالية. إذ يقدم كل إطار نظري تفسيرا متمايزا لسلوك الدولة، والقوة، واحتمالية نشوب الصراعات. فالمدرسة الواقعية تشدّد على "سياسات القوة"، والمصالح الاستراتيجية، والاستخدام المحتمل للقوة، خاصة في ظل قيادات تمنح الأولوية للمصلحة الوطنية والعمل الأحادي. ومن هذا المنظور، يمكن فهم نهج ترامب تجاه جرينلاند كتعبير عقلاني -وإن كان فجا- عن المنطق الاستراتيجي الأمريكي. وفي المقابل تسلط الليبرالية الضوء على المعايير الديمقراطية، والقيود المؤسسية، والاعتماد الاقتصادي المتبادل، وأطروحة "السلام الديمقراطي"، وهي عوامل تقلل بشكل كبير من احتمالية وقوع صراع عسكري بين الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين حول جرينلاند.

ومن خلال مقارنة هذه التفسيرات النظرية، نسعى هنا إلى تقييم ما إذا كانت جرينلاند تمثل خطرا حقيقيا ينذر بانتهاج "سياسات القوة القسرية" في العلاقات عبر الأطلنطي، أم إن القيود الليبرالية تجعل مثل هذه السيناريوهات مستبعدة للغاية. وبذلك نؤكد هنا على الأهمية الأوسع لمنطقة القطب الشمالي كأرضية اختبار لنظريات العلاقات الدولية في سياق تنافس القوى العظمى في القرن الحادي والعشرين.

الأهمية الاستراتيجية لجرينلاند في السياسة الدولية المعاصرة:

قبل الخوض في التفسيرات النظرية، من الضروري فهم الأسباب الكامنة وراء أهمية جرينلاند، فهي تشغل موقعا جيواستراتيجي فريدا بين أمريكا الشمالية وأوروبا، مما يجعلها جسرا يربط بين شمال الأطلنطي والقطب الشمالي. خلال الحرب الباردة لعبت الجزيرة دورا حاسما في أنظمة الإنذار المبكر الأمريكية ضد الصواريخ الباليستية السوفيتية، وهو الدور الذي يستمر حتى اليوم من خلال "قاعدة بيتوفيك الفضائية" (قاعدة ثول الجوية سابقا). كما تقع الجزيرة بالقرب من مضائق بحرية رئيسية، بما في ذلك "فجوة GIUK" (بين جرينلاند، وأيسلندا، والمملكة المتحدة)، والتي تظل محورا أساسيا في خطط ناتو للمراقبة تحت سطح البحر وحروب مكافحة الغواصات.

وعلاوة على الاعتبارات العسكرية تمتلك جرينلاند احتياطات هائلة من المواد الخام الحيوية، بما في ذلك العناصر الأرضية النادرة، واليورانيوم، ومعادن أخرى ضرورية للتكنولوجيات المتقدمة والصناعات الدفاعية. ومع تسارع التغير المناخي الذي أدى إلى ذوبان جليد القطب الشمالي، أصبح الوصول إلى هذه الموارد وطرق الشحن الناشئة أكثر جدوى، مما أدى إلى تكثيف الاهتمام الاستراتيجي من قبل القوى الكبرى، بما في ذلك الولايات المتحدة، وروسيا، والصين.

أما سياسيا فتتمتع جرينلاند بحكم ذاتي واسع النطاق مع بقائها جزءا من مملكة الدنمارك، العضو في حلف الناتو والحليف الوثيق للولايات المتحدة. هذا الوضع المعقد يضع جرينلاند في تقاطع طرق بين السيادة، وسياسات التحالفات، وحق تقرير المصير المحلي، وهي عوامل تعقد أي محاولة خارجية لفرض السيطرة على الجزيرة.

التفسير الواقعي: القوة، والمصالح، ومنطق الإكراه:

تعتبر الواقعية واحدة من أقدم النظريات وأكثرها تأثيرا في العلاقات الدولية، فهي تنظر إلى النظام الدولي بوصفه نظاما "فوضويا" (يفتقر لسلطة مركزية)، حيث تعمل الدول كجهات فاعلة عقلانية تسعى لتعظيم قوتها وأمنها. ومن منظور واقعي تكتسب الجغرافيا الاستراتيجية والقدرات المادية أهمية تفوق المعايير الدولية، أو المؤسسات، أو الاعتبارات الأخلاقية. وبناء على ذلك فإن أهمية جرينلاند لا تكمن في وضعها القانوني أو نظام حكمها الديمقراطي، بل في قيمتها النفعية لتعزيز الهيمنة الاستراتيجية الأمريكية في منطقة القطب الشمالي وشمال المحيط الأطلنطي.

إن اهتمام ترامب بالاستحواذ على جرينلاند ينسجم تماما مع هذا المنطق الواقعي، فقد كان توصيفه للعلاقات الدولية دائما "نفعيا" (قائما على الصفقات) ومنطق "المباراة الصفرية"، مع التركيز على المكاسب النسبية، والسيطرة الإقليمية، والميزة الاستراتيجية. ورغم أن مقترح "شراء" جرينلاند كان غير تقليدي بالمعايير الدبلوماسية، إلا أنه عكس إيمانا بإمكانية توظيف القوة الأمريكية -خاصة القوة الاقتصادية- لتأمين فوائد استراتيجية طويلة الأمد. ووفق المصطلح الواقعي، فإن الوسيلة كانت أقل أهمية من النتيجة، وهي: حرمان الخصوم من الوصول إلى مساحة حيوية مع تعزيز النفوذ الأمريكي.

من هذا المنظور لا يمكن استبعاد احتمالية استخدام الإكراه أو القوة تماما، إذ يجادل الواقعيون بأنه عندما تكون المصالح الحيوية على المحك، قد تلجأ الدول القوية إلى الدبلوماسية القسرية، أو الضغوط الاقتصادية، أو حتى القوة العسكرية، بغض النظر عن روابط التحالف. وتؤكد السوابق التاريخية -من أزمة السويس إلى التدخلات الأمريكية ضد حكومات حليفة خلال الحرب الباردة- أن القيم المشتركة لا تمنع دائما وقوع الصراع عندما تصطدم الضرورات الاستراتيجية.

علاوة على ذلك تضع الواقعية ثقلا كبيرا على "القيادة" و"الإدراك"، فقد أدى تشكيك ترامب في المؤسسات متعددة الأطراف، وانتقاداته المتكررة لحلفاء الناتو، واستعداده لتحدي الأعراف المستقرة، إلى إثارة مخاوف في أوروبا بشأن "موثوقية" الولايات المتحدة. وتحت التفسير الواقعي يزيد هذا السلوك من حالة عدم اليقين، وبالتالي يرفع من مستوى المخاطر المتصورة للاستراتيجيات القسرية -حتى لو ظل العمل العسكري الفعلي مستبعدا.

الواقعية واحتمالية استخدام القوة في حالة جرينلاند:

على الرغم من تركيزها على سياسات القوة، إلا أن الواقعية لا تتنبأ بالحرب بشكل آلي، بل تركز على القدرات، والمصالح، وحسابات التكلفة والعائد. فرغم القيمة الاستراتيجية لجرينلاند، فإن استخدام الولايات المتحدة للقوة العسكرية ضد الدنمارك -أو الاستيلاء عليها من جانب واحد- سيترتب عليه تكاليف سياسية واستراتيجية باهظة للغاية، إذ سيؤدي ذلك إلى تصدع حلف الناتو، وتقويض المصداقية الأمريكية العالمية، ومن المرجح أن يثير مقاومة طويلة الأمد من سكان جرينلاند.

ومع ذلك تشير الواقعية إلى أن القوة يمكن ممارستها بأشكال أكثر دهاء، فالضغط الاقتصادي، والإكراه الدبلوماسي، والتأثير الاستخباراتي، والحرمان الاستراتيجي (Strategic Denial) هي أدوات تتسق جميعها مع المنطق الواقعي. ويمكن القول إن نهج ترامب عكس محاولة لاختبار حدود النفوذ الأمريكي وليس خطة ملموسة لعمل عسكري. لذا فإن القلق الواقعي لا يكمن في سيناريوهات الغزو، بقدر ما يكمن في "تطبيع" المساومة القسرية داخل التحالفات.

بهذا المعنى تسلط الواقعية الضوء على الهشاشة الهيكلية لجرينلاند: فقيمتها الاستراتيجية تجعل منها موضوعا للتنافس، بغض النظر عن تفضيلات الجهات الفاعلة الصغيرة. وحتى في غياب القوة المباشرة، تظل الجزيرة عرضة لمناورات القوى العظمى التي تدفعها الضرورات الأمنية.

التفسير الليبرالي: المؤسسات والديمقراطية والكوابح السلمية:

تقدم الليبرالية تفسيرا مغايرا جوهريا لقضية جرينلاند، فبدلا من التركيز على تعظيم القوة، تشدد النظرية الليبرالية على دور الحكم الديمقراطي، والمؤسسات الدولية، والاعتماد الاقتصادي المتبادل، والمعايير المشتركة في الحد من النزاعات. ومن هذا المنظور تُعد احتمالية استخدام الولايات المتحدة للقوة ضد جرينلاند منخفضة للغاية، ليس فقط بسبب الوازع الأخلاقي، بل لأن القيود المؤسسية والمعيارية تجعل من هذا السلوك فعلا غير عقلاني وغير قابل للاستمرار.

ويعد الركن الأساسي في الحجة الليبرالية هو "نظرية السلام الديمقراطي"، التي تذهب إلى أن الدول الديمقراطية لا تتحارب فيما بينها. فالولايات المتحدة، والدنمارك، وجرينلاند نفسها كلها كيانات متجذرة في أنظمة ديمقراطية تتميز بسيادة القانون، والمساءلة العامة، ونظام المؤسسات القائم على "الرقابة والتوازن". إن أي محاولة من قِبل رئيس أمريكي لاستخدام القوة ضد حليف ديمقراطي ستواجه معارضة محلية ساحقة، ومقاومة من الكونجرس، ورقابة قضائية، ورد فعل دوليا عنيفا.

علاوة على ذلك يعمل حلف شمال الأطلنطي (الناتو) والإطار الأوسع للمؤسسات عبر الأطلنطي كآليات قوية لـ "إدارة الصراعات". فهذه المؤسسات تسهل الحوار، والشفافية، والتنسيق، مما يقلل من سوء الإدراك ويوفر مسارات غير قسرية لحل النزاعات. ومن وجهة نظر ليبرالية لم يكن مقترح ترامب بشأن جرينلاند سوى حالة شاذة ضمن علاقة مؤسسية مستقرة، سرعان ما تم احتواؤها عبر الأعراف الدبلوماسية وسياسات التحالف.

الاعتماد الاقتصادي المتبادل والقيود المعيارية:

تؤكد الليبرالية أيضا على أهمية الاعتماد الاقتصادي المتبادل، حيث تتكامل الولايات المتحدة وأوروبا بعمق من خلال التجارة، والاستثمار، وسلاسل التوريد المشتركة. وأي إجراء قسري بشأن جرينلاند من شأنه أن يعطل هذه الروابط، مما يؤدي إلى تكاليف اقتصادية تفوق بكثير أي مكاسب استراتيجية محتملة. وفي هذا الصدد يجادل المنظرون الليبراليون بأن الفاعلين العقلانيين في الأنظمة المترابطة يفضلون التعاون على المواجهة.

كما تفرض معايير السيادة وحق تقرير المصير قيودا إضافية على سلوك الدولة. فلدى سكان جرينلاند حق معترف به في الحكم الذاتي، وأي محاولة لتغيير وضع الجزيرة دون موافقتهم ستشكل انتهاكا للمبادئ الدولية المقبولة على نطاق واسع. ويرى الليبراليون أن هذه المعايير ليست مجرد شعارات خطابية، بل هي متجذرة في الممارسات المؤسسية التي تشكل سلوك الدول بمرور الوقت.

ومن هذا المنظور يُفسر خطاب ترامب ليس كتهديد حقيقي، بل كإشارة تفاوضية أو استعراض سياسي محلي. وبذلك تقلل الليبرالية من احتمالية استخدام القوة، وتنظر إلى هذه الواقعة كدليل على المرونة المؤسسية لا على عدم الاستقرار الاستراتيجي.

تقييم مقارن: الواقعية في مواجهة الليبرالية:

تجسد حالة جرينلاند نقاط القوة والقصور في كل من الواقعية والليبرالية على حد سواء. فتتفوق الواقعية في تفسير سبب جذب جرينلاند للاهتمام الاستراتيجي، ولماذا تظل اعتبارات القوة مركزية حتى بين الحلفاء، حيث تسلط الضوء على الأهمية المستمرة للجغرافيا، والبنية التحتية العسكرية، وتنافس القوى العظمى في تشكيل سلوك الدول.

ومع ذلك تقدم الليبرالية تفسيرا أكثر إقناعا لسبب عدم تصاعد هذا التنافس إلى صراع مسلح، فقد نجحت المعايير الديمقراطية، والقيود المؤسسية، والاعتماد الاقتصادي المتبادل في احتواء الخلاف بشكل فعال، محولة قضية كانت لتزعزع الاستقرار إلى مجرد خلاف سياسي "مُدار".

وبدلا من النظر إلى هاتين النظريتين بوصفهما متعارضتين، تشير حالة جرينلاند إلى تكامليتهما، فسياسات القوة تحدد "حجم الرهان"، بينما تحدد الهياكل الليبرالية "حدود التحرك". ربما عكس سلوك ترامب غرائز واقعية، لكن النتيجة النهائية تشكلت بشكل حاسم بفعل القيود الليبرالية.

لماذا تهم جرينلاند نظرية العلاقات الدولية؟

إن الجدل حول جرينلاند هو أكثر بكثير من مجرد "فضول دبلوماسي"، فهو دراسة حالة كاشفة في العلاقات الدولية المعاصرة. يوضح هذا الجدل كيف أصبحت المساحات الاستراتيجية في القطب الشمالي ذات ثقل متزايد في عالم يتسم بتجدد تنافس القوى العظمى. وفي الوقت نفسه يظهر كيف تواصل التحالفات والمؤسسات والمعايير الديمقراطية لعب دور حاسم في تخفيف حدة الصراع بين الدول الغربية.

من منظور واقعي تظل جرينلاند أصلا استراتيجيا ستزداد أهميته مع اشتداد التنافس في القطب الشمالي، فمنطق القوة والحرمان الاستراتيجي يضمن بقاءها على أجندة القوى الكبرى. أما من منظور ليبرالي فإن احتمالية الصراع العسكري تظل منخفضة، مكبلة بـ "السلام الديمقراطي" والتجذر المؤسسي.

إن فهم هذه الحقيقة المزدوجة أمر ضروري لصناع القرار والأكاديميين على حد سواء، فمستقبل جرينلاند -والقطب الشمالي بشكل أوسع- لن تحدده الأساطيل والقواعد العسكرية وحدها، ولا المعايير والمؤسسات وحدها، بل سيحدده التفاعل بين القوة ومحددات كبح القوة. بهذا المعنى، تؤكد حالة جرينلاند على الأهمية المستمرة لنظرية العلاقات الدولية في تفسير تعقيدات النظام العالمي المتغير.


 

 


رابط دائم: