حرب الروابط بين واشنطن وطهران في ضوء استراتيجية التضفير
26-1-2026

د. شيماء المرسي
* الخبيرة فى الدراسات البينية الإيرانية

لم يعد الصراع الأمريكي ضد إيران يُدار وفق منطق الحرب التقليدية، بل أصبح يتحرك ضمن نمطٍ أكثر تعقيدًا يُعرف في الأدبيات العسكرية الحديثة بحرب الروابط(Nexus Warfare)، إذ تُمثل صراعًا غير خطي يركز على نقاط الالتقاء الحرجة داخل الدولة بين الأبعاد العسكرية، والجيوسياسية، والرقمية، والاقتصادية، والإعلامية.

إن أساس هذا الصراع يكمن في مفهوم التضفير الاستراتيجي(Strategic Weaving)، حيث لا تُعالج الأزمات كملفات منفصلة، بل تتحرك ضمن شبكة مترابطة تهدف إلى محاصرة الخصم في عقدة صراع عالمية، تجعل من العسير عليه الانفكاك منها أو التعامل معها كأزمة مستقلة.

بالتوازي استخدم الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، هذا المفهوم خلال حملته الانتخابية 3 سبتمبر 2024 (نقلا عن  The Guardianوقناة MS Now  الأمريكية:Trump rebrands his ramblings as “I do the weave”)، لتفسير أسلوبه في التعامل مع القضايا المعقدة، إذ يُعيد دمج الموضوعات المتعددة والمتباينة في سردية واحدة متماسكة، باعتبار أن كل شيء في الواقع مترابط. ورغم أن هذا النهج لا يمثل استراتيجية رسمية، فإنه يعطي صورة عن كيفية تصور الإدارة الأمريكية لترابط الملفات وتأثيرها على السياسة الخارجية.

وهذا يُفضي بنا إلى أن عدول ترامبمساء 14 يناير 2026 عن توجيه ضربة عسكرية، لا يُقرأ بوصفه انحسارًا لموجة التصعيد، بل هو انعكاسٌ لإدراكه أن تطور منظومات الدفاع الجوي والقدرات السيبرانية الإيرانية بات يفرض كلفة تقنية وإحراجًا سياسيًا يفوق مكاسب أي هجوم مباشر غير محسوب.

اختبار التماسك بين الآمال والميدان:

على صعيد اختبار التماسك الميداني، كشفت القناة العبرية"كان"عن إخفاق تقديرات الاستخبارات الإسرائيلية والأمريكية في التنبؤ بمسار احتجاجات البازار، إذ نجحت طهران في احتوائها بكفاءة كشفت عن فجوة عميقة بين التوقعات الغربية والواقع على الأرض. وفي هذا الصدد، أشار جون كيرياكو، الضابط السابق في وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (CIA)، إلى أن أنماط الشغب المتبعة في إيران لم تكن تعبيرًا عن احتجاجات شعبية عفوية، بل حملت بصمة تكتيكات إسرائيلية صريحة لا تنسجم مع القوالب التقليدية للحركات الجماهيرية.

وفي السياق ذاته أكد لورنس ويلكرسون، رئيس ديوان وزير الخارجية الأمريكي الأسبق، بأن تحركات كل من جهاز الموساد، ووكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (CIA)، والبريطانية (MI6) داخل الأراضي الإيرانية جرت بدعم مباشر من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. حيث تعاملت هذه الأجهزة مع الداخل الإيراني بوصفه بيئة تشغيلية مأمونة، وهو ما تفسره الدلالات الميدانية لسقوط قتلى خلال التجمعات، بما يعكس حجم الانخراط الخارجي في تأجيج الاضطرابات.

في المقابل مثل نجاح الحكومة الإيرانية في تنفيذ واحدة من أوسع عمليات حجب الإنترنت في التاريخ الحديث، بما في ذلك شل خدمات (ستارلينك) وعزل المستخدمين عن الشبكة العالمية مع الإبقاء على الشبكة الوطنية الانتقائية، تحولًا جوهريًا في مسار المواجهة. هذا الإجراء، الذي وثقته صحيفتا (فايننشال تايمز)، و(نيويورك تايمز)، وموقع (ديفينسون) المعني بأخبار البنتاجون، دفع واشنطن لنقل الصراع إلى مستوى الحرب النفسية الموجهةعبر تكثيف الشائعات العسكرية، بهدف زعزعة الأسواق الاقتصادية واستنزاف الحالة النفسية للشارع الإيراني.

حدود الحرب النفسية بين إيران وأمريكا:

أما في إطار استغلال الزخم الاحتجاجي، فسعى تيار المعارضة الإيرانية بقيادة نجل الشاه، رضا بهلوي، إلى افتعال صراع بين أجنحة النظام الداخلية، لإبقاء فرضية الحرب مهيمنة على المشهد. بيد أن مجلة (Foreign Policy) كشفت زيف ادعاءات بهلوي بشأن انشقاق 50 ألف عنصر من القوات المسلحة في 2025، إذ تبين عقب احتواء احتجاجات البازار أن تلك التصريحات لم تكن سوى استعراض دعائي يفتقر للدليل.

المثير للتأمل هو رد بهلوي اللامبالي حين واجهه مذيع شبكة (CBS) بمسئوليته عن دفع المحتجين نحو حتفهم، مكتفيًا بالقول: هذه حرب، ولها خسائر. ولا شك أن هذا التماهي بين الضغط الأمريكي وتحركات المعارضة يؤكد أن المحرك الأساسي هو حرب نفسية، تستهدف اختبار تماسك النظام الإيراني لا تنفيذ ضربة عسكرية حتمية.

 وفيما يتسابق المحللون على التنبؤ بموعد الهجوم استنادًا إلى تحركات حاملة الطائرات (USS Abraham Lincoln)، أفادت قناة (Fox News) الأمريكية مساء الجمعة 23 يناير 2026، بأن الحاملة لم تدخل بعد نطاق القيادة المركزية (CENTCOM) وبناءً على معطيات المصادر المفتوحة وسرعة تحرك المجموعة الضاربة، فإن وصولها لخليج عمان قد يستغرق أسبوعًا كاملًا، وبالتالي، دحض فرضية الهجوم الوشيك، وكشف زيف الضجيج الإعلامي الموجه.

بنك أهداف الضغط الأمريكي على إيران:

تعكس الوثيقة الاستراتيجية للدفاع الوطني الأمريكية (NDS) في نسختها الأخيرة يناير 2026، استمرار النظرةلإيران بوصفها "تحديًا استراتيجيًا دائمًا"،متجاوزة بذلك موجات التصعيد والضربات المتبادلة في المرحلة الماضية. ويبدو هذا التوصيف امتدادًا مباشرًا لما ورد في وثيقة المعهد اليهودي للأمن القومي الأمريكي عن المعهد اليهودي للأمن القومي الأمريكي (JINSA) في أكتوبر 2025، والمعنونة بـ:البناء على أساس النصر: استراتيجية الولايات المتحدة تجاه إيران بعد حرب الأيام الاثني عشر، والتي دعت صراحةً إلى توظيف القوة العسكرية كأداة مركزية ضمن سياسة الضغط الأقصى الرامية لتغيير نظام الجمهورية الإسلامية.

وقد رسمت الوثيقة ثلاثة مسارات رئيسية لتحقيق هذا الهدف:

أولها- الضغط العسكري والنووي لمنع إيران من إعادة بناء قدراتها الاستراتيجية.

وثانيها- الضغط الاقتصادي والجيوسياسي عبر تكريس العزلة الشاملة.

وثالثها- استثمار الثغرات البنيوية لإضعاف النظام من الداخل.

استنادًا لهذه الخارطة، يمكن فهم التصعيد الأمريكي الراهن، لا سيما بعد احتواء احتجاجات البازار، والذي شمل التلويح باستهداف القيادة العليا للنظام، علي خامنئي، واستثمار الأزمة الاقتصادية وتداعياتها الاجتماعية. وعليه نحن أمام سلوك تصعيدي محسوب، يهدف إلى مواجهة نتائج مرحلة ما بعد حرب الاثني عشر يوما، التي استغلتها إيران لترميم قدراتها الصاروخية، وتعزيز حضورها السيبراني، مع الإبقاء على غموض أنشطتها النووية.

ملامح الردع الانفجاري في الخطاب الإيراني:

لا يقتصر الخطاب الإيراني التصعيدي، الذي وصم دونالد ترامب بالإجرام، وتوعد بردع غير مسبوق على مجرد إعلان الجاهزية العسكرية، بل يتجاوز ذلك ليكون جزءًا من عملية تهيئة نفسية داخلية وإقليمية، تهدف لشرعنة أي تصعيد شامل في حال فُرض خيار إسقاط النظام كأمر واقع.

 ويتضح هذا البعد بجلاء في تصريحات الرئيس الإيراني، مسعود بزشكيان (18 يناير 2026)، وبيان لجنة الأمن القومي بالبرلمان (20 يناير 2026)، اللذين اعتبرا المساس بالمرشد الأعلى، علي خامنئي، بمثابة إعلان حرب ليس على إيران فحسب، بل على العالم الإسلامي بأسره.

في المقابل كشفت مرحلة ما بعد عملية الأسد الصاعد(يونيو 2025) عن مدى تأقلم طهران مع ثغراتها العسكرية التي استغلتها إسرائيل سابقًا. ويتجلى ذلك في تطوير المنظومات الصاروخية والسيبرانية التي باتت تؤرق صناع القرار في واشنطن وتل أبيب، لا سيما مع ترجيحات منصة "ناتسيف نت" العبرية بامتلاك إيران لمنظومتي (S-400) الروسية و (HQ-9B) الصينية المتقدمة (وهي المنظومة ذاتها التي نُشرت سابقا في سيناء المصرية).

في ضوء ذلك يبدو أن كلفة المواجهة العسكرية قد ارتفعت لمستويات دفعت الولايات المتحدة لتوسيع أدوات ضغطها لتشمل الأبعاد الاستخباراتية والنفسية. ومع ذلك فقد أبدت إيران استعدادًا لتحمل أقصى درجات المخاطرة، ففي صلب عقيدتها الأمنية، يُعد بقاء النظام الخط الأحمر الأعلى، وهو ما يبرر التحول من الردع المتدرج إلى استراتيجية الردع الانفجاري عند مواجهة تهديد وجودي لا يحتمل المساومة.

صفقة جرينلاند وتأرجح سيناريوهات التصعيد:

يمكن توصيف صفقة جرينلاند كإشارة مبكرة لرسم ملامح الصدام الأمريكي-الإيراني المرتقب، حيث تُمثل الجزيرة مفتاح السيطرة على مسارات الملاحة الناشئة في المحيطين الأطلسي والقطبي الشمالي نتيجة ذوبان الجليد. هذا إلى جانب كونها ظهيرًا شماليًا حيويًا للولايات المتحدة في أي مواجهة محتملة مع طهران، ورادعًا استراتيجيًا يحول دون قيام روسيا أو الصين بأي تحركات مضادة، سواء على الصعيد العسكري الميداني أو السياسي.

ولعل إعادة تفعيل القيادة العسكرية للقطب الشمالي، ضمن إطار (US Arctic Strategy 2019)، عكس إدراك واشنطن المبكر لتحول المنطقة إلى ساحة صراع استراتيجي بعيد المدى. إذ تبرز قاعدة (Pituffik Space Base) في شمال جرينلاند كعنصر مركزي في منظومة الإنذار الصاروخي المبكر، مما يمنح الولايات المتحدة تفوقًا في إدارة الجبهات البعيدة قبل الانخراط في مواجهة مباشرة مع طهران، مع تعزيز قدراتها على تحييد أي تحركات روسية أو صينية موازية.

كما يُفهم هذا التحرك في سياق التهديدات الإيرانية المتكررة بإغلاق مضيق هرمز، لا سيما بعد عملياتالوعد الصادق 123، وما يتبعها من صدمات في سلاسل التوريد العالمية قد ترفع أسعار المحروقات بنسبة تصل إلى 30% وفق تقديرات وكالة الطاقة الدولية. لهذا عمدت واشنطن إلى استراتيجية تقليل الاعتماد على النفط الخليجي، وتعزيز بدائلها الاستراتيجية، وهو ما تجلى في إحكام سيطرتها على الموارد النفطية في فنزويلا، وسعيها الحثيث لامتلاك جرينلاند بما تحتويه من معادن نادرة وموارد استراتيجية.

ورغم أن الجزيرة لا تمثل حلًا فوريًا، إلا أنها تُشكل حجر الزاوية في شبكة أمان استراتيجية تُمكن واشنطن من إدارة صراعات ممتدة في الشرق الأوسط بهامش مناورة أوسع. علاوة على أن الاستحواذ على الجزيرة سيمثل إعلانًا سياديًا يعيد ضبط موازين النفوذ مع القوى الأوروبية التقليدية، ويحد من قدرة القارة العجوز على ممارسة أي دور وسيط أو مؤثر في الملف الإيراني، مانحًا الإدارة الأمريكية حرية الحركة المطلقة وفق أولوياتها المنفردة.

الخاتمة:

كما أشرنا في مقالنا السابق المعنون بـ: التحكم الرقمي وإعادة تشكيل الحسابات العسكرية الأمريكية تجاه إيران(موقع مجلة السياسة الدولية، 19 يناير 2026)، فقد أدركت القيادة الإيرانية منذ اندلاع احتجاجات البازار أن واشنطن تتهيأ لهندسة نظام عالمي صدامي جديد، تُمثل طهران فيه إحدى العُقد الاستراتيجية الأساسية. ومن هذا المنطلق استثمرت إيران تفوقها الرقمي كأداة مساومة لرفع سقف التفاوض مع واشنطن، قبل أن تُحول هذه القدرات إلى وسيلة ضغط داخلي لتعزيز السيطرة الأمنية واحتواء الاضطرابات.

في المحصلة قد لا تُمثل صفقة جرينلاند نذيرًا لضربة عسكرية فورية، إلا أنها ترسم الإطار الهيكلي للصراع المرتقب، فهي تعكس استراتيجية أمريكية طويلة المدى ترتكز على التضفير بين الضغوط العسكرية، والاقتصادية، والسيبرانية. في المقابل تواصل إيران تعزيز ترسانتها الدفاعية وجاهزيتها النفسية لضمان الصمود أمام أي تهديد وجودي.

بناءً على ما سبق لم يعد الصدام الأمريكي-الإيراني مجرد احتمال عابر، بل تحول إلى اختبار استراتيجي شامل لموازين القوى، يتحدد توقيته وشروطه وفق معادلات دقيقة تتقاطع فيها الحسابات العسكرية، والجيوسياسية، والنفسية.


رابط دائم: