عام ترامب الأول.. بين منطق القوة والصفقات وإعادة تعريف الدور الأمريكي
26-1-2026

لواء دكتور/ أحمد الجيزاوي
* باحث في العلوم السياسية والأمن القومي

  

بعد عام على عودة الرئيس دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، لم يعد ممكنًا التعامل مع التجربة بوصفها مجرد دورة حكم اعتيادية داخل النظام السياسي الأمريكي، بل بات واضحًا أن واشنطن دخلت طورًا جديدًا في تعريف دورها العالمي ووظيفتها الاستراتيجية، فترامب لم يعد ليعيد إنتاج الليبرالية الدولية التي صاغت بها الولايات المتحدة النظام العالمي بعد الحرب العالمية الثانية، ولا ليقود شبكة التحالفات التقليدية بمنطق الالتزام طويل الأمد، وإنما عاد ليؤسس لنهج أكثر صلابة وبراجماتية، يقوم على إعادة ترتيب النفوذ الأمريكي بمنطق القوة المباشرة والصفقة السياسية، لا بمنطق الرسالة القيمية أو عبء القيادة.

يكشف العام الأول من حكم ترامب عن عقيدة ترى أن النفوذ ليس مسئولية دولية بقدر ما هو أداة تفاوضية، وأن إدارة الأزمات أقل كلفة من حلّها، وأن تعظيم المكاسب يتقدم على بناء التوازنات المستقرة، ومن ثم فإن ما شهدته السياسة الأمريكية خلال هذا العام يمكن وصفه بأنه إعادة هندسة شاملة لأولويات الدولة، تبدأ من الداخل الأمريكي، وتمتد إلى المجال الحيوي القريب، ثم إلى ساحات المنافسة الكبرى حيث تتشكل ملامح النظام الدولي الجديد.

داخليًا اتسمت إدارة ترامب بتوسيع استخدام أدوات السلطة التنفيذية لتجاوز بطء الكونجرس وتعقيدات التوازن المؤسسي، بما يعكس رؤية ترى أن الحسم السريع هو معيار القوة في زمن التحولات المتسارعة، وقد مكن هذا النهج الإدارة من فرض أجندتها بسرعة، لكنه في المقابل عمق الانقسام الداخلي وأثار جدلًا حول مستقبل التوافق الديمقراطي في ظل تصاعد النزعة الشعبوية وتراجع المساحات المشتركة داخل المجتمع الأمريكي.

اقتصاديًا، ورغم بعض مؤشرات النشاط، لم تفض السياسات إلى معالجة بنيوية عميقة للاختلالات الهيكلية، إذ واصل الدين الفيدرالي الأمريكي مساره التصاعدي، متجاوزًا حاجز ٣٤تريليون دولار منذ مطلع عام 2024 وفق بيانات وزارة الخزانة الأمريكية، قبل أن يستمر في الارتفاع خلال عامي 2024–2025، بما يعكس استمرار الضغوط الهيكلية على المالية العامة الأمريكية، ويطرح سؤالًا جوهريًا حول قدرة الاقتصاد الأمريكي على الحفاظ على زخمه دون معالجة جذور العجز والتفاوت الاجتماعي طويل المدى.

غير أن جوهر التحول الترامبي يتجلى بوضوح أكبر في السياسة الخارجية، حيث أعادت الإدارة تعريف الأولويات الاستراتيجية من منظور يبدأ من المجال الحيوي القريب قبل الالتفات إلى الأقاليم البعيدة، فأمريكا اللاتينية لم تعامل كساحة هامشية، بل بوصفها الامتداد المباشر للأمن القومي الأمريكي، حيث تداخلت ملفات الهجرة غير النظامية، والجريمة المنظمة، وتدفقات المخدرات مع التمدد الصيني والروسي المتزايد في بنية الإقليم الاقتصادية والسياسية.

وفي هذا السياق برزت فنزويلا بوصفها نموذجًا لصراع الهيمنة على الطاقة داخل المجال التقليدي الأمريكي، إذ استخدمت العقوبات القصوى والدعم السياسي للمعارضة كأدوات ضغط وردع غير مباشر ضد النفوذ الروسي والإيراني، دون الانزلاق إلى تدخل عسكري مباشر، كما لم يكن ملف جرينلاند والقطب الشمالي تفصيلًا عابرًا، بل مؤشرًا على إدراك أمريكي بأن جغرافيا الصراع العالمي المقبلة ستتجه نحو الموارد والمعادن النادرة ومسارات التجارة القطبية، بما يجعل النفوذ في هذه المناطق جزءًا من معادلات القوة القادمة.

أما على مستوى المنافسة الكبرى، فقد احتلت الصين موقع الخصم الاستراتيجي الأول في عقل ترامب، فالصراع معها لم يعد مجرد خلاف تجاري أو نزاع تعريفة جمركية، بل تحول إلى مواجهة شاملة على التكنولوجيا، وسلاسل الإمداد، والصناعات السيادية، وعلى قواعد النظام الاقتصادي العالمي ذاته، وقد استخدمت الإدارة السوق الأمريكية بوصفها أداة تفاوض جيوسياسي عبر الرسوم، والعقوبات، والتقييد الصناعي، في محاولة لإعادة هندسة التجارة الدولية بما يخدم موقع واشنطن، ورغم تحقيق مكاسب تكتيكية، فإن هذه السياسات أسهمت في تسريع انقسام الاقتصاد العالمي إلى تكتلات متنافسة، وأدخلت العالم في مرحلة جديدة من التوتر البنيوي طويل الأمد.

وفي أوروبا لم تعد الولايات المتحدة في عهد ترامب ترى نفسها الضامن المطلق لأمن القارة، بل قوة تسعى إلى تقليص كلفة الالتزام وإعادة توزيع الأعباء على الحلفاء، لذلك أعيد تعريف الدعم الأمريكي لأوكرانيا من التزام مفتوح إلى ضغط باتجاه التسوية وتقاسم المسئوليات مع الاتحاد الأوروبي، أما روسيا فقد جرى احتواؤها ضمن براجماتية مزدوجة تقوم على الردع دون مواجهة شاملة، وترك باب التسويات مفتوحًا دون ثقة كاملة.

وفي الشرق الأوسط تجلت العقيدة الترامبية في أوضح صورها: إدارة الصراع بدل حلّه، ففي غزة تحركت واشنطن ضمن رؤية ما بعد الحرب، عبر تثبيت التهدئة وفتح مسارات إعادة الإعمار، غير أن التحرك ظل محكومًا بأولوية أمن إسرائيل أولًا، وبالتعقيدات البنيوية للشرعية الفلسطينية والانقسام الداخلي، وفي البحر الأحمر واليمن، تقدّم أمن الملاحة الدولية بوصفه أولوية استراتيجية، عبر الردع البحري والتفاهمات التكتيكية، دون معالجة جذرية للأزمات، أما إيران فقد استمرت سياسة الضغط الأقصى والعقوبات، بما أبقى الإقليم في حالة ردع متبادل بدل التوصل إلى تسوية استراتيجية نهائية.

وعلى الضفة الإفريقية بدا واضحًا أن واشنطن تميل إلى نموذج الارتكاز الجيوسياسي بدل الانخراط المباشر واسع الكلفة، وفي هذا السياق برزت مصر بوصفها الركيزة الأهم في الحسابات الأمريكية، لكونها ضامنًا لتوازنات البحر الأحمر وباب المندب، ومحورًا رئيسيًا في ترتيبات غزة وما بعد الحرب، وحاجزًا أمام تمدد القوى المنافسة في القرن الإفريقي، كما تتشكل مصر مع دول الخليج بوصفها محور ارتكاز متكامل: مصر كقلب جغرافي أمني لإدارة الأزمات، والخليج كضلع اقتصادي وردعي مرتبط بالطاقة والاستثمار وإعادة الإعمار.

في المحصلة يؤكد عام ترامب الأول أن الولايات المتحدة تعود بالفعل بمنطق القوة والصفقات، لا بمنطق الالتزامات والقيادة، وقد نجح هذا النموذج في تحقيق مكاسب تكتيكية وتقليص كلفة الانخراط المباشر، لكنه في المقابل يترك سؤالًا استراتيجيًا مفتوحًا: هل تستطيع أمريكا الحفاظ على نفوذها العالمي عبر إدارة الأزمات بدل حلها، وعبر الصفقات بدل القيم، وعبر الردع بدل البناء طويل المدى؟ أم إن هذا النهج يحمل في داخله حدود استدامته، ويدفع النظام الدولي نحو مزيد من الهشاشة والتعدد في مراكز القوة؟

ذلك هو السؤال الذي سيحدد مستقبل أمريكا ترامب.. ومستقبل النظام العالمي بأسره.

  
 


رابط دائم: