إدارة الأزمات الدولية وإعادة تشكيل النظام الدولي.. "القوة العارية" ومنطق الهيمنة
19-1-2026

د. محمد إبراهيم حسن فرج
* دكتوراه العلوم السياسية- كلية الاقتصاد والعلوم السياسية،جامعة القاهرة

يشهد النظام الدولي في المرحلة الراهنة تحولات عميقة لم تعد تُدار بمنطق القواعد والمؤسسات بقدر ما تُدار بمنطق القوة العارية، حيث باتت الأزمات الدولية تُوظَّف كأدوات لإعادة إنتاج الهيمنة لا كإشكاليات يُراد احتواؤها أو حلّها. وفي قلب هذا التحول، تبرز السياسة الأمريكية بوصفها الفاعل الأكثر استخدامًا للقوة الصلبة، والضغط الاقتصادي، والردع السياسي، في صياغة مسارات الأزمات الدولية بما يخدم إعادة تشكيل توازنات النظام العالمي وفق مصالحها الاستراتيجية.

لقد شهدت العقود الأخيرة تراجعًا ملحوظًا في الخطاب القيمي الذي طالما رافق السياسة الخارجية الأمريكية، مقابل صعود منطق براجماتي يقوم على الإكراه، والانتقائية في تطبيق القانون الدولي، وتحويل مفاهيم، مثل الديمقراطية وحقوق الإنسان إلى أدوات توظيف سياسي. ومع تنامي التحديات التي تواجه الهيمنة الأمريكية، سواء من قوى دولية صاعدة أو من أنظمة رافضة للانخراط في النسق الغربي، أصبحت إدارة الأزمات هي الآلية المفضلة لواشنطن للحفاظ على موقعها القيادي، بدلًا من السعي إلى تسويات مستقرة أو نظم أمن جماعي حقيقية.

في هذا السياق يتناول هذا المقال مفهوم القوة العارية ومنطق الهيمنة الأمريكية من خلال تحليل كيفية إدارة الولايات المتحدة للأزمات الدولية في مناطق مختلفة من العالم، مثل فنزويلا، وإيران، وشرق أوروبا، وشرق آسيا، وصولًا إلى القضايا الجيوسياسية الجديدة المرتبطة بالموارد والممرات الاستراتيجية. ويسعى المقال إلى تفكيك الأدوات والآليات التي تعتمدها واشنطن في إدارة هذه الأزمات، وبيان انعكاساتها على بنية النظام الدولي، وعلى مستقبل الاستقرار العالمي في ظل تآكل منظومة القواعد وتغليب منطق القوة على منطق الشرعية.

الإطار المفاهيمي والنظري:

يشكّل مفهوم القوة العارية أحد أكثر المفاهيم تعبيرًا عن التحولات الراهنة في بنية العلاقات الدولية، حيث يُقصد به الاستخدام المباشر وغير المغلّف لأدوات القوة الصلبة، السياسية، والاقتصادية، والعسكرية، بعيدًا عن الأطر القيمية أو الاعتبارات الأخلاقية التي ميزت خطاب القوة الناعمة والقوة الذكية في مراحل سابقة. فبينما سعت الولايات المتحدة لعقود إلى توظيف الجاذبية الثقافية، والمؤسسات الدولية، والتحالفات، كوسائل لتكريس نفوذها، يشهد النظام الدولي اليوم انتقالًا واضحًا نحو ممارسة القوة المباشرة، بما يعكس تراجع الثقة في الأدوات غير القسرية وقدرتها على ضمان استمرار الهيمنة.

ويرتبط هذا التحول ارتباطًا وثيقًا بأطروحات الواقعية الهجومية، التي ترى أن الدول الكبرى، في بيئة دولية فوضوية، تسعى دائمًا إلى تعظيم قوتها النسبية ومنع صعود منافسين محتملين. وفي هذا الإطار تصبح الهيمنة غاية بحد ذاتها، لا وسيلة لتحقيق الاستقرار، وهو ما يفسر لجوء الولايات المتحدة إلى منطق الإكراه بدلًا من التوافق، وإلى إدارة الأزمات بدلًا من تسويتها. فالقوة العارية، وفق هذا المنظور تمثل التعبير العملي عن سعي القوة المهيمنة إلى الحفاظ على تفوقها في مواجهة عالم يتجه نحو تعددية قطبية متزايدة.

وقد مرّ مفهوم الهيمنة الأمريكية بتحولات جوهرية منذ نهاية الحرب الباردة؛ فخلال مرحلة الأحادية القطبية، ارتكزت الهيمنة على مزيج من القيادة المؤسسية، ووضع القواعد، وتقديم الولايات المتحدة نفسها كضامن للنظام الدولي الليبرالي. غير أن هذا النمط بدأ في التآكل مع تصاعد الأزمات الدولية، وظهور قوى كبرى منافسة، مما دفع واشنطن إلى الانتقال من الهيمنة بالقواعد إلى الهيمنة بالإكراه، حيث لم تعد القواعد الدولية أداة لتنظيم السلوك الدولي بقدر ما أصبحت وسيلة انتقائية تُستخدم أو تُهمّش وفقًا لمقتضيات المصلحة الأمريكية.

وفي هذا السياق تبرز إدارة الأزمات الدولية كأداة مركزية في الاستراتيجية الأمريكية المعاصرة، ليس بهدف الاحتواء أو الحل، بل بغرض التحكم في مسارات الصراع وإعادة ضبط التوازنات الدولية. فالفرق الجوهري بين إدارة الأزمات وحلّها يكمن في أن الأولى تُبقي جذور الصراع قائمة، بما يسمح باستخدام الأزمة كورقة ضغط دائمة، في حين تسعى الثانية إلى إنهاء أسباب التوتر بشكل جذري. وبذلك تتحول الأزمات الدولية إلى وسائل لإعادة تشكيل النظام الدولي، وإعادة ترتيب مراكز القوة داخله، بما يضمن استمرار التفوق الأمريكي، حتى وإن كان ذلك على حساب الاستقرار العالمي ومنظومة الشرعية الدولية.

التحول في السياسة الأمريكية.. من القيم إلى البراجماتية الصلبة:

شهدت السياسة الخارجية الأمريكية خلال السنوات الأخيرة تحولًا لافتًا من خطاب يقوم، ظاهريًا، على الترويج للديمقراطية وحقوق الإنسان، إلى ممارسة براجماتية صلبة تُقدِّم المصلحة القومية وتعظيم النفوذ على أي اعتبارات قيمية. فقد تراجع توظيف القيم الليبرالية بوصفها إطارًا ناظمًا للسلوك الخارجي، ليحل محلّه استخدام انتقائي ومصلحي، تُستدعى فيه القيم حين تخدم الأهداف الاستراتيجية، وتُهمَّش حين تتعارض معها. هذا التراجع أسهم في إضعاف المصداقية الأخلاقية للولايات المتحدة، وكشف التناقض بين الخطاب والممارسة في إدارة الأزمات الدولية.

وفي هذا السياق برز منطق الصفقة والابتزاز السياسي بوصفه سمة رئيسية في السياسة الأمريكية، ولا سيما خلال عهد الرئيس دونالد ترامب، حيث جرى التعامل مع القضايا الدولية بمنطق رجل الأعمال لا بمنطق رجل الدولة. فقد أُعيد تعريف العلاقات مع الحلفاء والخصوم على حد سواء وفق معادلة الربح والخسارة، واستخدام أدوات مثل العقوبات، والتهديد بسحب الحماية الأمنية، والضغط الاقتصادي، كوسائل لإجبار الأطراف الأخرى على الانصياع للإرادة الأمريكية. وقد مثّل هذا النهج انتقالًا واضحًا من الدبلوماسية التوافقية إلى دبلوماسية الإكراه المباشر.

كما أعادت الولايات المتحدة، في إطار هذا التحول، تعريف مفهوم السيادة الوطنية على نحو انتقائي، حيث بات احترام سيادة الدول مرهونًا بدرجة توافقها مع المصالح الأمريكية. فالدول الحليفة تحظى بمرونة واسعة في تجاوز القواعد الدولية، بينما تُفرض على الدول المناوئة قيود صارمة تحت ذرائع مختلفة، مثل مكافحة الإرهاب أو حماية الأمن الدولي. وبهذا المعنى لم تعد السيادة مبدأً ثابتًا في النظام الدولي، بل أداة سياسية تُستخدم للضغط أو للحماية بحسب موقع الدولة في منظومة التحالفات الأمريكية.

ويكتمل هذا التحول من خلال توظيف القانون الدولي كأداة انتقائية، إذ لم يعد القانون إطارًا جامعًا لتنظيم العلاقات بين الدول، بل وسيلة لتكريس موازين القوة القائمة. فالولايات المتحدة تلجأ إلى المؤسسات الدولية حين تخدم قراراتها مصالحها، وتتجاوزها أو تعرقلها حين تشكّل قيدًا على حركتها، مستخدمةً نفوذها السياسي والاقتصادي، وحق النقض في مجلس الأمن، لتعطيل أي مسار لا يتسق مع أولوياتها الاستراتيجية. ويعكس هذا السلوك انتقال السياسة الأمريكية من منطق القيادة إلى منطق السيطرة، ومن الالتزام بالقواعد إلى إعادة صياغتها بالقوة.

فنزويلا كنموذج للعقاب السياسي والاقتصادي:

تمثل فنزويلا إحدى أبرز الحالات التي تجسّد توظيف الولايات المتحدة للقوة العارية في إدارة الأزمات الدولية، حيث تحولت الدولة الغنية بالموارد النفطية إلى ساحة مفتوحة للعقاب السياسي والاقتصادي المنهجي. فالأهمية الجيوسياسية لفنزويلا لا تنبع فقط من امتلاكها أحد أكبر احتياطيات النفط في العالم، بل من موقعها في قلب أمريكا اللاتينية، وهي منطقة لطالما اعتبرتها واشنطن مجالًا حيويًا تقليديًا لنفوذها. ومن ثم فإن خروج كاراكاس عن النسق السياسي والاقتصادي الذي ترعاه الولايات المتحدة شكّل تحديًا مباشرًا لمنطق الهيمنة الأمريكية في الإقليم.

وفي هذا الإطار اعتمدت واشنطن حزمة متكاملة من أدوات الضغط، شملت العقوبات الاقتصادية الشاملة، والعزل الدبلوماسي، والملاحقات القانونية والاعتقالات، في محاولة لإضعاف الدولة الفنزويلية من الداخل وإعادة تشكيل بنيتها السياسية. ويأتي اعتقال رئيس فنزويلا في هذا السياق بوصفه رسالة ردع مزدوجة؛ داخليًا لتجفيف مصادر القوة لدى النظام، وإقليميًا لتحذير أي قوى سياسية أو دول مجاورة من مغبة تحدي الإرادة الأمريكية. فالاعتقال هنا لا يُفهم باعتباره إجراءً قانونيًا بحتًا، بل كأداة سياسية ضمن استراتيجية أوسع لإخضاع الدولة.

كما سعت الولايات المتحدة إلى إسقاط الشرعية السياسية عن القيادة الفنزويلية من خلال الاعتراف ببدائل سياسية موالية، والعمل على إعادة إنتاج نخب حاكمة منسجمة مع المصالح الأمريكية. وقد ترافقت هذه الجهود مع خطاب إنساني وإغاثي، استُخدم لتبرير التدخل والضغط، رغم أن السياسات المتبعة أسهمت في تعميق الأزمة الاقتصادية والمعيشية للشعب الفنزويلي، مما يعكس التناقض بين الخطاب المعلن والأهداف الفعلية.

وتتجاوز دلالات الحالة الفنزويلية حدودها الوطنية، إذ تحولت إلى نموذج تحذيري لدول أمريكا اللاتينية الخارجة عن النسق الأمريكي، مفاده أن الاستقلال في القرار السياسي أو الاقتصادي ستكون كلفته مرتفعة. وبهذا المعنى لا تُعد فنزويلا حالة استثنائية، بل مثالًا تطبيقيًا لمنطق القوة العارية، حيث تُستخدم الأزمات الداخلية وسيلة لإعادة فرض الهيمنة الأمريكية، وترسيخ الانضباط الإقليمي في مواجهة أي محاولات للتمرد على النظام الدولي الذي تقوده واشنطن.

إيران وإدارة الصراع دون حرب:

تُعد الحالة الإيرانية نموذجًا مركزيًا في الاستراتيجية الأمريكية القائمة على إدارة الصراع دون الانزلاق إلى حرب شاملة، حيث تمثل إيران أحد أبرز التحديات الجيوسياسية للنفوذ الأمريكي في الشرق الأوسط. فالأهمية الاستراتيجية لإيران لا ترتبط فقط بقدراتها العسكرية أو برنامجها النووي، بل بدورها الإقليمي المتشابك، وشبكة تحالفاتها، وقدرتها على التأثير في ممرات الطاقة وأمن الخليج، وهو ما يجعلها فاعلًا لا يمكن تجاهله في معادلات القوة الإقليمية والدولية.

في هذا السياق اعتمدت الولايات المتحدة سياسة العقوبات القصوى بوصفها الأداة الرئيسية للضغط، في إطار ما يُعرف بسياسة حافة الهاوية، حيث يجري تصعيد الضغوط الاقتصادية والمالية إلى أقصى حد ممكن دون الوصول إلى مواجهة عسكرية مباشرة. وقد هدفت هذه السياسة إلى إنهاك الاقتصاد الإيراني، وتقويض قدرته على تمويل أدواره الإقليمية، ودفعه في الوقت ذاته إلى تقديم تنازلات استراتيجية، مع الإبقاء على مستوى من الغموض يسمح بإدارة التوتر بدلًا من حسمه.

وإلى جانب العقوبات لجأت واشنطن إلى الردع الاقتصادي والعسكري غير المباشر، من خلال تعزيز الوجود العسكري في المنطقة، ودعم الحلفاء الإقليميين، وتنفيذ ضربات محدودة أو عمليات أمنية انتقائية، تُستخدم لإرسال رسائل ردع محسوبة. ويعكس هذا النهج إدراكًا أمريكيًا لتكلفة الحرب المباشرة مع إيران، مقابل فاعلية استنزافها عبر ضغوط طويلة الأمد تُبقيها في حالة دفاع دائم.

كما تم توظيف الأزمات الإقليمية المرتبطة بإيران، سواء في الخليج، أو العراق، أو اليمن، كمسارح فرعية لإدارة الصراع، حيث تُدار هذه الملفات بطريقة تمنع الانفجار الشامل، لكنها تُبقي مستوى التوتر مرتفعًا بما يخدم إعادة ضبط التوازنات الإقليمية. وفي هذا الإطار تتحول إيران إلى أزمة دائمة لا يُراد حلّها، بل تُستخدم كعامل استقرار سلبي، يبرر الوجود العسكري الأمريكي، ويُعيد إنتاج التحالفات، ويكرّس منطق القوة العارية في إدارة الشرق الأوسط.

وتكشف هذه المقاربة أن السياسة الأمريكية تجاه إيران لا تستهدف إنهاء الصراع بقدر ما تسعى إلى التحكم في إيقاعه وحدوده، بما يضمن استمرار النفوذ الأمريكي، ويحول دون بروز إيران كقوة إقليمية قادرة على كسر معادلات الهيمنة القائمة.

جرينلاند وعودة الجغرافيا السياسية الصلبة:

تمثل قضية جرينلاند نموذجًا واضحًا لتطبيق منطق القوة العارية في سياق التنافس الجيوسياسي الحديث، حيث لم تعد الأولوية مجرد القيم أو الاعتبارات القانونية، بل السيطرة على الموارد الحيوية والممرات الاستراتيجية. فجغرافيا جرينلاند وموقعها بين المحيط الأطلسي والقطب الشمالي جعلها نقطة محورية في حسابات النفوذ الأمريكي، خاصة في ظل تنامي المنافسة مع قوى كبرى، مثل روسيا والصين اللتين تسعيان أيضًا إلى توسيع حضورهما في القطب الشمالي من خلال استغلال الموارد الطبيعية وفتح ممرات ملاحية جديدة.

وترتبط أهمية جرينلاند ليس فقط بالموارد المعدنية والنفطية، ولكن أيضًا بالقدرات العسكرية والاستراتيجية التي يوفرها موقعها، حيث يمكن استخدامها كقاعدة للتحكم في الممرات البحرية، ومراقبة النشاط العسكري للدول الأخرى، وتعزيز القدرة الأمريكية على الردع في المنطقة. ومن هذا المنطلق، يصبح الحديث عن منطق الضم أو شراء الأراضي في القرن الحادي والعشرين انعكاسًا لفلسفة القوة العارية، التي تعطي الأولوية للمصالح الجيوسياسية على أي اعتبارات سيادية أو قانونية.

كما تعكس هذه القضية تراجع احترام سيادة الدول الصغيرة، إذ يتم التعامل مع القضايا السيادية ليس كحقوق ثابتة، بل كأداة سياسية يمكن توظيفها وفق مصالح القوى الكبرى. ويؤكد ذلك أن الولايات المتحدة، من خلال سياسات الضغط والمفاوضات غير المتكافئة، تسعى إلى ضمان نفوذ مستدام في مناطق استراتيجية، حتى ولو تطلب ذلك تجاوز القواعد الدولية أو المساس بالاستقلال الداخلي للدول المعنية.

وبالتالي تتحول جرينلاند من مجرد أرخبيل جغرافي إلى رمز للصراع على الموارد والنفوذ، يعكس بوضوح كيف يمكن للقوة العارية أن تتحول إلى أداة مركزية في إعادة رسم خرائط الهيمنة الأمريكية على المستوى العالمي.

توسيع نطاق القوة العارية.. أزمات دولية إضافية كمساحات لإعادة إنتاج الهيمنة:

لم تعد ممارسة القوة العارية في السياسة الأمريكية محصورة في مناطق بعينها، بل اتسعت لتشمل أزمات دولية متعددة تُستخدم كمساحات لإعادة إنتاج الهيمنة وإعادة ضبط موازين القوة على المستوى العالمي. فالأزمة الأوكرانية تمثل نموذجًا واضحًا لإدارة الصراع بالوكالة، حيث لجأت واشنطن إلى دعم كييف اقتصاديًا وعسكريًا، مستنزفةً خصومها الرئيسيين، ولا سيما روسيا، دون الانخراط المباشر في مواجهة شاملة، مما يظهر القدرة على استخدام الأزمة كورقة استراتيجية دائمة دون إشعال حرب مباشرة.

وفي شرق آسيا تظهر تايوان وبحر الصين الجنوبي كنماذج لتطبيق سياسة الردع المتقدم، حيث تعمل الولايات المتحدة على تطويق الصعود الصيني عبر تعزيز التحالفات الإقليمية والوجود العسكري، ورفع مستوى التوتر الاستراتيجي، دون اللجوء إلى مواجهة مفتوحة، مما يعكس استخدام الأزمات كأداة لإدارة النفوذ وتحقيق أهداف طويلة الأمد.

أما في الشرق الأوسط، فتجسّد قضية غزة وإسرائيل سياسة ازدواجية المعايير، إذ توفر واشنطن غطاءً سياسيًا وعسكريًا لإسرائيل، وتستخدم حق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن لتعطيل أي مساءلة دولية، مما يحوّل القانون الدولي إلى أداة انتقائية لخدمة المصالح الأمريكية. وفي الوقت نفسه يتم تبرير التدخلات والضغوط بخطاب إنساني وسياسي، يعكس التناقض بين الأهداف المعلنة والوسائل الفعلية.

كما يظهر الانسحاب الأمريكي من أفغانستان نموذجًا لإدارة الفوضى، إذ يتيح الاحتفاظ بنفوذ استراتيجي ضمن إطار محدود، مع إعادة توزيع الأعباء الأمنية على الفاعلين الإقليميين، دون التخلي عن القدرة على التأثير في مسار الأحداث.

توضح هذه الأمثلة أن القوة العارية أصبحت أداة بنيوية في السياسة الأمريكية، تُوظَّف لإدارة الأزمات الدولية بطريقة تحافظ على الهيمنة، وتضمن استمرار التفوق الاستراتيجي، مع إبقاء الصراعات تحت السيطرة دون الوصول إلى تسوية شاملة، مما يعكس تحوّل الأزمات من ظروف استثنائية إلى أدوات مركزية في رسم سياسات النفوذ الأمريكي على المستوى العالمي.

أدوات القوة العارية في الاستراتيجية الأمريكية:

تستخدم الولايات المتحدة مجموعة متكاملة من أدوات القوة العارية لإدارة أزماتها الدولية والحفاظ على تفوقها الاستراتيجي، بحيث تتراوح بين الضغط الاقتصادي المباشر، والتحرك العسكري المحدود، إلى التأثير على المؤسسات الدولية، وهو ما يعكس تنوع الوسائل وتكاملها ضمن استراتيجية واحدة.

أول هذه الأدوات هي العقوبات الاقتصادية الشاملة، التي تُوظف لإضعاف الدول المستهدفة، سواء عبر تجميد الأصول، أو قطع الوصول إلى الأسواق العالمية، أو استهداف قطاعات حيوية، مثل الطاقة والمالية. فالعقوبات لا تقتصر على تقييد الموارد الاقتصادية، بل تمتد لتؤثر على القدرة السياسية للدول على اتخاذ قرارات مستقلة، مما يجعلها أداة ضغط فعالة دون الحاجة لاستخدام القوة العسكرية المباشرة.

أما الاعتقالات والملاحقات العابرة للحدود، فهي تمثل وسيلة أخرى لممارسة الضغط السياسي على القادة والنخب المعنية، كما ظهر في حالات مثل فنزويلا، حيث يُستهدف القادة من خلال تهم قانونية وسياسية، لتوجيه رسالة ردع داخليًا وإقليميًا، ولخلق بيئة من الخوف والسيطرة السياسية.

وفي المجال العسكري تستخدم الولايات المتحدة القوة المحدودة والضربات الجراحية، وهي عمليات عسكرية محسوبة تهدف إلى توجيه ضربات استراتيجية محددة دون الانخراط في صراع شامل، كما يتضح في بعض التدخلات في الشرق الأوسط وآسيا. وترافق هذه العمليات الحرب النفسية والإعلامية، التي تُستخدم لتشكيل الرأي العام العالمي والمحلي، وتعزيز الضغط على الخصوم عبر بث رسائل الردع والتأثير على مواقف الدول الأخرى.

أخيرًا يعد التحكم في المؤسسات الدولية أداة مركزية أخرى، حيث تستغل واشنطن مواقعها في الأمم المتحدة، والبنك الدولي، وصندوق النقد، وغيرها من الهيئات لتوجيه القرارات الدولية بما يتوافق مع مصالحها، سواء من خلال الفيتو، أو الضغط الاقتصادي، أو صياغة المعايير التي تحكم سلوك الدول.

توضح هذه الأدوات مجتمعة كيف تتحول القوة العارية إلى استراتيجية متكاملة متعددة الأبعاد، تجمع بين الاقتصاد، والسياسة، والقوة العسكرية، والنفوذ المؤسسي، بما يضمن للولايات المتحدة القدرة على إدارة الأزمات الدولية بشكل يحافظ على هيمنتها ويديم تفوقها الاستراتيجي في النظام الدولي.

أثر القوة العارية على النظام الدولي:

لقد ترك توظيف القوة العارية في السياسة الأمريكية أثرًا عميقًا على بنية النظام الدولي واستقراره، حيث أدى التركيز على الإكراه والضغط الانتقائي إلى تآكل شرعية المؤسسات الدولية وإضعاف قواعد النظام القائم. فحين تصبح القوة أداة رئيسية لتحديد النتائج السياسية والاقتصادية، تقل قدرة القانون الدولي على ضبط السلوك بين الدول، وتتحول القرارات الدولية إلى انعكاس لمصالح القوى الكبرى بدلاً من معيار موضوعي للعدالة والإنصاف.

ويترتب على هذا التوجه تصاعد الفوضى وعدم الاستقرار في العديد من المناطق، إذ تؤدي الأزمات المستمرة المدارة جزئيًا إلى خلق بيئات مضطربة تفتقر إلى حلول نهائية، مما يحول الأزمات إلى حالات مستمرة يمكن استغلالها لأغراض استراتيجية. وقد دفع هذا الوضع بعض الدول إلى تعزيز قدراتها العسكرية والدبلوماسية، وتشكيل تحالفات بديلة، بهدف مواجهة النفوذ الأمريكي أو تقليل التبعية له، مما يعكس ظهور ديناميات جديدة في الصراع الدولي.

إضافة إلى ذلك ساهم اعتماد القوة العارية في صعود قوى موازنة كبرى، أبرزها الصين وروسيا، بالإضافة إلى تكتلات إقليمية متعددة، تسعى لتقديم بدائل أو مقاومة للهيمنة الأمريكية. هذا التنافس الجديد يشير إلى أن القوة العارية الأمريكية لم تعد مطلقة، بل تواجه تحديات مستمرة قد تعيد تشكيل موازين القوة في النظام الدولي، وتفرض على الولايات المتحدة البحث عن وسائل جديدة للحفاظ على نفوذها.

وبالتالي يمكن القول إن استخدام القوة العارية، رغم فعاليته في السيطرة على الأزمات قصيرة المدى، يولّد آثارًا هيكلية طويلة المدى على الشرعية، والاستقرار، وتوازن القوى الدولي، ويجعل النظام العالمي أكثر هشاشة وتعقيدًا في آن واحد.

مستقبل النظام الدولي في ظل الهيمنة الأمريكية:

يمثل المستقبل القريب للنظام الدولي تحديًا مركبًا في ظل اعتماد الولايات المتحدة على منطق القوة العارية كأداة أساسية لإدارة الأزمات والحفاظ على الهيمنة. يطرح هذا الواقع تساؤلات حول طبيعة النظام الدولي المقبل، وهل سنشهد استمرار الهيمنة الأمريكية المطلقة، أم صعود تعددية قطبية مضطربة، أو حتى فوضى دولية مُدارة تنبثق من محاولات القوى الكبرى السيطرة على مسارات الأزمات دون الوصول إلى تسويات نهائية.

أحد السيناريوهات المحتملة هو استمرار الهيمنة الأمريكية، حيث تواصل واشنطن استخدام القوة الاقتصادية، والعسكرية، والسياسية لإبقاء الخصوم تحت الضغط، مع استغلال الأزمات الإقليمية كأدوات لضمان التفوق الاستراتيجي. لكن هذا السيناريو يواجه قيودًا متزايدة، منها صعود قوى موازنة، مثل الصين وروسيا، وتنامي دور التحالفات الإقليمية التي تحاول تحدي النفوذ الأمريكي مما يقلل من منطلق السيطرة.

السيناريو الثاني يتعلق بـتعددية قطبية مضطربة، حيث يصبح النظام الدولي أكثر انقسامًا بين قوى كبرى تنافسية، كل منها يسعى لتوسيع نفوذه، مما يزيد احتمالات الاحتكاك المباشر أو غير المباشر، ويجعل إدارة الأزمات أكثر تعقيدًا. وفي هذا الإطار تصبح الأزمات الدولية أدوات ليس فقط لإعادة إنتاج الهيمنة، بل أيضًا لتوليد ديناميات جديدة للصراع الدولي.

أما السيناريو الثالث، فهو فوضى دولية مُدارة، تتمثل في استمرار الولايات المتحدة باستخدام القوة العارية لإعادة ضبط التوازنات بشكل انتقائي، مع بقاء مناطق النزاع دون حلول نهائية، مما يخلق بيئة مضطربة يسمح فيها لكل طرف بالتحرك وفق مصالحه. وهذا السيناريو يعكس أن القوة العارية قد تحقق أهدافًا قصيرة المدى، لكنها لا توفر استقرارًا دائمًا، بل تولّد نظامًا دوليًا هشًا يعتمد على الضغط المستمر وإعادة التوازن الجزئية.

وبالتالي فإن مستقبل النظام الدولي سيظل مرتبطًا بمدى قدرة الولايات المتحدة على موازنة استخدام القوة العارية مع إدارة التحديات الدولية، وفي الوقت نفسه قدرة القوى الموازية على إعادة تشكيل مراكز النفوذ، وهو ما يجعل توقع الاستقرار العالمي أمرًا معقدًا وغير مؤكد في المدى المتوسط والبعيد.

الخلاصة والاستنتاجات:

يتضح من خلال هذا التحليل أن القوة العارية أصبحت عنصرًا مركزيًا في السياسة الأمريكية لإدارة الأزمات الدولية والحفاظ على الهيمنة، حيث تمثل أداة مرنة ومتعددة الأبعاد تجمع بين القوة الاقتصادية، والسياسية، والعسكرية، والنفوذ المؤسسي. وقد أظهرت الأمثلة من فنزويلا، وإيران، وجرينلاند، وأزمات إضافية، مثل أوكرانيا وتايوان، أن استخدام القوة العارية لا يهدف بالضرورة إلى حل الأزمات، بل إلى إعادة ضبط التوازنات بما يضمن استمرار التفوق الأمريكي في النظام الدولي.

كما أبرز البحث أن هذا النهج أسفر عن تآكل الشرعية الدولية وتصاعد الفوضى وعدم الاستقرار، إذ جعل القانون الدولي والأعراف الدولية أدوات انتقائية تخدم مصالح القوة العظمى، ودفع الدول الأخرى إلى تطوير قدراتها العسكرية، وبناء تحالفات موازية، وصعود قوى موازنة، مثل الصين وروسيا، مما يخلق بيئة دولية أكثر تنافسية وحساسية.

في ضوء ذلك يمكن استنتاج أن القوة العارية ليست أداة ظرفية بل منطق دائم في الاستراتيجية الأمريكية، وأن إدارة الأزمات الدولية أصبحت بديلًا عن النظام القائم على القواعد، بما يعكس تحوّل السياسة الدولية من إدارة استقرار إلى إدارة نفوذ وصراعات جزئية. ومن هنا تنبثق الحاجة إلى إعادة تعريف مفاهيم الأمن والاستقرار العالمي، بما يتوافق مع الواقع الجديد الذي تفرضه القوة العارية، ويضمن قدرة المجتمع الدولي على مواجهة تداعيات الهيمنة والإكراه في المستقبل.

 


رابط دائم: