الشراكة المحورية المصرية-الأمريكية.. رؤية استراتيجية لإدارة الإقليم في لحظة التحول الدولي
19-1-2026

لواء دكتور/ أحمد الجيزاوي
* باحث في العلوم السياسية والأمن القومي

لم تكن الرسالة التي وجهها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى القاهرة، ولا الرد الذي صدر عن الرئيس عبدالفتاح السيسي عليها، حدثًا دبلوماسيًا تقليديًا يمكن وضعه في خانة البروتوكول، فالمراسلة، في مضمونها وتوقيتها، كشفت عن تقاطع استراتيجي محسوب بين رؤية أمريكية تعيد ترتيب أدواتها في الإقليم، ورؤية مصرية واعية تحسن إدارة الدور وحدوده دون تفريط في الاستقلال أو السيادة.

وقد جمعت الرسالة بين ملفين شديدي الحساسية: غزة وسد النهضة. وهذا الجمع لا يقرأ بوصفه ضمًا لملفين متزامنين، بل باعتباره اختبارًا لإطار شراكة يقوم على إدارة الأزمات عبر شركاء محوريين بدلًا من التدخل المباشر واسع الكلفة، غير أن القاهرة لم تتعامل مع هذا الطرح كعرض جاهز للدور، بل كمعادلة لا تُقاس بحجم ما يُطلب أو يُعرض، وإنما بقدرة الدولة على توجيه الانخراط بما يخدم مصالحها القومية طويلة الأمد.

في خلفية هذا المشهد، يظهر التحوّل البنيوي في المقاربة الأمريكية: انتقال من نموذج القيادة المنفردة إلى نموذج الإدارة عبر الشركاء، فبعد سنوات من الانخراط العسكري والسياسي المكلف، باتت واشنطن أكثر ميلًا لتقليص حضورها المباشر، وإعادة تعريف هدف التدخل نفسه، إذ لم تعد الغاية حسم الصراعات أو فرض تسويات نهائية، بل إدارة الصراعات ضمن مستويات من "استقرار قابل للاستمرار"، تمنع الانفجار دون استنزاف الموارد أو التورط في مستنقعات ممتدة، ويوازي ذلك تفضيل واضح للتموضع الانتقائي في مناطق الارتكاز الجيوسياسي، مع الاعتماد على دول تجمع بين الاستقرار المؤسسي، والقدرة التشغيلية، والقبول الإقليمي.

ضمن هذا الإطار تبرز مصر بوصفها الشريك الأكثر قابلية لأداء دور محوري في إدارة الإقليم، لا بحكم القرب السياسي فحسب، بل لأنها تجمع عناصر يصعب اجتماعها في فاعل إقليمي آخر: ثقل استراتيجي حقيقي، واتزان في السلوك الخارجي، وموقع جغرافي وظيفي يربط بين غزة، والبحر الأحمر، وحوض النيل، والعمق الإفريقي، إلى جانب شبكة علاقات إفريقية تعزز الشرعية، وقدرة عملية ملموسة على الأرض في ملفات التهدئة، والمعابر، والمساعدات، والوساطة، ومن ثمّ لا ينظر إلى مصر في الحسابات الأمريكية باعتبارها بديلًا عن الفاعل الأمريكي أو وكيلًا عنه، بل شريكًا يعول عليه في ترجمة الرؤية العامة إلى إدارة عملية للأزمات، ضمن معادلة تحفظ استقلال القرار وتكافؤ المصالح.

في ملف غزة، تعكس المقاربة الأمريكية إدراكًا بأن الحلول النهائية مؤجلة، وأن الأولوية باتت لمنع الانفجار وإدارة التداعيات، وهنا يتأكد الدور المصري كضامن للتهدئة، وبوابة للمساعدات، ووسيط يضبط التوازنات في بيئة إقليمية شديدة التعقيد، دون الانخراط في أزمات الحكم أو أعباء الأمن المباشر، غير أن القاهرة تدرج هذا الدور ضمن رؤية أوسع: رفض التهجير القسري، ورفض تحويل غزة إلى عبء إداري دائم، وربط أي انخراط بترتيبات سياسية وأمنية واضحة، بما يمنع تحول الدور إلى إدارة أزمة مفتوحة بلا أفق.

أما إدراج ملف سد النهضة، فيعكس إدراكًا أمريكيًا متزايدًا لأهمية القرن الإفريقي وحوض النيل في معادلات الاستقرار والتنافس الدولي، وبالنسبة لمصر، يظل الأمن المائي قضية وجودية غير قابلة للمساومة، ومن ثمّ جاء الترحيب بالوساطة الأمريكية مشروطًا بأن تكون جزءًا من رؤية استراتيجية شاملة لإدارة الإقليم، لا مجرد آلية لتأجيل الخلاف.

ويكشف الردّ المصري في جوهره عن شراكة مقبولة لكنها معرفة: تعاون دون تفويض مفتوح، وإدارة للإقليم لا تعني تحمل أعباء الآخرين، وشراكة تقوم على التوازن وتكافؤ المصالح لا التبعية أو الاستنزاف، ومن هنا تبرز أسئلة الاستدامة بوصفها معيار الحكم الحقيقي: هل تترجم الشراكة إلى مكاسب سياسية واقتصادية ملموسة؟ وهل تؤسَّس مؤسسيًا بما يجعلها أقل تأثرًا بتغيّر الإدارات في واشنطن؟ وهي أسئلة لا تتعلق بالشراكة وحدها، بل بموقع مصر في معادلة الإقليم المقبلة.

في المحصلة، نحن أمام تقاطع رؤى لا تبادل أدوار: الولايات المتحدة تبحث عن إدارة أكثر كفاءة للإقليم، ومصر ترسخ دورًا متوازنًا يحفظ الاستقرار والسيادة معًا، وفي هذا التقاطع، لا يعاد رسم الدور المصري من الخارج، بل تدار الشراكة بعقل استراتيجي يحسب الكلفة قبل الدور، ويقيس العائد قبل الالتزام، ويجعل من السيادة شرط الفاعلية لا عائقها.


رابط دائم: