من "مبدأ مونرو" إلى "مبدأ دونرو".. تطور استراتيجية النفوذ الأمريكي وأثرها على جغرافيا الطاقة العالمية
13-1-2026

نشوى عبد النبى
* باحث متخصص فى الدراسات اللوجستية- مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء

مبدأ "دونرو":

مبدأ "دونرو"  (The Donroe Doctrine)ليس عقيدة رسمية مدوّنة في وثائق السياسة الخارجية الأمريكية، بل هو توصيف إعلامي وتحليلي استخدمه باحثون وصحفيون لوصف النهج العملي الذي انتهجته إدارة الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب" تجاه دول أمريكا اللاتينية ونصف الكرة الغربي. ويجمع المصطلح بين اسم "ترامب" و"مبدأ مونرو التاريخي"، ليعكس توجها يقوم على إعادة إحياء هذا المبدأ بصيغة معاصرة تتسم بمزيد من التشدد والأحادية في التعامل مع المنطقة.

أما "مبدأ مونرو"، فقد أعلنه الرئيس الأمريكي "جيمس مونرو" عام 1823، وارتكز آنذاك على رفض أي تدخل أوروبي في شئون الأمريكتين، مقابل التزام الولايات المتحدة بعدم التدخل في الشئون الأوروبية. غير أن هذا المبدأ، ومع تطور الدور الأمريكي عالميا، تحوّل تدريجيا من إعلان ذي طابع دفاعي إلى إطار يُستخدم لتبرير التدخل الأمريكي في شئون دول أمريكا اللاتينية خلال القرنين التاسع عشر والعشرين([1]).

من عنوان صحفي إلى مفهوم جيوسياسي: كيف وُلد مصطلح "مبدأ دونرو":

نشأ مصطلح "مبدأ دونرو" (Donro Doctrine)في سياق إعلامي بحت، عندما قامت صحيفة نيويورك بوست بصياغته لأول مرة ووضعته عنوانا رئيسيا على غلافها بتاريخ 8 يناير 2025. جاء ذلك بالتزامن مع تصاعد الجدل حول تصريحات وطموحات دونالد ترامب بشأن جزيرة جرينلاند، وما رافقها من نقاشات حول عودة التفكير الأمريكي بمنطق مناطق النفوذ والهيمنة الجغرافية. اختيار الصحيفة للمصطلح عكس محاولة لربط هذه الطموحات برمزية تاريخية معروفة هي مبدأ مونرو([2]).

ومع انتشار العنوان إعلاميا، بدأ المصطلح يلفت انتباه المراقبين والباحثين، لكونه يختصر رؤية سياسية أوسع تتجاوز جرينلاند، وتشمل تعامل ترامب مع نصف الكرة الغربي بوصفه مجال نفوذ أمريكي حصري. تدريجيا انتقل "دونرو" من مجرد عنوان صحفي ساخر أو لافت، إلى أداة تحليلية تُستخدم في النقاشات الجيوسياسية لوصف نهج قائم على إعادة إحياء منطق الهيمنة الأمريكية الأحادية، مما أسهم في ترسيخه كمفهوم متداول في التحليل السياسي والإعلامي، رغم غياب أي اعتراف رسمي به كعقيدة سياسية معلنة.

كيفية انتشار مصطلح "مبدأ دونرو" وتحوله من تعبير إعلامي محدود إلى مفهوم متداول سياسيا:

في بداياته لم يحظَ مصطلح "مبدأ دونرو" بانتشار واسع خارج الإطار الإعلامي الذي أطلقته صحيفة نيويورك بوست، فقد ظل لفترة قصيرة مجرد توصيف صحفي لافت، يُستخدم على نطاق ضيق في التعليقات السياسية، دون أن يتحول إلى مصطلح رائج أو معتمد في التحليل الجيوسياسي. إلا أن هذا الوضع تغيّر مع عودة "دونالد ترامب" إلى الواجهة الإعلامية وتصاعد الجدل حول سياساته الخارجية، خاصة تجاه أمريكا اللاتينية.

عاد المصطلح بقوة خلال الخريف الماضي، حين بدأ يتكرر ظهوره على شبكة فوكس نيوز، لا سيما في البرامج القريبة من توجهات ترامب. وبرز بشكل لافت قبل يوم واحد من الضربة الأمريكية على فنزويلا، مما أعطاه بعدا عمليا وربطه مباشرة بالسياسة الأمريكية على الأرض. وجرى تداوله صراحة في برنامج "فوكس آندفريندز"، أحد البرامج المفضلة لترامب، الأمر الذي ساهم في انتقاله من إطار التحليل الإعلامي إلى المجال السياسي شبه الرسمي.

التحول الأهم جاء عندما استخدم ترامب المصطلح بنفسه للمرة الأولى خلال مؤتمر صحفي مخصص للملف الفنزويلي يوم السبت الماضي. هذا الاستخدام منح "دونرو" زخما إضافيا، إذ لم يعد مجرد توصيف يفرضه الإعلام، بل بات لغة سياسية تعبّر عن رؤية ترامب للعلاقات الدولية ونطاق النفوذ الأمريكي. ومنذ تلك اللحظة، بدأ المصطلح يُتداول على نطاق أوسع في التحليلات السياسية، بوصفه اختصارا لنهج يقوم على إعادة إحياء منطق الهيمنة الأمريكية الأحادية في نصف الكرة الغربي، حتى وإن ظل دون صفة العقيدة الرسمية المعلنة.

الإدارات الأمريكية المتعاقبة وأمريكا اللاتينية.. من الاحتواء طويل الأمد إلى النهج التصادمي:

اتبعت الولايات المتحدة، قبل عهد "دونالد ترامب"، سياسة متدرجة وطويلة الأمد تجاه أمريكا اللاتينية، قامت على دعم الحلفاء الإقليميين مقابل عزل ومعاقبة الأنظمة التي تعتبرها معادية أو استبدادية، مثل كوبا، وفنزويلا، ونيكاراجوا. هذه المقاربة كانت تهدف إلى الحفاظ على النفوذ الأمريكي في نصف الكرة الغربي، وضمان الاستقرار السياسي والاقتصادي، ومنع تمدد خصوم دوليين. وفي عهد "بيل كلينتون"، ركزت واشنطن على تعزيز الروابط التجارية والانفتاح الاقتصادي مع دول المنطقة، بينما جعل جورج دبليو بوش من نشر الديمقراطية ومحاربة المخدرات أولوية، خاصة عبر تكثيف الدعم العسكري والأمني لكولومبيا. أما إدارة "باراك أوباما"، فتبنت نهجًا دبلوماسيا أكثر مرونة، تجلى في إعادة العلاقات الدبلوماسية الكاملة مع كوبا في محاولة لخفض التوتر التاريخي وفتح صفحة جديدة بين البلدين.

في السياق نفسه واصلت إدارة "جو بايدن" سياسة التعامل مع القادة المنتخبين ديمقراطيًا بغض النظر عن توجهاتهم الأيديولوجية، وسعت إلى دعم المسارات الانتخابية والمؤسساتية، بما في ذلك المساهمة في تهيئة أجواء انتخابية في فنزويلا شهدت هزيمة سياسية قاسية للرئيس نيكولاس مادورو، وفق تقارير صحفية. غير أن هذا النهج التقليدي القائم على الصبر الدبلوماسي والتدرج السياسي تبدل جذريًا مع عودة "دونالد ترامب"، إذ انقلب منذ اليوم الأول على سياسة استمرت لعقود، معتمدًا أسلوبًا أكثر تصادمية وضغطًا مباشرًا تجاه حكومات أمريكا اللاتينية، مما فرض على قادة المنطقة التعامل مع واشنطن في بيئة أكثر توترًا وسرعة في ردود الفعل، وأعاد رسم معادلة العلاقات الأمريكية–اللاتينية على أسس أقل استقرارًا.

وتجلّى هذا النهج منذ حفل تنصيبه، حين صرّح دونالد ترامب بأن الصين تفرض سيطرتها على قناة بنما، متعهدًا بأن تعمل الولايات المتحدة على استعادة النفوذ عليها. وبعد أيام قليلة، صعّد لهجته تجاه كولومبيا، ملوّحًا بفرض رسوم جمركية بنسبة 25%في حال رفض الرئيس اليساري جوستافو بيترو السماح بهبوط رحلات ترحيل المهاجرين، وهو ما دفع الأخير إلى الرضوخ للضغوط الأمريكية.وفي السياق ذاته شنّ ترامب هجومًا حادًا على المكسيك، الشريك التجاري الأكبر للولايات المتحدة، متهمًا إياها بالتواطؤ مع عصابات تهريب المخدرات. كما مارس ضغوطًا مباشرة على الرئيسة المكسيكية كلاوديا شينباوم للسماح للقوات الأمريكية بقيادة عمليات مكافحة العصابات داخل الأراضي المكسيكية، ملوّحًا بالتحرك منفردًا في حال الرفض، إلا أن شينباوم رفضت بشكل قاطع أي وجود عسكري أمريكي مباشر.

أبعاد النفوذ الأمريكي على مصادر النفط العالمية في إطار مبدأ "دونرو":

§   يعكس مبدأ "دونرو" في بعده النفطي توجها أمريكيا واضحا نحو إعادة إحكام النفوذ على مصادر الطاقة في نصف الكرة الغربي، باعتبارها جزءا من المجال الحيوي للأمن القومي الأمريكي. ووفق هذا المنطق، تسعى الولايات المتحدة إلى ترسيخ هيمنة مباشرة وغير مباشرة على دول منتجة للنفط تُعد خاضعة عمليا لهذا المبدأ، بما يمنحها قدرة مؤثرة على سوق الطاقة العالمية.

§   تشير المعطيات إلى أن الدول الواقعة ضمن نطاق مبدأ "دونرو" تنتج نحو 37.2% من إجمالي الإنتاج النفطي العالمي، وهي نسبة كبيرة تمنح واشنطن ثقلا استراتيجيا في تحديد اتجاهات السوق، سواء من حيث حجم المعروض أو استقرار الإمدادات. وتضم هذه الدول الولايات المتحدة نفسها، وكندا، وفنزويلا، إضافة إلى عدد من دول أمريكا اللاتينية، مما يعني أن الإنتاج النفطي في هذه الجغرافيا يتم داخل فضاء سياسي تعتبره واشنطن مجال نفوذها الطبيعي.

§   ولا تقتصر السيطرة على الإنتاج فقط، بل تمتد إلى الاحتياطات النفطية، إذ تمتلك هذه الدول ما يقارب 20%من الاحتياطات النفطية العالمية. وتُعد فنزويلا عنصرا محوريا في هذا السياق، نظرا لامتلاكها واحدا من أكبر الاحتياطات المؤكدة في العالم، مما يفسر شدة الضغوط السياسية والاقتصادية الأمريكية عليها، في إطار السعي إلى إعادة توجيه مواردها بما يتوافق مع الرؤية الأمريكية لأمن الطاقة([3]).

§   في هذا الإطار لا تعني السيطرة الأمريكية امتلاكا مباشرا للنفط، بل قدرة على التأثير في قرارات الإنتاج، والاستثمار، والتصدير، ومنع دخول منافسين دوليين، مثل الصين وروسيا إلى قطاع الطاقة في أمريكا اللاتينية. ويجعل ذلك من مبدأ "دونرو" أداة جيوسياسية تهدف إلى استخدام النفط كوسيلة نفوذ، ليس فقط لضمان احتياجات الولايات المتحدة، بل أيضا للتأثير في توازنات سوق الطاقة العالمية.

إذن تُظهر الأرقام المرتبطة بالإنتاج والاحتياطات النفطية أن مبدأ "دونرو" يمنح الولايات المتحدة هامش سيطرة واسعا على جزء مهم من منظومة الطاقة العالمية، من خلال إحكام النفوذ على دول نصف الكرة الغربي. ويعزز ذلك قدرة واشنطن على توظيف النفط كأداة استراتيجية في الصراع الجيوسياسي العالمي، ضمن إطار أوسع لإعادة ترسيخ الهيمنة الأمريكية الأحادية.

تطور النفوذ الأمريكي في سياسات الطاقة العالمية وأثره الاستراتيجي:

السيطرة على موارد نفطية هائلة قريبة من حدودها: تمتلك الولايات المتحدة بحرا هائلا من النفط بالقرب من حدودها الجغرافية، سواء من الإنتاج المحلي أو عبر تأثيرها على دول أمريكا اللاتينية، مثل كندا، وفنزويلا، ودول أخرى منتجة للنفط. هذا الموقع الجغرافي الاستراتيجي يمنحها القدرة على التحكم بالإمدادات بسرعة، ويقلل من اعتمادها على مصادر بعيدة قد تتأثر بالتقلبات السياسية أو العسكرية، ويحولها إلى القوة الأكثر قدرة على ضمان أمن الطاقة في نصف الكرة الغربي.

القدرة على التأثير في أسعار النفط: وفق تحليلات محللين اقتصاديين وسياسيين، تمتلك الولايات المتحدة القدرة على إبقاء سعر النفط قرب مستوى 50 دولارا للبرميل. هذه القدرة تمنح واشنطن نفوذا اقتصاديا مهما، إذ تستطيع ضبط الأسعار بما يخدم مصالحها الاقتصادية والسياسية، سواء داخليا أو دوليا. وبذلك تصبح أسعار النفط أداة استراتيجية يمكن توظيفها لتحقيق أهداف متعددة، مثل السيطرة على التضخم العالمي أو توجيه استثمارات الطاقة.

نمو النفوذ الأمريكي في سوق الطاقة العالمية: تشهد الولايات المتحدة تناميا واضحا في نفوذها على سوق الطاقة العالمية، وهو نفوذ يمتد من قدراتها الإنتاجية الداخلية إلى سيطرتها على مناطق نفطية استراتيجية في نصف الكرة الغربي. هذا التنامي يجعلها لاعبا محوريا في تحديد اتجاهات الأسواق، سواء فيما يتعلق بحجم الإنتاج أو الأسعار. ويعكس هذا النفوذ قدرة واشنطن على التأثير على استقرار أسواق النفط العالمية، مما يجعلها أحد الأطراف الأساسية في صناعة القرار النفطي([4]).

الانعكاسات الجيوسياسية لمبدأ "دونرو": السيطرة الأمريكية على نفط نصف الكرة الغربي تُعيد رسم قواعد اللعبة الجيوسياسية، فالنفوذ في الطاقة يعطي واشنطن قدرة كبيرة على التأثير في السياسات الإقليمية والدولية، ويجعل أي تحرك عسكري أو سياسي مرتبطا بالتأثير المحتمل على أسواق النفط. هذا يعني أن المغامرات العسكرية الأمريكية مقيدة بتأثيرها على أسعار الطاقة، ويجعل التخطيط الاستراتيجي أكثر حذرا وارتباطا بمصالح الطاقة.

ورقة رابحة ضد أي محاولة لرفع الأسعار: إضافة إلى ذلك، تمتلك الولايات المتحدة ورقة رابحة قوية ضد أي طرف يحاول رفع أسعار النفط عن طريق خفض الإمدادات، هذا يشمل قدراتها على الضغط على الدول المنتجة الأخرى أو التحكم في تدفقات النفط في نصف الكرة الغربي، بما يضعها في موقف تفاوضي مهيمن ويحد من قدرة أي جهة منافسة على التأثير في السوق.

أولوية ونفوذ على الحلفاء والأعداء: من خلال السيطرة على الإمدادات النفطية في نصف الكرة الغربي، تكتسب الولايات المتحدة أولوية ونفوذا على حلفائها وأعدائها من منتجي النفط.يمكنها توجيه سياسات الإنتاج والتصدير بما يخدم مصالحها، سواء لفرض شروط سياسية على الحلفاء أو للحد من قدرة الدول المنافسة على استخدام النفط كورقة سياسية.

تعزيز الموقف التفاوضي للحصول على ثروات نفطية أخرى: هذا النفوذ يعزز كذلك موقف الولايات المتحدة التفاوضي على الصعيد الدولي، سواء عند التفاوض للحصول على موارد نفطية جديدة في مناطق أخرى من العالم أو عند المشاركة في تحالفات اقتصادية وسياسية. السيطرة على النفط في نصف الكرة الغربي تمنح واشنطن مرونة كبيرة في استخدام الطاقة كأداة ضغط ودعم استراتيجياتها العالمية.

إن مجموع هذه العوامل يجعل الولايات المتحدة اليوم قوة مركزية في سوق الطاقة العالمية، وتمثل أسعار النفط أداة استراتيجية، وتحول نفوذها على الإنتاج والاحتياطات إلى رافعة جيوسياسية. كما يظهر مبدأ "دونرو" ليس مجرد شعار سياسي، بل إطارا عمليا لإعادة الهيمنة الأمريكية على الموارد الحيوية، مع ضمان قوة تفاوضية وتحكم في استقرار الأسواق الدولية للطاقة.

تحديات إعادة إطلاق صناعة النفط الفنزويلية:

أولا- انهيار الصناعة النفطية:

تواجه صناعة النفط الفنزويلية انهيارا كاملا نتيجة سنوات طويلة من سوء الإدارة، والفساد، ونقص الصيانة، إضافة إلى العقوبات الدولية التي قيّدت صادرات النفط والفوائد الاقتصادية منه. هذا الانهيار يشمل تدهور الحقول النفطية، والمصافي، وخطوط الأنابيب، والموانئ النفطية، مما يجعل إعادة التشغيل أمرًا صعبًا ومعقدًا، وليس مجرد استئناف للإنتاج.

ثانيا- الوقت الطويل المطلوب لإعادة الإطلاق:

إعادة إطلاق قدرات الإنتاج الكامل في فنزويلا تحتاج إلى سنوات طويلة، إذ لا يمكن إصلاح البنية التحتية المتدهورة في فترة قصيرة. تشمل العملية تحديث الحقول النفطية، وإعادة تشغيل المصافي، وتطوير خطوط التصدير، وتدريب الكوادر الفنية، وهو ما يجعل العودة إلى مستوى الإنتاج السابق تحديًا طويل الأمد.

ثالثا- التكاليف الباهظة لإعادة البناء:

إن إعادة بناء القطاع النفطي الفنزويلي تتطلب نحو 100 مليار دولار. هذا الرقم يعكس حجم الاستثمار الضخم اللازم لإصلاح المنشآت النفطية المتهالكة، وتأمين المعدات الحديثة، وضمان استدامة الإنتاج. بدون هذه الموارد المالية، سيظل القطاع يعاني من تراجع كبير، ولن تتمكن فنزويلا من استعادة مكانتها كأحد المنتجين الرئيسيين للنفط في المنطقة.

تحديات المقاومة الصينية المحتملة أمام إعادة إطلاق صناعة النفط الفنزويلية:

يعكس التدخل الأمريكي في فنزويلا نموذجا من المعادلة الجيوسياسية التقليدية التي تميل فيها القوى الكبرى إلى تعزيز نفوذها ضمن الدوائر الجغرافية المباشرة لها. فالولايات المتحدة ترى نصف الكرة الغربي، بما فيه فنزويلا، منطقة نفوذ أمريكية بالدرجة الأولى، وهو ما يتجسد في عملياتها المباشرة على الأرض، بما يشمل الأعمال الاستخباراتية والتدخل العسكري أو الأمني. هذا النهج يؤكد استمرار اعتماد واشنطن على أدوات القوة التقليدية لضمان مصالحها الاستراتيجية، خاصة في مجال الموارد الحيوية كالنفط.

في الوقت ذاته تدرك الصين جيدا هذه الديناميكية، وتسعى لموازنة تأثير الولايات المتحدة ضمن استراتيجيتها الإقليمية والعالمية. وفقًا لتحليل نشرته صحيفة "نيويورك تايمز"، فإن التوجه الأمريكي في نصف الكرة الغربي يتقاطع بشكل غير مباشر مع رؤية الرئيس الصيني شي جين بينج لمكانة الصين في آسيا، حيث يسعى الطرفان، كل في منطقته، إلى تثبيت نفوذهما والحفاظ على مصالحهما الاستراتيجية، لكن بآليات مختلفة: الولايات المتحدة بالهيمنة العسكرية والسياسية المباشرة، والصين من خلال التحالفات الاقتصادية والدعم السياسي لحلفائها.

هذا التوازن بين النفوذ الأمريكي والصيني تجسد بشكل واضح قبل ساعات من تنفيذ القوات الخاصة الأمريكية عملية اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو. ففي الوقت الذي كان فيه تدخل أمريكي مباشر على الأرض قيد التنفيذ، كان مسئول صيني رفيع المستوى يلتقي بمادورو في القصر الرئاسي بكاراكاس، في مشهد علني يعكس دعم الصين لأحد أقرب حلفائها في نصف الكرة الغربي. هذا اللقاء لم يكن رمزيًا فقط، بل يوضح كيف تحاول الصين استخدام أدواتها الدبلوماسية والاقتصادية لموازنة النفوذ الأمريكي، ولضمان مصالحها في مناطق استراتيجية بعيدة عن حدودها، بما في ذلك موارد الطاقة والسياسات الإقليمية في أمريكا اللاتينية.

أولا- حقوق الصين في الإنتاج النفطي الفنزويلي:

تمتلك الصين حق الأولوية في جزء كبير من النفط المستخرج من فنزويلا بموجب اتفاقيات طويلة الأمد، هذا يعني أن أي إنتاج جديد أو إعادة تشغيل للحقول النفطية يجب أن يأخذ في الاعتبار الالتزامات المسبقة تجاه بكين، إذ لها الأولوية في شراء النفط قبل أي مستثمر أو دولة أخرى. وبذلك فإن أي خطة لإعادة تنشيط الصناعة النفطية تواجه قيودًا فنية وتجارية مرتبطة بالاتفاقات القائمة مع الصين، مما يقلل من المرونة الاستراتيجية لفنزويلا أو الأطراف الأخرى الراغبة في الاستثمار.

ثانيا- ديون الصين لفنزويلا وتأثيرها على السياسات:

على مدار السنوات الماضية، قدمت الصين عشرات مليارات الدولارات كقروض لفنزويلا لدعم الاقتصاد، بما في ذلك تمويل مشروعات النفط. هذه القروض تجعل بكين لاعبًا رئيسيًا في أي قرار يتعلق بالإنتاج أو الاستثمار النفطي، حيث يمكنها الضغط على الحكومة الفنزويلية للموافقة على شروطها. أي محاولة لإعادة إطلاق القطاع النفطي دون أخذ موقف الصين بعين الاعتبار قد تؤدي إلى توترات سياسية وتجارية كبيرة، وربما تعرقل المشروعات قبل أن تبدأ.

ومع ذلك يرى محللون أن بكين، رغم استيائها من فساد وسوء إدارة حكومة مادورو وتوقفها عن تقديم القروض في السنوات الأخيرة، لا تزال تعتبر فنزويلا رصيدًا استراتيجيًا يستحق التحمل، كونها تشكل نقطة قوة مهمة لمواجهة النفوذ الأمريكي في المنطقة.

ثالثا- عقود الإقراض وذهاب عوائد النفط مباشرة إلى الصين:

تُعد فنزويلا حالة نموذجية للنفوذ الصيني في أمريكا اللاتينية، فهي أكبر متلقٍ للقروض الصينية وأحد أبرز المشترين للمعدات العسكرية الصينية في المنطقة، وقد تم رفع مستوى علاقاتها مع بكين عام 2023، إلى "الشراكة الاستراتيجية الشاملة".اليوم أصبحت استثمارات الصين وقروضها التي تُقدّر بنحو عشرة مليارات دولار مرتبطة بشكل مباشر بسياسات إدارة ترامب، التي ألمحت إلى إمكانية فرض حصار عسكري على صادرات النفط الفنزويلي.

تنص عقود الإقراض الصينية على أن عوائد مبيعات النفط تذهب أولا إلى الصين لسداد الديون، قبل أي استخدام محلي للعوائد. هذا الشرط يشكل تحديًا كبيرًا أمام أي خطط لإعادة الاستثمار أو تطوير القطاع، لأن جزءًا كبيرًا من الإيرادات سيظل مخصصًا لسداد الديون، وليس لتعزيز الإنتاج المحلي أو تمويل مشروعات البنية التحتية. بالتالي تواجه فنزويلا تحديًا مزدوجًا: الاستفادة من مواردها النفطية بينما تلتزم بالتزاماتها المالية تجاه الصين، مما يجعل أي إعادة إطلاق شاملة للنفط معقدة للغاية ويستلزم مفاوضات دقيقة مع بكين لضمان توافق المصالح([5]).

المراجع:

 

[1]ترامب و«دونرو».. مبدأ يؤسس لفرض الهيمنة الأميركية على نصف الكرة الغربي، 5 يناير 2026، سي إن إن الاقتصادية، https://h7.cl/1mmph

([2]) ترامب يعلن عن "مبدأ دونرو" بديلا عن "مبدأ مونرو" مدعيا تجاوز أهداف السياسة التقليدية، 3 يناير 2026، روسيا اليوم، https://h7.cl/1hpGl

([3]) Qiang Wang, Geopolitics and energy security: a comprehensive exploration of evolution, collaborations, and future directions, Article number: 1071 (2024) , https://h7.cl/1mmor

([4]) مجدي صبحي، النفط ومكانة الشرق الأوسط في الاستراتيجية الأمريكية، دراسة، مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، 20 يوليو 2022، https://h7.cl/1mmnV

([5]) كيف يعزز مبدأ «دونرو» رؤية الصين لفرض سيطرتها على محيطها الجغرافي؟،  6 يناير 2026، الوطن، https://h7.cl/1hpGw


رابط دائم: