العقل البارد وديناميات السيطرة في زمن التحولات الكبرى
13-1-2026

أنغام عادل حبيب
* مدرس مساعد- جامعة النهرين، العراق

في عالم يسير على حواف الفوضى، بات صانعو السياسات في الدول الكبرى يدركون أن البقاء في قمة النظام الدولي لم يعد ممكنا عبر استراتيجيات الصدمة أو الانفعالات السياسية، بل عبر تفعيل "العقل البارد" في إدارة ملفات القوة والسيطرة. إنه عقل استراتيجي يراقب المشهد بأناة، يحلل نقاط الاختناق والفرص، يتحرك ببطء ولكن بثبات. في زمن التحولات الكبرى، حيث تتشظى خرائط الجيوبوليتيك وتتداخل أدوات الصراع، صار هذا النمط من التفكير هو السلاح الأمضى للقوى العظمى والصاعدة على السواء.

العقل البارد هنا لا يعني الحياد أو اللاعنف، بل يعني فن إدارة السيطرة عبر حروب باردة جديدة، وصراعات تحت السطح، وتفكيك بطيء لمصادر قوة الخصوم. إنها سياسة "إطفاء نار العدو دون أن تشعل أصابعك"، وصناعة هندسة جديدة للنظام العالمي من تحت الرماد.

استراتيجية "العقل البارد" هي بنية عقلانية واستراتيجية لإدارة القوة، تتأسس على التفكير الرصين، والتدرج في الحركة، والتوازن بين الصبر والهجوم المدروس. هي ليست فقط مضادا للاندفاع أو الانفعال السياسي، بل أسلوب منهجي في إدارة التهديدات وتوسيع النفوذ بطريقة تآكلية وصامتة تتجلى في عدة أبعاد:

1- إدارة الوقت كسلاح:

إطالة أمد النزاعات مع الحفاظ على التماسك الداخلي وتحريك الخصم نحو الإنهاك الذاتي. النموذج الإيراني في الملف النووي مثال حي، صبر طويل، ومراوغة تفاوضية، واختبار متواصل لقدرة الخصوم على الصبر.

2- التفكيك بدل الاصطدام:

العقل البارد يختار تفكيك البنى المعادية من الداخل بدلا من مواجهتها صراحة. من دعم الانقسامات الاجتماعية، الى إذكاء الصراعات الإثنية والطائفية في بنى الدول المستهدفة.

3- التكامل بين الصلابة والنعومة:

ليس بالضرورة أن تبقى السيطرة عنيفة؛ العقل البارد يوظف القوة الناعمة – الإعلام، والتعليم، والتكنولوجيا – مع القوة الصلبة في آن واحد لخلق منظومة ضغط معقد يصعب مواجهتها ككتلة واحدة.

4- إدارة الأزمات بدلا من حلها:

الأزمات تصبح أدوات ضغط مستدامة تُبقي الخصم مشغولا، وضعيفا، ويلهث خلف الاستقرار الذي لا يتحقق. هكذا فعلت الولايات المتحدة في ملفات، مثل سوريا، وليبيا، وأوكرانيا، حيث لا منتصر ولا مهزوم بل نزيف مستمر.

في ظل انهيار الكثير من قواعد اللعبة التي حكمت النظام الدولي منذ الحرب الباردة، برزت ديناميات جديدة للسيطرة يمكن قراءتها ضمن العقل البارد كالتالي:

1- القوة السيبرانية:

الهيمنة اليوم تمارس عبر السيطرة على المعلومات، والبيانات، والبنى التحتية الرقمية. الصين وأمريكا تتنافسان على مستقبل الذكاء الاصطناعي، والبيانات الكبرى باتت وقود السيطرة القادم.

2- الحروب الرمادية:

روسيا في أوكرانيا مثال بارز للحروب الرمادية تحت عتبة الحرب الشاملة، وذلك من خلال الهجمات السيبرانية، وعمليات دعم غير نظامية، وحروب معلوماتية دون الدخول في حرب شاملة مع الناتو. السيطرة هنا تكمن في توسيع حدود الرمادي بين السلم والحرب.

3- السيطرة على سلاسل الإمداد:

من أشباه المواصلات إلى الغذاء والطاقة، تسيطر القوى الكبرى على شرايين الاقتصاد العالمي، وتستخدمها كأدوات خنق اقتصادي صامت دون الحاجة إلى الحروب التقليدية.

4- التمدد عبر الفواعل من غير الدول:

الميليشيات، والشركات الأمنية الخاصة، والمجموعات الرقمية المنظمة باتت أدوات للعقل البارد، حيث يمكن السيطرة عبر وكلاء يُحققون أهداف القوة الكبرى دون أن تتورط بشكل مباشر.

في ظل صعود قوى مثل الصين، وعودة روسيا كفاعل في النظام الدولي، وبروز قوى إقليمية تمارس سياسات الحافة، باتت الاستراتيجية الباردة هي الخيار الأمثل لتجنب الاستنزاف المباشر وبناء النفوذ المستدام وإدارة الصراعات المعقدة دون الانجرار لحروب شاملة:

●   الولايات المتحدة لا تزال تضبط إيقاع النظام الدولي عبر تحريك تحالفات، مثل "أوكوس" و"كواد"، والتحكم في النظام المالي العالمي، مع دعم الفوضى المدارة في مناطق خصومها.

●   الصين تمارس الصعود الصامت عبر مشروع الحزام والطريق، والاستحواذ على التقنيات الرقمية، دون انخراط عسكري مكلف. عقلها البارد يتمثل في بناء شبكة تبعية اقتصادية تربك خطط الحصار الأمريكي.

●   روسيا تنتهج سياسة "إشعال الرماد" كما في أوكرانيا وسوريا، مع ضرب مراكز الاستقرار الأوروبي والأطلسي عبر التهديدات المستمرة دون الذهاب إلى الحرب الشاملة.

●   إيران تمارس "العقل البارد" عبر حروب الظل، فهي تحاصر إسرائيل وأمريكا من خلال أذرعها في لبنان، واليمن، وسوريا، والعراق، دون مواجهة مباشرة، مستفيدة من طول النفس الاستراتيجي.

●   إسرائيل تطبق سياسة الضربات الخاطفة المركزة مع هندسة البيئة الأمنية بما يحول دون نشوء جبهات متماسكة ضدها. "عملية الطوق المتشظي" التي تهدف إلى تفكيك جبهات المقاومة خير مثال.

●   تركيا تدمج بين القوة الناعمة (الاقتصاد، والدراما، والتعليم) والقوة الصلبة عبر التدخلات العسكرية في سوريا وليبيا، لبناء فضاء نفوذ دون صدام شامل مع القوى الكبرى.

إن العقل البارد هو ليس مجرد تقنية ذهنية، بل بنية عقلانية استراتيجية مخصصة لصناعة السيطرة في بيئات التحول العميق، فالعقل البارد يُمثل في جوهره قدرة النخبة الاستراتيجية على ممارسة التحكم الإدراكي في تدفقات الزمن السياسي، وإدارة الجغرافيا بوصفها متغيرا ديناميكيا، وتفكيك منظومات القوة عبر إعادة إنتاج التوازنات وفق منطق التأجيل، والاستنزاف، والتكييف مع التعقيد.

في زمن التحولات الكبرى لم تعد السيطرة نتاج التفوق العددي أو الناري، بل أصبحت ثمرة لمن يمتلك القدرة على إدارة التعقيد عبر التبريد المدروس، وضبط حرارة الصراعات وفق استحقاقات الهيمنة المرحلية، وإعادة تدوير الصدمات لتتحول إلى أدوات اختبار للخصوم ومساحات لتعظيم النفوذ. فالتفكير بالعقل البارد هو تأسيس لاقتصاد استراتيجي للموارد والقوة، يُحسن تقدير لحظات الضغط ولحظات الانكماش، ويُراكم القدرة دون استنزاف.

لقد باتت السيطرة اليوم معتمدة على من يُجيد تركيب مصفوفات الهيمنة الشبكية، وتوجيه الفوضى نحو أهداف مبرمجة، وتحييد نقاط الإجماع الدولي عبر إنتاج أطر جديدة للشرعية والقوة. من هنا يمثل العقل البارد استراتيجية تأطير لا مجرد استجابة، وهو ما يمنح الفاعل الاستراتيجي قدرة التماسك في بيئة تتسم بالتقلبات الحادة والانقلابات البنيوية.

إجمالا تُمكننا هذه الرؤية من فهم أن السيطرة في الزمن العالمي الجديد لن تكون لمن يصرخ أولا، بل لمن يخطط ببرودة، ويستثمر في الفجوات، ويحوّل التبدلات الكبرى إلى هندسة متقدمة لنقل مركز الثقل الاستراتيجي نحو مشروعه الخاص، بصبر مديد ووعي عميق بالتحولات كفرص لإعادة تعريف القوة والسيطرة معا.

 


رابط دائم: