وزير خارجية "ضد الخداع"!
20-2-2024

أحمد بديوي
* كاتب وصحفي مصري

تستحسن شريحة كبيرة من الرأى العام، كلام من "يغرر" بها، من "يخدعها"، من يدغدغ مشاعرها بـ"كلام معسول" حتى وإن كان- غالبا- ضد مصالحها، وضد الأمن القومي، محليا وعربيا.

هذه الشريحة نفسها هى التى صدقت أن "الآلة العسكرية" الغربية، التى تحمى "جشع" قوى المصالح الدولية، جاءت للشرق الأوسط، كى ترسخ لـ"الديمقراطية، وحقوق الإنسان، والحريات العامة".

هى الشريحة التى تحتفل بـ"ثورات هدامة" أضاعت بلدانها، وقسمت مؤسساتها، وبددت أمن شعوبها، وتسهّل، الآن، "السطو" على موارد أوطانها، دون أن تستطيع مقاومة من مهدت لهم الطريق.

وزير الخارجية، سامح شكرى، دبلوماسيته لا تلغى "صرامته".. قبل توليه الوزارة دفع ثمن موقفه، لم يكن على هوى "سياسات المواءمة" قبل عام 2013؛ لكن دولة "30 يونيو" عرفت للرجل قيمته.

وزير خارجيتنا، كاشف وزيرة خارجية إسرائيل السابقة، تسيبى ليفنى بـ"المسكوت عنه" على هامش مؤتمر "ميونخ للأمن"، أرادت "ليفنى" صناعة حالة جدل على حساب مصر، ففوجئت بكشف ما ترغب فى "التمويه عليه".

ليس صحيحا أن الوزير سامح شكرى "هاجم" حركة حماس "هى، خارج الأغلبية المعترَف بها من قِبل الشعب الفلسطينى والسلطة الفلسطينية، يصعب الوصول لأى تسوية تفاوضية فى ظل رفض التنازل عن دعم العنف".

أليست حركة حماس خارج منظمة التحرير الفلسطينية (المرجعية المعترف بها، دوليا)؟ أليست توجهات وسياسات وقرارات حماس لا تحظى بتوافق معظم الشعب الفلسطينى فى الداخل و"الشتات"؟

مصر التى قامت أجهزتها السيادية الأمنية ووزارة خارجيتها بعشرات الجولات من أجل إنجاز المصالحة الفلسطينية، وقطع الطريق على الانقسام الداخلى، طرح وزير خارجيتها تساؤلات مشروعة جدا.

تساؤلات الوزير سامح شكرى "واقعية- منطقية" من عينة "من يدعم حماس؟ من يعزز قواتها؟ من منحها فرصة السيطرة بالقوة على قطاع غزة؟".. حمّل إسرائيل مسئولية "تمكين" حماس من قطاع غزة.

ألا تدرك الشريحة الواعية من الرأى العام العربى أن "هدف إسرائيل كان تعميق الانقسام الفلسطينى- الفلسطينى"؛ رغم تأكيد الوزير بأنه "لا يمكن إنهاء أيديولوجية حماس بالكامل، فى ظل ما يحدث فى القطاع".

كلام الوزير سامح شكرى "واقعية سياسية" خاصة مع "الحصار" الذى تفرضه إسرائيل على قطاع غزة، منذ سيطرة الحركة عليه، عام 2007.. فمن أين تحصل حماس على الدعم المالى واللوجيستى طوال 15 عاما؟  

هنا نكون أمام خيارين: إما أن إسرائيل تدعم حماس "مباشرة" لشق الصف الوطنى الفلسطينى، أو أنها "تسهل" دعمها غير المباشر، ومن ثم تسقط "مظلومية الحصار" وكل المزاعم المتعلقة بهذا الملف. 

المؤكد، أن مصر فاض بها الكيل نتيجة سقوط أكثر من 100 ألف قتيل ومصاب فى قطاع غزة، بينما أسرى إسرائيل لدى حماس، وأسرى حماس لدى إسرائيل، وحماس وإسرائيل ترفضان أى "حلول وسط" لوقف العدوان.

لم يعد هناك مجال للشماعات الواهية، كون الجماعات والكيانات "لا" و"لن" تعترف بأى "أخطاء"، كونها طوال عقود مضت، ظلت تغذى عقول أتباعها بأنها "الفرقة الناجية" وأنها لا "تنطق عن الهوى".

لم يتحدث الوزير سامح شكرى عن التسهيلات التى قدمتها إسرائيل لإحداث الانقسام الفلسطينى،لم يتحدث عن عملية الانسحاب الأحادى (خطة فك الارتباط) التى نفذها رئيس حكومة إسرائيل الراحل، إرييل شارون.

فى 15 أغسطس عام 2005، أخلت إسرائيل مستوطنات ومعسكرات الجيش الإسرائيلى فى قطاع غزة، هلل من هلل، وزايد من زايد، ولم يسأل هؤلاء أنفسهم عن أبسط الأسئلة، آنذاك: منذ متى يتنازل، الكيان التوسعى، عن شبر واحد، مجانا؟! ما الذى كان يفكر فيه شارون؟ فى أى اتجاه يدفع بخصومه؟ هل كان يرغب فى الخلاص منهم، عبر بعضهم البعض؟!!!

بعد أقل من 24 شهرا، جاءت الإجابات المفسرة لعملية الانسحاب الإسرائيلى من غزة، وأنها مجرد خطوة تمهيدية لـ"سيناريو تآمرى" على نطاق إقليمى، بمشاركة عواصم وجماعات، تتصدرها جماعة الإخوان.

كانت الجماعات المأمورة جزءا من مخطط "الفوضى الخلاقة" فى عموم المنطقة العربية، بأوامر أمريكية، تم تنفيذ الجزء الأول من السيناريو الهدام، صيف عام 2007، من خلال معركة دموية بين "حماس" و"فتح".

إذن، كان الانسحاب الإسرائيلى، تمهيدا لـ"الانقسام الفلسطينى" فى قطاع غزة، فيما جنت مصر الثمار المُرة للجزء الثانى من السيناريو التآمرى (العمليات الإرهابية التى استهدفت شمال سيناء، قبل عام 2018) قبل الانتصار عليه بتضحيات كبيرة.

وبناء عليه، فإن "استحضار التاريخ" أحد أشكال المراجعة الفلسطينية - العربية، إذا كانت هناك رغبة حقيقية فى توحيد الصف الفلسطينى، والحد من سقوط المزيد من ضحايا العدوان الإسرائيلى فى غزة، والجوار.

يستطيع الفلسطينيون اختيار من يصلح لإدارة مستقبلهم من قوى الثورة وفصائل المقاومة، وقطع الطريق على حالة الارتهان التى يعانيها القرار الفلسطينى، ويؤثر فى مسار القضية، بعيدا عن "التغرير، والخداع التنظيمى".


رابط دائم: