الفكر الاستراتيجى لإقامة الدولة اليهودية ومشروع الشرق الأوسط الجديد
8-1-2024

لواء أ.ح / محمد الغباري
* مدير كلية الدفاع الوطنى الأسبق

 بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى وحساب النتائج لجميع الأطراف المتصارعة سواء القوى الاستعمارية أو الداعمون لها، وضحت مواقف العرب واليهود من خلال الأحداث والنتائج، وكيف فشل العرب فى تحقيق هدفهم وهو الاستقلال عن المستعمر أيا كان اسمه أو نوعه، وكيف نجح اليهود من بلدان مهجرهم من استغلال النتائج والتمهيد وزرع جذور دولتهم المزعومة فى أرض العرب، وكيف تمكنوا من الارتباط بالقوى الكبرى لتنفيذ أهدافهم؛ حيث بدأ التطبيق الفعلى لاتفاقية سايكس بيكو سنة 1918 والمعارك لم تنته بعد، وذلك حين قسم الجنرال اللنبى قائد الجيوش الحليفة المناطق العربية إلى ثلاث مناطق: الأولى إدارة فرنسية (الساحل)، والثانية بإدارة عربية (الداخل) والأخيرة بإدارة بريطانية. وجاءت التغطية الدولية لها عبر مؤتمر الصلح  فى باريس سنة 1919 حين اقترح الرئيس الأمريكى ويلسون مفهوما جديدا للاستعمار هو الانتداب وهو ينص على تولى دولة كبرى شئون الدولة التى خضعت لفترة طويلة لإحدى الإمبراطوريات المتداعية كالدولة العثمانية فتساعدها الدولة المنتدبة حتى تصبح قادرة على إدارة شئونها بنفسها (هذا المفهوم ينطبق على فلسطين لصالح اليهود).
- لكن المؤتمر السورى العام رفض اتفاقية سايكس بيكو ووعد بلفور، وأعلن قيام المملكة السورية ونصب الأمير فيصل ملكا عليها فانعقد المجلس الأعلى للحلفاء بمدينة سان ريمون الإيطالية فى أبريل 1920 وقرر ردا على ذلك تطبيق اتفاقية سايكس بيكو التى تقضى بوضع سوريا ولبنان تحت الانتداب الفرنسى، والعراق وفلسطين وشرق الأردن تحت الانتداب الإنجليزى، وتعهد مؤتمر سان ريمون كذلك بالعمل على تطبيق وعد بلفور، كما كانت بريطانيا مرتبطة مع الإمارات العربية الواقعة على سواحل الخليج العربى وعمان بمعاهدات حماية، كذلك فرضت بريطانيا حمايتها على مصر والسودان، وسيطرت إيطاليا على ليبيا، واحتلت فرنسا ما تبقى من المغربى العربى، وكرست سيطرتها على كل من تونس والمغرب والجزائر وموريتانيا والصومال، فأصبح هذا هو حال العرب، لم يستغلوا حراك الحرب ولكن فرض عليهم ما خطط واتفق عليه من الغرب لمصلحة اليهود.
 -نشطت الصهيونية بعد الحرب العالمية الأولى للعمل على تحقيق أهدافها بإسناد من بريطانيا، فقد أصبح الباب مفتوحا على مصراعيه أمامها بعد احتلال الحلفاء لفلسطين فى أواخر الحرب العالمية الأولى، وبدأت تعمل بكل نشاط فى سبيل تحقيق مخططها الرامى إلى إقامة الدولة اليهودية فى فلسطين مع إخفاء التمسك بهذا الهدف وعرض أماكن غيرها كبدائل مثل أوغندا وكينيا والأرجنتين والعريش بسيناء، وأخيرا مخاطبة اللورد كرومر من حاييم وايزمان لإمكانية وضع جنوب السودان عام1903م، وقد غدا وعد بلفور بقبوله فى مؤتمر سان ريمون عام 1920م دستورا للسياسة البريطانية فى فلسطين يهتدى به فى تنظيم مخططات بريطانيا الاستعمارية خاصة بعد أن أقر مجلس عصبة الأمم فى 14 يوليو عام 1922م انتداب بريطانيا على فلسطين فركزت الصهيونية جهودها على تنظيم الهجرة اليهودية إلى فلسطين وإقامة المستعمرات اليهودية فيها لوضع أسس الوطن القومى لليهود.

الركائز العقائدية التى أسست لبناء الدولة اليهودية:
- تبنت الصهيونية العالمية مبادئ النبى عزرا الثمانية التى هى ملخص الأفكار الاستراتيجية التى وضعها النبى عزرا والأحبار عند إعادة كتابة أسفار العهد القديم بعد العودة من الأسر البابلى عام 530ق.م لكى تكون هى القواعد التى اتخذتها منهاجا وعقيدة وسياسة فيما بعد وهى:
1- اختار الله العنصر العبرى ليكون شعبا مختارا له باختيار إبراهيم عليه السلام.
2- أعطى الله ميثاقه لهذا العنصر وهو ليس مجرد عقد بل هو عهد أزلى لا ينقض.
3- تنفيذا لهذا الميثاق أخرج العنصر العبرى من مصر، وأنقذه من بطش فرعون وأهلك كل من يعيش بأرض كنعان من أجله، وأسكنه فلسطين وملكه إياها كما زعموا.
4- اختار الله داوود ودفعه إلى تحقيق الميثاق أى إنشاء الدولة الداودية (المملكة) ووجه الله له العهد بأن هذه الدولة الإلهية لن تزول، لهذا جعل الله العنصر اليهودى المختار ملكا وأرضا ودولة هى هذا الملك وهذه الأرض وهذه الدولة الإلهية (انظر الخريطة).
5- انحرف العنصر العبرى عن الطريق العبرى فأفلت منه الملك، ولكن كيف يضيع الملك ومالكه هو الله.
6- على العنصر العبرى أن يتطلع إلى استرجاع هذا الملك بكل عقله وقلبه.
7- إن استرجاع هذا الملك حتمى لأن العنصر العبرى لم ينحرف كله فقد بقيت بقية صالحة وبذلك يصدق عهد (يهوه) بأن ملك العنصر العبرى الذى هو ملكه لن يزول.
8- ضرورة تحويل أمل العودة واسترجاع الملك إلى إرادة فعالة مخططة وعمل ايجابى من الشعب الموعود بالأرض والملك.
- استغل اليهود الحراك السياسى الدولى خلال بداية القرن العشرين لتنفيذ ما جاء بالكنيست الأول (مؤتمر بازل) وذلك بتكليف الصهيونية العالمية بالقيادة لتحقيق قيام الدولة مستغلة أشكالها العديدة فمنها الصهيونية السياسية، والدينية، والقتالية، التوطينية، والاستيطانية، والعمالية، وصهيونية غير اليهود، ولكل منها اختصاصها ومهامها وتمويلها وجمهورها وقادتها ومفكروها فنجد أن السياسية تبنت العمل ومتابعة قرارات المؤتمرات الثلاثة المهمة، وهى مؤتمر لندن لهنرى كمبل بترمان وقراراته السرية (استغل لإصدار وعد بلفور)، ومؤتمر معاهدة سايكس بيكو، ومؤتمر سان ريمون وذلك بقيادة هيرتزل حتى وفاته عام 1904، وتولى بعده حاييم وايزمان حتى تم إصدار قرار الانتداب من عصبة الأمم، وفى ديباجته قرار تنفيذ وعد بلفور، وقامت الصهيونيات التوطينية والاستيطانية والعمالية وصهيونية غير اليهود بتوفير اللازم من المال والبشر والعمل الجاد على هجرة اليهود إلى فلسطين فرادى وجماعات، فكانت الهجرة الأولى عام 1882، والثانية عام 1904، والثالثة عام 1919، والرابعة عام1924 . وكانت الصهيونية الدينية بواسطة الحاخام يهودا القلعى قد تبنت فكرة أن العودة تحت قيادة بشرية إلى أرض الميعاد (فلسطين) دون انتظار الماشيح المخلص ضرورية لاستقباله فيها حيث يحتلها الأغيار (كل ما هو غير يهودى) فبدأ اليهود الأرثوذكس فى الهجرة على غير اعتقادهم القديم ويقول بن جوريون معلقا على ذلك: "إن وعد بلفور أو صك الانتداب من عصبة الأمم يظلان قصاصتى ورق ما لم نعمل نحن على استحضار اليهود إلى فلسطين وتهيئة الأرض للاستيطان على مجال واسع".
- التزم اليهود بجميع طوائفهم وانتماءاتهم العقائدية والسياسية بما أقره الكنيست الأول (مؤتمر بازل) بالخطة التنفيذية لإقامة الدولة فى أرض الميعاد التزاما صارما وعقدت المؤتمرات الصهيونية كل عام تقريبا لمتابعة التنفيذ ودراسة المتغيرات والمشاكل التى تعوق التنفيذ لحلها، وهذه الخطة لم تصدر بها وثيقة، ولكن متابعة التنفيذ تؤكد وجودها والذى من الممكن أن تكون مكونة، من وجهة نظرى، من أربع مراحل يمكن إيجاز ثلاثة منها والاستفاضة فى الرابعة.

المراحل الأساسية لإقامة الدولة اليهودية:
المرحلة الأولى: التجسس والتسلل إلى فلسطين وبدأت المرحلة من عام 1865م حتى عام1917م. والهدف من المرحلة: الاقتراب واستكشاف أرض فلسطين، والتسلل إلى المواقع المهمة من الأرض التى يمكن إقامة استيطان (زراعى- صناعى- حرفى) فيها وله المقدرة الدفاعية عن كيانه، وقيام المنظمة الصهيونية العالمية بتنفيذ الفكر السياسى اللازم والتمهيد لاختيار الوطن القومى لليهود من خلال المساعدات الأوروبية وخاصة الدول الكبرى الداعمة والمتوافقة للمصالح المشتركة، وبناء وخلق النواة للقوة العسكرية لليهود فى أرض فلسطين (منظمات شبه عسكرية) وإخراجها إلى حيز الوجود.
المرحلة الثانية: اغتصاب أرض فلسطين وبدأت المرحلة من عام 1917م إلى عام 1947م. الهدف من المرحلة :العمل السياسى لتقنين الوجود اليهودى فى فلسطين، وتكوين الكيانات السياسية اليهودية (الوكالة اليهودية) وإنشاء المنظمة العسكرية (الهاجاناه)- مقاومة المد الثورى الفلسطينى، والتحول إلى الهجرة الجماعية، وإطلاق الإرهاب الصهيونى من المنظمات السرية ضد الفلسطينيين.
-المرحلة الثالثة: التوسع وإقامة إسرائيل، وبدأت المرحلة من عام 1947م وحتى يوليو 1973م.والهدف من المرحلة :استمرار الإرهاب وتصعيده لطرد الفلسطينيين من الأرض والاستيلاء عليها، وتأسيس وإعلان قيام دولة إسرائيل، وزيادة معدلات الهجرة إلى فلسطين، وتثبيت وضعية الدولة بالمنطقة، والعمل على توسيع حدود إسرائيل حتى تتطابق مع أرض مملكة داوود الدولة اليهودية، وإعادة ترتيب وتوازن القوى بالشرق الأوسط فى ظل مصالح الدول الكبرى. وإخضاع العرب وإنهاء مقاومتهم ومطالبهم بأرض فلسطين... وقد شهدت هذه المرحلة حروب إسرائيل التى مكنتها من إقامة الدولة وتحقيق الأمن لها وبمساعدة المجتمع الدولى بزعامة الدول الكبرى الفاعلة، ويكن القول إن أهداف هذه المراحل الثلاث قد تحققت ما عدا تطابق حدود الدولة مع ما جاء بالعهد القديم (مملكة داوود).
المرحلة الرابعة: الانكماش والسلام والفكر الاستراتيجى لإقامة الدولة اليهودية. وزمن المرحلة  يبدأ من يوليو 1973م حتى 2030م والهدف من المرحلة احتواء آثار هزيمة حرب الغفران (أكتوبر 1973م) والتقليل من الآثار السلبية لها، وتقييم تنفيذ نظرية الأمن الإسرائيلى لمواجهة الواقع بعد حرب أكتوبر، ومحاولة فرض السلام فى المبادرات الدولية المعروضة من وجهة النظر الإسرائيلية ومعالجة الآثار السلبية لمعاهدة السلام مع مصر، والعمل على استمرار وزيادة معدل الهجرة إلى إسرائيل، واستغلال الدعم الأمريكى لاستعادة زمام السيطرة على الموقف فى المنطقة من خلال الشرق أوسطية المقترحة بأشكالها المختلفة، والاستمرار فى تقوية وتحديث جيش الدفاع الإسرائيلى مع الاستعداد بل تنفيذ الضربات الاستباقية لأى بلد عربى مجاور أو مؤثر فى ميزان القوى، والعمل على تفتيت التجمع العربى وبصفة دائمة، والعمل على تنفيذ يهودية الدولة حتى يمكن إفراغها من الفلسطينيين، والعمل على قيام الصراعات الإقليمية فى المنطقة (مثل إيران/العراق....) لإضعاف القوى العربية وحتى يمكن استكمال واستعادة أرض إسرائيل الكبرى، ولكن لن تتحقق هذه الأهداف.

مخطط الشرق الأوسط الجديد من أجل الدولة اليهودية:
إن تاريخ اليهود والصهيونية يشير دائما إلى عقيدتهما فى تنفيذ الأهداف بجميع الوسائل والأساليب الممكنة والمتاحة فى كل مرحلة أو فترة زمنية ويمكن إيجاز ذلك فى الآتى:
أ- استغلال القوى الكبرى التى تكون حليفتهما فى تنفيذ ما لا يمكن تنفيذه بالقوة الذاتية لليهود فى تلك المرحلة مثل (دولة فارس للعودة إلى كنعان بعد الأسر البابلى، بريطانيا وفرنسا بالقرنين التاسع عشر والعشرين فى بدء وتنفيذ مخطط العودة لفلسطين، والولايات المتحدة والغرب عموما فى تمكين واستقرار دولة إسرائيل بعد إعلانها) وما قامت به الولايات المتحدة وهى القطب الأوحد فى أواخر القرن العشرين ومطلع الحادى والعشرين يتضح الآتى:
(1) العمل على تنفيذ معاهدة السلام مع مصر والأردن منفردا لكل منهما مع العمل على وضمان عدم حضور الفلسطينيين مع مصر.
(2) الفتنة الكبرى فى غزو العراق للكويت تسبب فى حرب تحرير الكويت (الخليج الثانية) التى كانت أهم نتائجها تقسيم العراق إلى ثلاث مناطق، وحصر صدام حسين فى المنطقة الوسطى والأكراد فى الشمال والشيعة فى الجنوب، بالإضافة إلى شق الصف العربى تماما، ورهن البترول العربى لمصلحة تكاليف الحرب، وإعلان مشروع شيمون بيريز عن السوق الشرق أوسطية لتمكين إسرائيل من اقتصاديات المنطقة العربية ورفض من العرب .
(3) حرب الخليج الثالثة بحجة القضاء على حكم صدام حسين ومن نتائجها تقنين أوضاع التقسيم بين سنة وشيعة وأكراد الذين منحوا حق الحكم الذاتى لمنطقتهم وهى المنطقة التى تصبو إليها إسرائيل لوجود الحدود الشمالية التاريخية دولة اليهودية بها حيث نهر الفرات والاتفاق مع الأكراد على ذلك.
(4) وضع المخطط الأمريكى للشرق الأوسط الكبير/الجديد موضع التنفيذ بمجابهة فكرة أن حرب أكتوبر هى آخر الحروب كما أعلن السادات عقب توقيع المعاهدة، وأنها ضد الفكر الاستراتيجى اليهودى المبنى على العنف والحرب، كما أنها ألغت الاحتفال بالدولة اليهودية فى الذكرى المئوية لمؤتمر بازل عام1997، لذا جاء التخطيط الجديد على شيمون بيريز عندما أعلن السوق الشرق أوسطية التى رفضت من العرب، وتولت أمريكا المهمة بإعلانها الشرق الأوسط الكبير المبنى فى جوهره على إعادة تقسيم المنطقة وتفتيتها عرقيا ودينيا وحدود الدم وهو ما عرفته كونداليزا رايس وزيرة الخارجية الأمريكية بالفوضى الخلاقة (سايكس  -بيكو الجديدة) لتصبح إسرائيل فى نهايته الدولة المسيطرة فى المنطقة مع استغلال ضعف واستكانة أهل الأرض التى تريد أن تستولى عليها، والعمل على استمرار هذا الضعف وتفتيت قوتهم وتقسيمهم إلى شراذم متصارعة فيما بينهم (الدول العربية فيما بينها، وتقسيم الفلسطينيين طبقا لاتجاهات الدول العربية، والمنظمات الفلسطينية وصراعها فيما بينها) ولتصبح هذه القوى من الضعف حتى لا تستطيع مواجهة ما تفعله إسرائيل من أحداث فى المنطقة مثل تهويد الأراضى وتغيير المعالم التاريخية العربية لها، وضم أراض جديدة من الضفة، أشكال العنف المفرط والعنصرية ضد العرب.
-تكوين القوة الذاتية الإسرائيلية الرادعة بخلق القاعدة العلمية والصناعية والحربية وتطوير وامتلاك وسائل مطلقة للردع (تقدم تكنولوجى  –صناعة حربية ثقيلة مثل الدبابات والصواريخ - تطوير أسلحة الدمار الشامل) واستخدامها فى المواجهة عند تهيئة المسرح الدولى والإقليمى لتحقيق هدف أو مخطط حل توقيت تنفيذه مثل الاستيلاء على الضفة الغربية والجولان وقطاع غزة وسيناء فى حرب يونيو 1967م، وتدمير المقاومة الفلسطينية ومعسكراتها فى لبنان بالغزو للأراضى اللبنانية عام 1982 وفيه مذابح صبرا وشتيلا- العدوان على غزة على فترات.....

هل آن الآوان لننتبه ونتحد ونعمل لدرء الخطر كما تفعل مصر الآن؟؟
- إن الثورات العربية ( الربيع العربى) الآن بأحداثها الجسام وأهدافها النبيلة فى القضاء على الديكتاتوريات الحاكمة فى العالم العربى تُستغل فى تنفيذ مخطط الفوضى الخلاقة الذى أعلنته وزيرة الخارجية الأمريكية لتحقيق الشرق الأوسط الكبير وتقسيماته المختلفة وبما يتفق مع الأهداف اليهودية الصهيونية، فإذا كانت إسرائيل ترى حدودها الشمالية هى نهر الفرات فهى لن تصل إليها إلا بعد تفتيت العراق (وهو ما حدث) وكذا تفتيت سوريا (وهو ما يحدث الآن).
ولا يبقى إلا تقنين هذا التقسيم مع ما ينتج عنه من صراعات دموية، وهنا يأتى استخدام القوة الذاتية لإسرائيل؛ حيث ستدَّعى بأن ما يحدث من صراعات يؤثر فى الأمن القومى الإسرائيلى، وعلى جيش الدفاع الإسرائيلى أن يؤمن دولته بالتوسع شمالا حتى نهر الفرات مع الوضع فى الحسبان المحافظة على استمرار حالة عدم الاستقرار فى مصر واستمرار ضعفها الاقتصادى وهى مهمة الدول الغربية كلها، حتى لا تستطيع مصر أن تقوم بدور المنقذ فى هذا الصراع الاستعمارى، كما حدث عبر التاريخ، وتكون خارج القوة والقيادة العربية فى تلك الفترة، ولكن ثورة 30 يونيو وقيادتها وشعبها الواعى تنبه لذلك، واتخذ من الإجراءات التى مكنته من إيقاف هذا المشروع، وهو إيقاف مؤقت ويلزم لاستمراره توحد العرب ووعيهم بخطورته ومواجهته سياسيا وعمليا بمواجهة الإرهاب بجميع أشكاله وفى أى أرض يكون، ودعم الموقف المصرى فى جميع المحافل الدولية، بالإضافة إلى الموقف الاقتصادى لها الذى تراهن أمريكا على فشله، ومن ثم فشل مقاومة مشروع الشرق الأوسط الكبير هدفها هو والصهيونية العالمية راعية بناء الدولة اليهودية أو مملكة داوود.
-  قد تبدو أبعاد ذلك المخطط بعيدة عن التحقيق نظرا للمتغيرات الدولية المعاصرة وتشابك المصالح بين الدول الكبرى والدول العربية، وكذا الإدراك العربى والإسلامى لتحقيق وضع الدولة اليهودية، ولكن الصهيونية التى بدأت كمجرد فكرة باهتة منذ مئة وبضع سنين قد سارت على الدرب المرسوم من قادتها، وتمكنت من تحويل هذه الفكرة الباهتة إلى واقع حى استفحل وجوده حتى تمخض فى السنوات الأخيرة عن أزمة من أخطر الأزمات التى تواجه العالم ابتداء من النصف الأخير من القرن الماضى وحتى الآن؛ وهى أزمة الشرق الأوسط التى عمادها الصراع العربى الإسرائيلى الذى يزداد تعقيدا واتساعا على مر الأيام، ولكن الصهيونية ما زالت تؤمن بقدرتها على فرض الواقع وتشكيل التاريخ وارتقاء سلم يعقوب الذى يقف على أرض الواقع بينما قمته فى السماء؛ فتلك عقيدتهم كما عبر عنها قادتها دائما.


رابط دائم: