سؤال الهوية
29-12-2011

نيفين مسعد
*

عودتنا تونس أن تسبقنا فى طرح الأسئلة المناسبة فى التوقيت المناسب وأن تسبقنا أيضا فى تقديم إجابات لها. وبالتالى فإن من المفيد الاقتراب أكثر من التجربة التونسية ليس بالضرورة من أجل تبنى الإجابات نفسها التى توصل إليها التونسيون، لكن من أجل تدبر تلك الإجابات وتحليل السياق الذى تحقق فيه العبور الآمن من الجزء الأول من المرحلة الانتقالية إلى الجزء الثانى منها. ولذلك سوف ابدأ فى هذا المقال بسؤال الهوية على أن أتناول السؤال الخاص بشكل نظام الحكم فى مقال لاحق.

ورد أول تحديد لأبعاد الهوية التونسية فى الوثيقة الصادرة عن الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة فى 30 يونيو 2011، وهى الوثيقة التى حملت اسم العهد الجمهورى. وتمثل الوثيقة فى صورتها النهائية الصيغة الرابعة بعد أن خضعت صيغتها الأولى لسلسلة متتالية من التعديلات. وقد تم فى البداية تكليف لجنة منتخبة من داخل الهيئة العليا بوضع العهد الجمهورى ثم حُلت اللجنة وأُعيد تشكيلها على أساس التعيين، وهذا مطعن إجرائى يعود السبب فيه إلى الخلاف بين الأجنحة والتيارات السياسية داخل الهيئة. كما أن حركة النهضة التى وافقت على الصيغة الأولى للعهد الجمهورى لم تشترك فى التصويت على الصيغة النهائية نظرا لمقاطعتها فى ذلك الحين أعمال الهيئة العليا لأسباب أهمها تأجيل موعد الانتخابات. هذا مع العلم بأن الموافقة على العهد الجمهورى جاءت بأغلبية 81 من إجمالى 89 صوتا للأعضاء الحاضرين والذين يمثلون حوالى ٪58 من مجموع أعضاء الهيئة.

نص المبدأ الأول من المبادئ العشرة للعهد الجمهورى على أن « تونس دولة مدنية ديمقراطية حرة مستقلة ذات سيادة، الإسلام دينها والعربية لغتها والجمهورية نظامها». ونص المبدأ الثانى على أن «هوية الشعب التونسى عربية إسلامية متفاعلة تفاعلا خلاقا مع قيم الحداثة والتقدم». ونص المبدأ التاسع على «تكريس اللغة العربية لغة وطنية رسمية فى كافة أوجه النشاط مع الانفتاح على اللغات والثقافات الأخرى». ونص المبدأ الأخير على «تعميق الوعى بالمصير العربى المشترك والتفاعل المتكافئ مع المحيط المغاربى والأفريقى والدولى ومناصرة كل القضايا العادلة وفى مقدمتها القضية الفلسطينية ومناهضة الصهيونية والتصدى لكل شكل من أشكال التطبيع مع الكيان الصهيونى».

فى تحليل وثيقة العهد الجمهورى والسياق الذى أُنجزت فيه والنتائج التى ترتبت عليها، يمكن إبداء مجموعة من الملاحظات الأساسية. الملاحظة الأولى هى أن ثمة توأمة دائمة بين مدنية الدولة وإسلامها، وبين عروبة الشعب التونسى وإسلامه من جهة وتفاعله مع قيم الحداثة والتقدم من جهة أخرى، وبين الوعى بوحدة المصير العربى المشترك من ناحية وإدراك أهمية التفاعل المتكافئ مع الجوار المباشر والمحيط الأفريقى والدولى من ناحية أخرى. ومثل هذا التصالح بين مختلف أبعاد الهوية التونسية هو بالضبط ما نفتقده فى حوارات المثقفين المصريين الذين ينطلقون فى التعامل مع أبعاد الهوية المصرية من منطلق التنافى، بمعنى أن مدنية الدولة لا تعترف بأن أغلبية المواطنين دينها الإسلام، وبالعكس فإن إسلام الأغلبية يقف على طرف نقيض مع مدنية الدولة.

الملاحظة الثانية أنه مع كون تونس تخلو تقريبا من التعددية الدينية باستثناء أقلية يهودية صغيرة وهو ما كان يمكن أن يشفع فى تحديد علاقة الإسلام بالتشريع، كأن يقال مثلا كما فى الحالة المصرية إن مبادئ الشريعة الإسلامية هى المصدر الرئيسى للتشريع. أقول على الرغم من ذلك، إلا أن التيار الإسلامى التونسى الذى تقوده حركة النهضة حرص منذ اليوم الأول على عدم المزايدة وإثارة الفرقة من خلال طرح علاقة الدين بالتشريع على طاولة البحث. أكثر من ذلك تمسكت حركة النهضة بمجلة الأحوال الشخصية التى هى مجلة علمانية بامتياز، وعندما صدر قانون تنظيم السلطات العمومية فى 10 ديسمبر الحالى فإنه حصن تلك المجلة ضد التغيير بأن جعلها ضمن القوانين الأساسية التى لا تُقر أو تُغير إلا بالأغلبية المطلقة. ومعلوم أن حركة النهضة لا تملك إلا 41% من إجمالى أعضاء المقاعد داخل المجلس التأسيسى، وبالتالى فإنها عاجزة وحدها عن تغيير مجلة الأحوال الشخصية إن هى أرادت لأنها لا تستطيع توفير النصاب المطلوب ألا وهو 50% +1. وعندما نقرأ قائمة القوانين الأساسية الأخرى التى تشترط النسبة المذكورة نفسها ونجد بينها ما يخص تنظيم الجيش والأمن والقضاء وحرية الرأى والتعبير فإننا ندرك المدى البعيد الذى ذهبت إليه حركة النهضة فى تهدئة مشاعر المواطنين خصوصا النساء منهم.

الملاحظة الثالثة إن هذه الروح التصالحية التى هيمنت على أول وثائق ثورة 14 يناير التونسية فى تعاطيها مع هوية الدولة، هذه الروح لم تنبع من فراغ بل كانت ثمرة شراكة بين قوى المعارضة على اختلاف أطيافها منذ عام 2005. فليس مصادفة أن يأتى المبدأ الأول من المبادئ التى تأسس عليها «منتدى 18 أكتوبر» المعارض فى عام 2006، يأتى ليتبنى إطلاق حوار علنى وشفاف فى الداخل والخارج حول عدة قضايا منها ما يتعلق «بهوية الشعب التونسى وعلاقة الدين بالدولة»، وذلك بشكل عام. فضلا عن بعض القضايا التفصيلية ذات الصلة مثل «حرية المعتقد والضمير وحرية التعبير والمساواة بين الجنسين». مهم أن نستحضر تجربة المنتدى وثمارها الإيجابية ونقارنها بما آلت إليه تجارب المعارضة المصرية فى العمل المشترك سواء داخل حركة كفاية أو الجبهة الوطنية للتغيير أو الجمعية الوطنية للتغيير.

الملاحظة الرابعة إن عدم توقيع حركة النهضة على الصيغة الأخيرة للعهد الجمهورى كان بسبب خلافها مع الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة ولا علاقة له بمضمون هذه الصيغة. بل إن المفاجأة أن الصيغة الأولى التى قبلتها النهضة كانت أكثر تحفظا فى إثارة علاقة الدين بالدولة من الصيغة الأخيرة. فالنص الأصلى للمبدأ الأول فى العهد الجمهورى خلا من الإشارة إلى دين الدولة، وركز على تعدد مقاومات الشخصية التونسية وانفتاحها على الأبعاد العربية والأفريقية والعالمية. لكن تمسك اليسار داخل الهيئة بإعلان موقف واضح من القضية الفلسطينية والتشديد على المصير العربى المشترك قاد إلى تعديلات أخرى شملت النص على دين الدولة. من المهم توضيح هذه النقطة كى لا يقال إن مضمون العهد الجمهورى لا يحظى بموافقة التيار الإسلامى التونسى.

الملاحظة الخامسة والأخيرة إن مختلف الأطراف السياسية اعتبرت ما ورد فى العهد الجمهورى بخصوص هوية الدولة كافيا، وبالتالى فإنها لم تشعر بالحاجة لاجتراره معها وهى تصنع القانون المتعلق بالتنظيم المؤقت للسلطات فى ديسمبر الجارى. وهكذا فإن الفصل الأول من القانون المشار إليه بدأ بشكل عملى ودلف مباشرة إلى المسائل الإجرائية، ثم توالت الفصول من الثانى إلى السادس والعشرين دون تطرق لموضوع الهوية. وبينما يحدث هذا فى تونس فإننا نزج بالمادة الثانية من الدستور فى كل وثيقة ومناسبة وحوار وكأننا كنا شعبا بلا هوية، أو كأننا نعيد اكتشاف إسلامنا، والحق أن ما نفعله ليس أكثر من فرز وتصنيف القوى التى تختلف فى السياسة وربما تختلف فى الدين لكنها تشترك فى الوطن.

فى ندوة عُقدت ببيروت قبل أيام تساءل أحد الباحثين المصريين البارزين لماذا تسبب نجاح الإسلاميين فى مصر فى كل هذا الهلع ولم يكن هناك لفوز الإسلاميين رد فعل مماثل فى تونس. وعلى هذا التساؤل أجيب صديقى الباحث فلنقارن بين تراجع حمادى الجبالى الأمين العام لحركة النهضة التونسية عن تصريحه بأن بلاده دخلت فى دورة حضارية جديدة قوامها «الخلافة الراشدة السادسة»، وذلك بعد رد فعل عنيف من المجتمع التونسى على هذا التصريح، وبين استهزاء مهدى عاكف المرشد السابق لجماعة الإخوان المسلمين بالمعارضين لرأيه فى جواز حكم المسلم الماليزى لمصر وقوله لهم «طز»، فلنقارن بين كلا المسلكين فلعل فى المقارنة إجابة على سؤال هذا الصديق.

-------------------------
* نقلا عن الشروق المصرية، الخميس 29 ديسمبر 2011.


رابط دائم: