صراع المصالح والأيديولوجيا:|"ندوة": السياسة الإيرانية تجاه الأوضاع الداخلية في الخليج
31-10-2011

ريهام مقبل
* باحثة في مجلة الديمقراطية، مؤسسة الأهرام.

صاحب تراجع دور وفاعلية قوى إقليمية عربية تقليدية، على رأسها الدور الإقليمي المصري إبان العقد الأخير من حكم "مبارك" في عديد من ملفات المنطقة المهمة، تزايد دور قوى إقليمية جديدة في المنطقة، لتحل تركيا وإيران محل النفوذ المصري والسعودي المتراجع عربيا والذي كان جليا في عديد من المشاهد الإقليمية، بداية من حرب لبنان 2006، وحرب غزة نهاية عام 2008، وبدايات عام 2009، والحصار الإسرائيلي لقطاع غزة، والتعدي على أسطول الحرية. وهي أمور رفعت أسهم تلك الدول في الشارع العربي، أظهرته نتائج استطلاعات الرأي العام العربية، على الرغم من قلتها.

وواكب تصاعد النفوذ الإقليمي الإيراني في المنطقة توتر في العلاقات العربية – الإيرانية. فقد مرت هذه العلاقات بمراحل متعددة من الصعود تارة، والهبوط تارة أخرى. ومع اندلاع الثورات العربية، دخلت العلاقات بين الطرفين مرحلة اختبار جديد تزيد ضبابية مع تباين الموقف الإيراني من الثورات العربية ما بين التأييد والدعم والرفض، الأمر الذي يضفى غموضا حول مستقبل الدور الإيراني في المنطقة، في وقت لا نستطيع أن نتحدث فيه عن موقف عربي واحد تجاه إيران، بل هناك اتجاهات متعددة ومتباينة وأحيانا متناقضة، ويزيد الأمر ارتباكا بوجود كثير من القوى الخارجية التي تلعب أدوارا ضاغطة ومثبطة للعلاقات بين الطرفين العربي والإيراني.

وفي محاولة لبحث ومناقشة توجهات السياسة الإيرانية تجاه الأوضاع الداخلية لدول مجلس التعاون الخليجي، مع التركيز على حالة البحرين، والموقف الإيراني من الثورات العربية، وكذلك مستقبل العلاقات العربية- الإيرانية، عقد مركز الحوار للدراسات السياسية ندوة بعنوان "السياسة الإيرانية تجاه الأوضاع الداخلية في الخليج"، في العشرين من أكتوبر بحضور عدد من الباحثين والأكاديميين.

محددات العلاقات العربية - الإيرانية

تطرقت الندوة لأسباب توتر العلاقات العربية – الإيرانية. فتاريخيا، لم تكن هناك رؤية إيرانية موحدة تجاه العلاقات مع الدول العربية. ففي فترة الشاه، اتخذت إيران سياسات مناهضة للدول العربية، نتيجة اعتماد إيران على الحلفاء الغربيين كحليف، وكانت طهران القوة الإقليمية التي تدافع عن مصالح القوى الغربية بالمنطقة، في وقت كانت تقود فيه مصر الناصرية سياسات مناهضة للقوى الغربية، خاصة في حقبة الستينيات والسبعينيات من القرن المنصرم.

ومع قيام الثورة الإيرانية عام 1979، اتخذت إيران سياسات مضادة للقوى الغربية، في الوقت الذي تحولت فيه مصر وأغلبية الدول العربية إلى التحالف مع القوي الغربية، لاسيما الولايات المتحدة ، والتى تعزز الانفتاح المصري على القوى الغربية مع توقيع اتفاقية السلام المصرية - الإسرائيلية عام1979، بما يعنى أنه في الوقت الذي شهدت فيه إيران تحولات في أنماط تحالفاتها وسياساتها، كان هناك تحول مضاد في أنماط تحالفات وسياسات عدد من القوى الإقليمية العربية، وفي مقدمتها مصر.

اتخذت العلاقات بين الدول العربية وإيران منحنى سمته التدهور بعد قيام الثورة الإيرانية عام 1979 لأسباب عدة، من أهمها:-

أولا:التدخل الإيراني المستمر في الشئون الداخلية لمعظم الدول العربية، وعلى رأسها العراق وبعض دول الخليج العربي، واحتلالها لثلاث جزر إماراتية (طنب الكبرى، وطنب الصغرى، وأبو موسى).

ثانيا:دعم سياسة التشيع في بعض الدول، مع السعي لتصدير الثورة إلى الخارج.

ثالثا:تكريس حالة من عدم الاستقرار السياسي والأمني، نتيجة التخوف من تطورات أزمة الملف النووي الإيراني وتبعاته على أمن الخليج العربي.

ورغم ذلك، لم تصل العلاقات بين إيران ودول مجلس التعاون الخليجي إلى حد القطيعة، وتتجنب دول مجلس التعاون الخليجي الدخول في أزمة مع إيران في محاولة لاحتوائها. فالبحرين - على سبيل المثال - لم تندفع لقطع علاقتها الدبلوماسية مع إيران، بالرغم من استخدام طهران للملف الشيعي للضغط على السياسة البحرينية الداخلية. والإمارات من جانبها، وعلى الرغم من استمرار الاحتلال الإيراني لجزرها الثلاث، فإنها تُعد أكبر شريك تجارى أجنبي مستثمر في إيران، حتى وصل التبادل التجاري بينهما من 2009 إلى عام 2010 إلى 18 مليار دولار.

الموقف الإيراني من الثورات العربية

ناقشت الندوة اتجاهات الموقف الإيراني من الثورات التي تشهدها الدول العربية. وقد تراوح الموقف الإيراني بين التأييد تارة والمعارضة تارة أخرى، حيث أيدت إيران بعض الثورات، مثل ثورة مصر وتونس، وأيدت ضمنيا الثورة الليبية، مع التحفظ على التدخل العسكري الغربي، كما أيدت مطالب المعارضة الشيعية في البحرين ورفضها للتدخل الخارجي من جيرانها أعضاء مجلس التعاون الخليجي لقمع المظاهرات الشيعية في البحرين، وأيد البرلمان الإيراني – أيضا - الاحتجاجات في اليمن، ولكنه رفضها في سوريا.

أيدت إيران النظام السوري في مواجهة الاحتجاجات الشعبية التي تجتاح المدن السورية لدرجة أنها وصفت تلك الاحتجاجات بالمؤامرة الخارجية، وحاول الإعلام الإيراني تسليط الضوء على الروايات الرسمية السورية، وتجاهلت المعارضة ورواياتها. ومن ثم، تضاءلت فرص نجاح الثورة في سوريا والتحول الديمقراطي، نتيجة للمساندة الإيرانية، سواء كانت مادية أو عسكرية، لتعطيل نجاح التحول الديمقراطي. وهذا الموقف لم يكن مفاجئا نتيجة لطبيعة العلاقات الاستراتيجية بين سوريا وإيران، لأنه في حالة سقوط نظام الرئيس السوري "بشار الأسد"، فيعنى ذلك فقدانها لأهم حليف استراتيجي في المنطقة، ومن ثم فقدانها للتواصل مع حلفاء آخرين، مثل "حزب الله" اللبناني، و"حماس"، الأمر الذي أدى لتغيير قواعد المنطقة بأكملها، وكل ذلك كشف عن الازدواجية في المواقف.

وركزت الندوة على الموقف الإيراني من الأحداث في البحرين، وتم التركيز على هذا الملف، نظرا لما تمثله البحرين من أهمية وخصوصية، سواء على المستوى الخليجي أو على مستوى أطماع إيران. فقد أيدت إيران الأحداث منذ بدايتها، ووصفت مطالبها بالمشروعة، واتهمت بالتدخل المباشر في الشأن البحريني، من خلال دعمها لقوى المعارضة الشيعية المتمثلة في جمعية الوفاق، والتي رأت في إيران نموذجا ينبغي تطبيقه في المملكة.

أما داخليا، فمثلت الاحتجاجات التي قام بها الشيعة في البحرين، احتجاجا على بعض الأوضاع، خللا بالأمن العام في البحرين، نتيجة قيام الشيعة بسلسلة من الأعمال التخريبية، وقتل وعنف، مما ساعد على تفاقم الأزمة، واستدعاء قوات درع الجزيرة لضبط الوضع الأمني، وهذا التدخل عارضته إيران بشدة. وقد أكدت الندوة أن نظم الحكم في دول مجلس التعاون، وليس فقط في البحرين، تحظى بقبول ورضا شعبي، يمنحها الشرعية، وهو الذي حصنها ضد موجة الثورات التي اجتاحت الدول العربية هذا العام.

وأبدى مجموعة من الباحثين عددا من الملاحظات حول الموقف الإيراني من الثورات العربية، أهمها:

أولا:عدم وجود موقف إيراني ثابت من الثورات العربية الذي يتوقف على مصالحها، وهو مرتبط أيضا بمواقف الدول العربية من طموحاتها الإقليمية.

ثانيا:محاولة استغلال إيران للثورات العربية، وتأكيد كونها بوادر صيحة إسلامية، والدعوة إلى أنظمة حكم تقوم على أساس ديني.

ثالثا:إضفاء طابع أيديولوجي على الثورات من خلال التركيز على مواقف الأنظمة في الدول التي تشهد الثورات تجاه الغرب وإسرائيل.

مستقبل الدور الإقليمي الإيراني

ركز الباحثون خلال الندوة على تأثير الثورات العربية فى الحسابات الإيرانية تجاه المنطقة، حيث إنها  تنظر إلى التطورات من منظور مصالحها، وليس مطالب تلك الثورات، لذلك خسرت إيران كثيرا من رصيدها لدى الشعوب العربية، نتيجة لتعاملها مع الأحداث البحرينية على أنها أزمة طائفية، بالإضافة إلى دعمها التام للنظام السوري ضد الانتفاضة الشعبية في سوريا.

وركزت الندوة على عدد من المعطيات التي تشكل مستقبل الدور الإيراني بالمنطقة وقضاياها، ويتمثل أهمها في وجود صراع بين رؤية الدولة الإيرانية ومنطق الثورة، أي المصلحة في مواجهة الأيديولوجية لدى صانع القرار الإيراني. فلم تكن هناك صعوبات في تطبيق الأيديولوجية الثورية الدينية على ثورات مثل تونس ومصر، ولكن اختلفت الحالة في النظام السوري. بالإضافة إلى وجود مشاكل داخلية إيرانية، نتيجة لاضطهاد المعارضة، وقمع كثير من الحركات الإيرانية الاحتجاجية، ومن ثم فقدان نموذجها للمصداقية والشرعية.

وختاما،برزت وجهتا نظر بين الباحثين في الندوة حول موقف الدول العربية المستقبلي تجاه إيران. فتدعو وجهة النظر الأولى لمزيد من الحوار، وفتح قنوات للحوار، اعتمادا على تفعيل الدبلوماسية الشعبية بين الطرفين. أما وجهة النظر الأخرى، فتطالب بضرورة اتخاذ مواقف عربية جادة حيال بعض القضايا التي تتدخل فيها إيران في الشئون العربية عامة والخليجية خاصة، والضغط على إيران من خلال إثارة الداخل الإيراني، واللعب على ورقة الأقليات، وفى مقدمتها السنة، مثلما تقوم إيران، وأهمية إنشاء قنوات إعلامية ناطقة باللغة الفارسية لمخاطبة الداخل الإيراني، وتصحيح الصورة الخاطئة عن أحداث المنطقة العربية التي تنقل داخل إيران.


رابط دائم: