الأبعاد القانونية والاجتماعية لتشديد عقوبة جريمتي التحرش الجنسي والتنمر
21-12-2023

لواء د. خالد مصطفى فهمى
* أستاذ القانون بأكاديمية الشرطة والجامعات المصرية ورئيس قسم حقوق الإنسان بجامعة السلام

أصدر السيد رئيس الجمهورية القانون 185 لسنة 2023 بتعديل بعض أحكام قانون العقوبات (الذي يحمل رقم 58 لسنة 1937 والصادر في الخامس من أغسطس 1937) وذلك بعد أن قرره مجلس النواب ونشرته الجريدة الرسمية في الرابع من ديسمبر 2023 وفي الحقيقة أن القانون جاء في جريمتين هما التحرش الجنسي والتنمر، ففي جريمة التحرش الجنسي نظر المشرع لحماية المرأة من التحرش الجنسي الذى تتعرض له ووسع من الظروف المشددة فسلوك التحرش يعرف بأنه المُضايقة أو إتيان أي فعلٍ غير مرحبٍّ به، يشكل انتهاكاً للضحية، ويتدرج من مرحلة الإيذاء النفسي إلى الإيذاء اللفظي أو التلميحات المسيئة، ويصل لحد الإيذاء الجسدي والجنسي، وتعتبر جريمة التحرش الجنسي من الجرائم التي يوليها العالم اليوم الاهتمام من أجل وضع الحلول لها بعدما أصبحت ظاهرة عالمية، تحدث في أماكن العمل والأماكن العامة والخاصة ووسائل النقل، وقد يكون الجاني من محارم المجني عليه فبدلاً من أن يكون حريصاً على حماية المجني عليه يكون هنا هو المعتدى، فالجاني يقدم على الاعتداء على شرف المجنى عليه بالإشارة أو الإيماءات أو الملامسة أو الكلام حين يدعو المجنى عليه لممارسة الأعمال الجنسية معه. ويشمل ذلك عدة وسائل مثل الكلام والمحادثات والمعاكسات أو المجاملات غير البريئة ويحدث عادة من طرف الجنس الأخر الذي يكون عادة في موقع سلطة وقوة بالنسبة للأنثى كمحارمها، كما أنه لم يقتصر أن يكون المجني عليه امرأة، فقد تقع هذه الجريمة على الأطفال من خلال استغلال ضعفهم وعدم تمييزهم فيمارس الجاني عليه تلك الممارسات الشاذة. ولا يشترط أن تقع الجريمة من رجل لامرأة فقد تقع من امرأة على رجل .

أما الجريمة الثانية التي تم تعديلها هي جريمة التنمر حيث تشكل جريمة التنمر إحدى الجرائم التي ألقت بظلالها وآثارها الوخيمة على المجتمع المصري وازدادت تلك الجريمة بشكل كبير بين طلاب المدارس وفي بيئة العمل فضلاً عن تواجدها في الشارع المصري فلم تعد قاصرة على فئة بعينها بل تفشت بحيث لم يعد أحد بمنأى عنها، وأصبحت متواجدة بطرق تقليدية وإلكترونية، مما أسفر عن أضرار بالغة بالصحة الجسدية والنفسية للمجني عليهم؛ فضلاً عن الإضرار بحقوقهم الإنسانية وكرامتهم؛ بما يتنافى مع ما قررته أحكام الشرائع السماوية والنظم القانونية الوضعية بأن يحيا الإنسان في مجتمعة بكرامة دون سخرية منه أو امتهان لقدره أو المساس بشرفه واعتباره، لذلك كان التدخل التشريعي بالقانون 189 لسنة 2020 بإضافة تلك الجريمة إلى قانون العقوبات ليردع كل من تسول له نفسه ارتكاب هذا المسلك المشين، وجاء التعديل التشريعي ليزيد الحماية للمتنمر بهم.

أولاً- فلسفة التعديل التشريعي:

بعد أن أصبح التحرش من أخطر آفات المجتمع فقد امتد أثره لجميع أفراد أسرة المجنى عليه و للمجتمع كله فهو من أشد الانتهاكات لحقوق الإنسان وحرياته الأساسية ويمثل شكلاً من أشكال العنف من خلال سلوكيات وتصرفات سواء كانت مباشرة أم ضمنية ايحائية تحمل مضموناً جنسياً، فجاء التعديل التشريعي ليتوافق مع الصور المستحدثة من جرائم التعرض للغير في مكان عام أو خاص بالتحرش الجنسي أو التنمر حال ارتكاب الجريمة في مكان العمل أو إحدى وسائل النقل العام أو الخاص أو من شخصين أو أكثر.

ويتفق التشريع من التزام الدولة بحماية مواطنيها حيث جاءت ديباجة الدستور لتنص على: (نحن نؤمن بأن لكل مواطن الحق فى العيش على أرض هذا الوطن فى أمن وأمان، وأن لكل مواطن حقًا فى يومه وفى غده)، كما نصت المادة العاشرة من الدستور على: (الأسرة أساس المجتمع، قوامها الدين والأخلاق والوطنية، وتحرص الدولة على تماسكها واستقرارها وترسيخ قيمها). كما نصت المادة 11/3 على: (وتلتزم الدولة بحماية المرأة ضد كل أشكال العنف، وتكفل تمكين المرأة من التوفيق بين واجبات الأسرة ومتطلبات العمل). كما نصت المادة 59 على: (الحياة الآمنة حق لكل إنسان، وتلتزم الدولة بتوفير الأمن والطمأنينة لمواطنيها، ولكل مقيم على أراضيها). كما نصت المادة 93 من الدستور على: (تلتزم الدولة بالاتفاقيات والعهود والمواثيق الدولية لحقوق الإنسان التى تصدق عليها مصر، وتصبح لها قوة القانون بعد نشرها وفقًا للأوضاع المقررة). فالدولة عليها التزام بالاتفاقيات التي سبق وصدقت عليها والخاصة بالقضاء على جميع أشكال التميز ضد المرأة (سيداو- 1979)، والإعلان بشأن القضاء على العنف ضد المرأة 1992.

كما أن الدولة ملتزمة بمكافحة التنمر فجاء أول قانون ينص على التنمر القانون 189 لسنة 2020 والذي أضاف المادة 309/ مكرر/ب لقانون العقوبات وذلك بعد ازدياد حالات التنمر خاصة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، كما أعلنت اليونسكو أن الخميس الأول من شهر نوفمبر من كل عام يوماً دولياً لمكافحة كافة أشكال العنف والتنمر في المدارس، وتم الاحتفال به أول مرة في 2008 وجاء في الإعلان: (فلنرجو أن يكون أول احتفال بهذا اليوم الدولي فرصة لتعزيز الوعي العالمي تعزيزاً كبيراً بحجم هذه الآفة وبضرورة استئصال شأفتها بأسرع طريقة ممكنة. فالقضاء على العنف والتنمر في المدارس قضية عامة تعنينا جميعاً، ويشمل هذا التلاميذ وأولياء أمورهم والأوساط المعنية بالتربية والتعليم والمواطنين العاديين)، وجاء الاحتفال هذا العام يوم 2/11/2023 وأعلنت ضرورة القضاء على التنمر الالكتروني وكافة أشكال التنمر بالمدارس تحت شعار: (لا مكان للخوف - القضاء على العنف في المدارس من أجل تحسين الصحة النفسية والتعلم)، وعليه فإن مكافحة التنمر واجب على الدولة فالقانون له قوة الردع والزجر بالجاني ولم يعد كافياً التشريع الحالي ليحمي من كافة وسائل التنمر، وكان لابد من بذل جهد كبير لوقف جريمة التنمر، فالبعض يتعامل مع هذا الفعل باعتباره سخرية وفكاهة لا يقصد بها الاضرار بالمجني عليه، لكن في الحقيقة يتعلق الأمر بجريمة متكاملة الأركان تؤثر بشكل كبير وضخم على ضحية التنمر، فكان من الواجب إيجاد ظروف مشددة أخري خاصة حال ارتكاب الجريمة في مكان العمل أو إحدى وسائل النقل العام أو الخاص أو من شخصين أو أكثر.

ثانياً- جريمة التحرش الجنسي:

وتتمثل أركان جريمة التحرش الجنسي في ركنين هما:

[1] الركن المادي للجريمة: يتمثل في القيام بأفعال التعرض للغير في مكان عام أو خاص أو مطروق بإتيان أمور أو إيحاءات أو تلميحات جنسية أو إباحية سواء بالإشارة أو بالقول أو بالفعل بأية وسيلة بما في ذلك وسائل الاتصالات السلكية أو اللاسلكية أو الإلكترونية أو أية وسيلة تقنية أخرى، فيلجأ الجاني إلى استعمال تلك الأفعال للتحرش بالمجنى عليه سواء حدثت الواقعة في مكان العمل أو في إحدى وسائل النقل أو من شخصين فأكثر أو إذا كان الجاني يحمل سلاحًا أو إذا تكرر الفعل من الجاني من خلال الملاحقة والتتبع للمجني عليه، فإذا كان المجنى عليه يعمل تحت إمرة الجاني فقام باستغلال سلطات وظيفته ضده مثل إصدار أوامر بأن يقوم بأفعال تتنافي مع السلوك الوظيفي أو الآداب العامة أو تهديده بقيامه بفصله من الوظيفة أو توقيع العقاب عليه، أو ممارسة الإكراه المادى أو المعنوى عليه أو ممارسة الضغوط المادية أو النفسية عليه ليستجيب لرغباته الشيطانية.

[2] الركن المعنوي للجريمة: في الجرائم العمدية يقوم القصد الجنائي العام على توافر عنصرين العلم والإرادة، فيجب أن يكون الجاني عالمًا بأن من شأن سلوكه المادي إحداث إساءة للمجني عليه، ثم تتجه إرادة الجاني إلى إتيان هذا الفعل فرغم ثبوت هذا العلم لديه يجنح إلى إتيان السلوك المادي المكون للجريمة، والقصد الجنائي في هذه الجريمة هو القصد الخاص وليس القصد العام فقط ويعني انصراف نية الجاني الى تحقيق غاية معينة او باعث خاص بالإضافة الى توافر القصد العام فغاية الجاني من فعل التحرش تتمثل في طلب الحصول على منفعة ذات طبيعة جنسية، وهي استجابة الضحية للرغبات الجنسية ولم يحدد القانون طبيعة المنفعة، وإثبات القصد الخاص لجريمة التحرش الجنسي يكون من خلال تحديد علاقة السببية بين الأفعال الموصوفة بالتحرش وبلوغ الجاني النتيجة الإجرامية المقصودة والمتمثلة في تلبية رغبات جنسية أو الحصول على فائدة ذي طابع جنسي، فالأفعال الموصوفة بالتحرش لفظية كانت أو جسدية والتي تحمل دلالة واضحة لا لبس فيها كعزل الضحية بالمكتب وإغراؤها أو تهديدها مقابل الرضوخ لنزوات جنسية، إذ أن أغلب الأفعال الموصوفة بالتحرش تقع تحت طائلة التلميح من خلال استعمال ألفاظ وعبارات وجمل تحمل أكثر من معنى، إذ يكون المعنى المشير للجنس الأقرب للتصور والأكثر بداهة أو من خلال الاستعمال أو اللجوء إلى حركات وإيماءات جسدية تختلط فيها النية المتعمدة المقصودة بمجرد سلوك قد لا يثير لغير المتحرش به أي رد فعل.

وحتى يمكن إثبات واقعة التحرش فإن الاثبات يقع على عاتق المجنى عليه بإقامة دليل الإثبات - ووفقا للقواعد العامة للإثبات فإن الإثبات يقع على عاتق المجني عليه استنادا لمبدأ قرينة البراءة، حيث يكون المجني عليه مطالباً بتقديم الأدلة أمام القاضي التي يعتمد عليها في حكمه من خلال تحليله لأدلة الإثبات المقدمة من المجني عليه في ومدى صحتها وقوتها بغية الوصول إلى الحقيقة وهذا اعتماداً على الاقتناع الشخصي من القاضي، ويتم ذلك الاقتناع بأحد طريقين:[1] حرية القاضي في الاستعانة بكافة وسائل الإثبات المقدمة لديه التي تمكنه من الوصول إلى تحقيق قناعته الشخصية.[2] حرية القاضي في تقدير جميع عناصر الإثبات التي تكونها ظروف ومعطيات الدعوى المطروحة أمامه.فأدلة الثبوت التى تكون محل تقدير القاضي تتمثل في اعتراف الجاني بارتكاب فعله - وفقا لقاعدة الاعتراف سيد الأدلة - وشهادة الشهود – ويشترط أن يكون الشاهد قد شاهد الواقعة رؤي العين وأن يتصف الشاهد بالعدول- والمحررات التي أثبت فيها الجاني على نفسه الجريمة وقدمها المجني عليه لجهة التحقيق وأمام المحكمة والتي تكون ثابتة أمام القاضي ليكون عقيدته بناء عليها.

لذا فإن المجنى عليه يجب عليه تحرير محضر بالواقعة والهدف من تحرير محضر هو مواجهة السلوك الإنساني غير السوي الموجه للمرأة.الأمر الذي يمنح محرر المحضر الحق في إثبات طلب الجاني الحصول على تلك المنفعة أيا كانت صورتها، فتقديم الشكوى شرط أساسي للبدء في تحريك الدعوى الجنائية، ويجب أن يشير المجنى عليه في شكواه الأفعال والإيحاءات والتلميحات وغيرها من أوجه السلوك غير السوي.

وقد جاء التعديل القانوني على النحو التالي:

جاء فيه بالمادة الأولي من القانون أنه يُستبدل بنصوص المواد أرقام (306 مكرر ًا "أ") و (306 مكررًا  "ب" - فقرة ثانية) ..... من قانون العقوبات، فورد التعديل التشريعي على النحو التالي:

[1] حيث نصت المادة (306 مكرر اً "أ") على أنه: يُعاقب بالحبس مدة لا تقل عن سنتين ولا تجاوز أربع سنوات، وبغرامة لا تقل عن مائة ألف جنيه ولا تزيد على مائتي ألف جنيه، أو بإحدى هاتين العقوبتين كل من تعرض للغير في مكان عام أو خاص أو مطروق بإتيان أمور أو إيحاءات أو تلميحات جنسية أو إباحية سواء بالإشارة أو بالقول أو بالفعل بأية وسيلة بما في ذلك وسائل الاتصالات السلكية أو اللاسلكية أو الإلكترونية، أو أية وسيلة تقنية أخرى.وتكون العقوبة الحبس مدة لا تقل عن ثلاث سنوات ولا تجاوز خمس سنوات، وبغرامة لا تقل عن مائتي ألف جنيه ولا تزيد على ثلاثمائة ألف جنيه، أو بإحدى هاتين العقوبتين إذا ارتكبت الجريمة في مكان العمل أو في إحدى وسائل النقل أو من شخصين فأكثر أو إذا كان الجاني يحمل سلاحًا أو إذا تكرر الفعل من الجاني من خلال الملاحقة والتتبع للمجني عليه.وإذا توافر ظرفان أو أكثر من الظروف المشددة الواردة بالفقرة السابقة يكون الحد الأدنى لعقوبة الحبس أربع سنوات.وفي حالة العود تضاعف عقوبتا الحبس والغرامة في حديهما الأدنى والأقصى.

وكان المشرع قد سبق أن عدل تلك المادة بالقانون 147 لسنة 2006 وكانت جديدة على التشريع فلم تكن موجودة وقت إصدار القانون في سنة 1937 وأضاف للنص السابق عبارتي (إذا ارتكبت الجريمة في مكان العمل أو في إحدى وسائل النقل أو من شخصين فأكثر أو إذا كان الجاني يحمل سلاحًا) وعبارة (وإذا توافر ظرفان أو أكثر من الظروف المشددة الواردة بالفقرة السابقة يكون الحد الأدنى لعقوبة الحبس أربع سنوات)، فالمشرع هنا قد وضع أربع ظروف مشددة للعقوبة بحيث توافرها يؤدى إلى تشديد العقوبة وهي ارتكاب الجريمة في مكان العمل أو وسائل النقل أو من أكثر من شخص في وقت واحد أو إذا ضبط مع الجاني سلاح (ولم يحدد طبيعة السلاح إذا كان سلاح أبيض أو ناري)، كما أن المشرع جاء وجعل من توافر ظرفين من الظروف المشددة تشديد أكثر للعقوبة، وهذه المادة جنحة عقوبتها الحبس والغرامة.

[2] كما نصت المادة (306 مكرراً "ب"- فقرة ثانية):فإذا كان الجاني ممن نُص عليهم في الفقرة الثانية من المادة(٢٦٧) من هذا القانون ( الأشخاص المذكورين في هذا النص همأصول المجني عليها أو من المتولين تربيتها أو ملاحظتها أو ممن لهم سلطة عليها أو كان خادماً بالأجر عندها أو عند من تقدم ذكرهم) وممن له سلطة وظيفية أو أسرية أو دراسية على المجني عليه أو مارس عليه أي ضغط تسمح له الظروف بممارسته عليه، أو إذا ارتُكبت الجريمة في مكان العمل أو في إحدى وسائل النقل أو من شخصين فأكثر أو إذا كان الجاني يحمل سلاحًا تكون العقوبة السجن مدة لا تقل عن سبع سنوات، أما إذا توافر ظرفان أو أكثر من الظروف المشددة الواردة بهذه الفقرة تكون العقوبة السجن مدة لا تقل عن عشر سنوات.

وكان المشرع قد سبق أن عدل تلك المادة بالقانون 141 لسنة 2021 وكانت جديدة على التشريع فلم تكن موجودة وقت إصدار القانون في سنة 1937 وأضاف للنص السابق عبارة (إذا ارتُكبت الجريمة في مكان العمل أو في إحدى وسائل النقل أو من شخصين فأكثر أو إذا كان الجاني يحمل سلاحًا)، وكان المشرع في النص السابق قد وضع عبارة أو ارتكبت الجريمة من شخصين فأكثر أو كان أحدهم على الأقل يحمل سلاحًا، وأضاف في النص الحالي إذا ارتُكبت الجريمة في مكان العمل أو في إحدى وسائل النقل، وهذه المادة فيها تشديد للعقوبة فالمشرع رفع العقوبة من الحبس إلى السجن أي جعل من الجريمة جناية بعد أن كانت في المادة السابقة جنحة، كما أنه لغي عقوبة الغرامة.

ثالثاً- جريمة التنمر:

وتتمثل أركان جريمة التنمر في ركنين هما:

[1] الركن المادى للجريمة:  ويقوم الركن المادي للجريمة على سلوك مادي قِوامه صورة أو أكثر من صورة وتختلف جريمة التنمر عن غيرها من الجرائم فتتفرد وتتميز عن جرائم الضرب، والضرب المفضي إلى عاهة مستديمة، لكونها لا يشترط أن تترك أثرًا ماديًا ملموسًا على جسد المجني عليه، ولكنها تُخلف تأثيرًا نفسيًا كبيرًا عليه ومن صور الجريمة الصور التالية: [أ] القول أو التنمر اللفظي: ويعني تهديد من شخص لآخر، يقصد به الأذى عن طريق السُخرية والتقليل من شأن الآخرين، وانتقادهم نقدًا قاسيًا، والتشهير بالأشخاص والابتزاز والاتهامات الباطلة، والإشاعات، وإطلاق بعض الألقاب المبنية على أساس الجنس، أو العِرق، أو الدين، أو الطبقة الاجتماعية، أو الإعاقة، [ب] استعراض القوة أو السيطرة: ولا يقصد باستعراض القوة استخدام سلاح ناري أو أبيض فتقوم جريمة التنمر إذا استخدم الجاني الكلاب العادية أو البوليسية لاستعراض قوته على المجني عليه، ذلك أن هذا السلوك يبث الرعب والخوف في نفسه.فمتى أظهر الجاني أي عمل من أعمال القهر أو الإرغام أمام المجني عليه، قام الركن المادي لجريمة التنمر بهذه الصورة من صور السلوك الإجرامي، ويستوي أن يَستعرض الجاني القوة بنفسه أو بواسطة غيره.ولا يشترط وقوع عنف على جسد المجني عليه فيكفي إظهار القوة أمامه كما لا يشترط أن يحدث إتلاف لأموال المجني عليه ، ولا يُشترط أن يأتي سلوك استعمال القوة الجاني نفسه بل قد يساهم معه آخر فتقع الجريمة منهما معاأو يستأجر أشخاص للقيام بذلك السلوك، [ج] التنمر البدني: ويعني إيذاء المجني عليه جسديًا، ويأخذ أشكالا مختلفة، منها الضرب والبَصق في وجهه، واتلاف أمواله أو تخريب ممتلكاته الشخصية، [د] التنمر الجنسي: يشمل التلميح بقول غير مرغوب فيه مثل النِكات الجنسية والصور، والتهكمات الجنسية، أو المُخلة بالحياء، أو الشائعات ذات الطبيعة الجنسية، [ه] استغلال ضَعف للمجني عليه أو لحالة تسيء له: وتعني إتيان أي صورة من صور السلوك المادي المكون لجريمة التنمر لعلم الجاني بضَعف المجني عليه، سواء الجسماني، أو المرضي، مثل ذوي الاحتياجات الخاصة، أو المُعوقين، أو طفل منغولي، أو لجنسه، أو عِرقه، أو دينه، أو أوصافه البدنية، أو حالته الصحية أو العقلية أو مستواه الاجتماعي، لوضعه موضع السخرية أو الحط من شأنه أو إقصائه عن محيطه الاجتماعي، أو التقليل من شأن المجني عليه، وتخفيض درجة إحساسه بذاته، أو بوضعه الاجتماعي، [وٍ] التنمر العنصري: وتتمثل تلك الصورة في الاستهزاء والسخرية من عِرق أو سلالة، مثل التهكم على ملامح المجني عليه، أو لونه، أو دينه، أو عِرقه، أو نوع عمله. [و] التنمر الإلكتروني: ويقع التنمر بالطريق الإلكتروني من خلال استخدام التكنولوجيا الحديثة كوسائل التواصل الاجتماعي، ومنصات التواصل، والهواتف المحمولة، وغيرها من أي أجهزة من أجهزة الاتصال الحديثةوكافة الخدمات التي توفرها شبكة الإنترنت لمضايقة شخصٍ آخر، أو تهديده، أو إحراجه، أو التحرش به، مثل نشر معلومات شخصية، أو صور، أو مقاطع فيديو مُصممة لإيذاء شخصٍ آخر أو إحراجه باستخدام التقنيات الرقمية، وهو سلوك متكرر يهدف إلى إخافة أو استفزاز المستَهدفين به أو تشويه سمعتهم، أو نشر الأكاذيب عن شخٍص ما، أو نشر صور مُحرجة له على وسائل التواصل الاجتماعي، أو إرسال رسائل تهديد مؤذية عبر منصات المراسلة، أو إرسال رسائل الكترونية جارحة إلى المجني عليه أو وضع تعليقات غير لائقة اجتماعيًا وأخلاقيًا على صورة خاصة، أو مَقالة، أو فيديو منشور على الإنترنت، وتداوله بين أوساط المجتمع، والتصوير من غير علم الطرف الآخر، ونشر صور الشخص على وسائل التواصل المختلفة بهدف إلحاق الإيذاء به أو التهكم على الصورة أو السخرية منها، أو نشر صور حقيقية أو مُعدلة يبدو فيها الطرف الآخر في وضع لا يرغب في أن يشاهده. الآخرين أو نشر شائعات، أو معلومات عن الطرف الآخر بهدف الإساءة أو تشويه السمعة، بهدف الإساءة للآخرين، والتحرش والابتزاز من خلال قنوات التواصل الإلكترونية المتعددة.

[2] الركن المعنوى للجريمة: هذه الجريمة من الجرائم العمدية التي يقوم ركنها المادي على القصد الجنائي العام بعنصريه العلم والإرادة، فيجب أن يكون الجاني عالمًا بأن من شأن سلوكه المادي إحداث إساءة للمجني عليه، ثم تتجه إرادة الجاني رغم ثبوت هذا العلم لديه إلى إتيان السلوك المادي المكون للركن المادي لجريمة التنمر.والركن المعنوى في جريمة التنمر تعني تخويف المجني عليه، أو وضعه موضع السخرية، أو الحط من شأنه، أو إقصائه من محيطه الاجتماعي.فيتعين أن يكون سلوك الجاني صادرا منه عن باعث أو غاية تحرك إرادته وتدفعه إلى سلوك مادي من شأنه إحداث هذا الأثر في نفس المجني عليه، ومن ثم يتعين توافر نية خاصة لدي الجاني على النحو مار البيان.

وتتحقق الجريمة نتيجة السلوك المادي في جريمة التنمر وأن هذا السلوك قد أسفر عنه تخويف المجني عليه، أو الحط من شأنه، أو إقصائه من محيطه الاجتماعي، أو الإساءة إليه من حيث جنسه أو عِرقه، أو دينه، أو أوصافه البدنية، أو حالته الصحية، أو العقلية، أو مستواه الاجتماعي، أو متى أسفر ذلك السلوك المؤثم عن وضع المجني عليه موضع السخرية، أو كان من شأن ذلك الحط من شأنه أو إقصائه من محيطه الاجتماعي، وتحقق النتيجة من عدمه هي مسألة موضوعية تفصل فيها محكمة الموضوع.

وقد جاء التعديل القانوني على النحو التالي:

جاء فيه بالمادة الأولي من القانون أنه يُستبدل بنصوص المواد أرقام ...... (309 مكررًا "ب" - فقرة ثالثة) من قانون العقوبات، فورد بالتعديل التشريعي تعدل خاص بجريمة التنمر حيث تنص المادة (309 مكرراً "ب") على فعل التنمر حيث عرفت التنمر في الفقرة الأولي بأنه يعد تنمرا كل قول أو استعراض قوة أو سيطرة للجاني أو استغلال ضعف للمجني عليه أو لحالة يعتقد الجاني أنها تسئ للمجني عليه كالجنس أو العرق أو الدين أو الأوصاف البدنية أو الحالة الصحية أو العقلية أو المستوى الاجتماعي بقصد تخويفه أو وضعه موضع السخرية أو الحط من شأنه أو إقصائه من محيطه الاجتماعي، فالجريمة هنا ليست داخلة في التحرش الجنسي فهي تدخل في سلوك من شأنه الإضرار بالأشخاص المتنمر في حقهم الأمر الذي يجعلهم ينزون عن المجتمع، لذا فإن المشرع يعاقب المسيئين لهم، وتنص الفقرة الثانية من المادة على أنه يعاقب المتنمر بالحبس مدة لا تقل عن ستة أشهر وبغرامة لا تقل عن عشرة آلاف جنيه ولا تزيد على ثلاثين ألف جنيه، أو بإحدى هاتين العقوبتين، وجاء التعديل في الفقرة الثالثة من تلك المادة حيث نص التعديل على أنه:وتكون العقوبة الحبس مدة لا تقل عن سنة وغرامة لا تقل عن عشرين ألف جنيه ولا تزيد على مائة ألف جنيه، أو بإحدى هاتين العقوبتين، إذا ارتُكبت الجريمة في مكان العمل أو في إحدى وسائل النقل أو من شخصين أو أكثر أو إذا كان الجاني من أصول المجني عليه أو من المتولين تربيته أو ملاحظته أو ممن لهم سلطة عليه أو كان مُسلمًا إليه بمقتضى القانون أو بموجب حكم قضائي أو كان خادمًا لدى الجاني، أما إذا اجتمع ظرفان أو أكثر من الظروف المشددة السابقة يُضاعف الحد الأدنى للعقوبة.

وكان المشرع قد سبق أن أضاف تلك المادة بالقانون 189 لسنة 2020 وكانت جديدة على التشريع فلم تكن موجودة وقت إصدار القانون في سنة 1937 وأضاف للنص السابق في الفقرة الثالثة ظرفين مشددين للعقوبة بعبارة (إذا ارتُكبت الجريمة في مكان العمل أو في إحدى وسائل النقل)، ولكنه لم يغير من وصف العقوبة فهي لا تزال جنحة كما أنه لم يعدل العقوبات الواردة بالنص قبل التعديل حيث بقت كما هي.

ختاما، لما كانت تلك الجرائم (التحرش والتنمر) قد يرتكبها فاعلها دون إدراك منه بخطورتها وأن من شأنها أن تقود الجاني إلى السجن، فكان لزاما علينا أن نتعاون معا من أجل توضيح الصورة الكاملة لتلك الجرائم وتوجيه أفراد المجتمع بخطورتها والأضرار الناتجة عنها حتى لا يقع أفراد المجتمع فيها دون علم أو إدراك، أما حرص الدولة المصرية على  صدور قانون تشديد عقوبة جريمتي التحرش الجنسي والتنمر، فإنه يأتى استجابة لخطورة هاتين الجريمتين على فئات المجتمع، والأشكال الجديدة المتعددة التى أصبحت تأخذها مع التطورات الاجتماعية والتكنولوجية الحديثة، وهو أمر محمود يحسب لها ويقدر.


رابط دائم: