الحرب الإسرائيلية على غزة .. وانتهاكات القانون الدولى الإنسانى
14-11-2023

عمرو وجدى
* باحث فى مجال حقوق الإنسان

لا يزال العالم يقف صامتا على الإبادة  الجماعيةالتى تقوم بها دولة الاحتلال الإسرائيلى فى قطاع غزة منذ أكثر من شهر؛ حيث ترتكب أفعال تشكّل انتهاكات خطيرة للقانون الدولى لحقوق الإنسان والقانون الدولى الإنسانى، والتى من المفترض أن تشكّل وثائق دامغة لمحاسبة المسئولين الإسرائيليين، وجميع من أمر بهذه الأعمال وحرض عليها ونفذها.

إن الحصار المحكم ومنع كل سبل الحياة عن قطاع غزة من مياه ومواد غذائية ووقود وأدوية يشكلان جريمة حرب؛ إذ إن القانون الدولى الإنسانى يحظر أى شكل من أشكال العقوبات الجماعية ضد السكان، وذلك استنادا إلى المواد (33، 146، 147) فى اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949 التى تؤكد وجوب حماية المدنيين.

كما أن تجويع شعب بأكمله، ومنع الغذاء والدواء عنه، ومنع الوقود عن المستشفيات، يشكّل جريمة إبادة جماعية، وهى تنتهك على نحو واضح المادة  55 من اتفاقية جنيف الرابعة، التى تنص على أن "من واجب دولة الاحتلال أن تعمل، بأقصى ما تسمح به وسائلها، على تزويد السكان بالمؤن الغذائية والإمدادات الطبية، ومن واجبها على الأخص أن تستورد ما يلزم من الأغذية والمهمات الطبية وغيرها إذا ما كانت موارد الأراضى المحتلة غير كافية. ولا يجوز لدولة الاحتلال أن تستولى على أغذية أو إمدادات أو مهمات طبية مما هو موجود فى الأراضى المحتلة، وعليها أن تراعى احتياجات السكان المدنيين".

تشكّل الممارسات الإسرائيلية جرائم حرب موصوفة بدقة ضمن قائمة جرائم الحرب التى تضمنها نظام روما الأساسى لعام 1998 والمنشئ للمحكمة الجنائية الدولية، ومن بينها إلحاق تدمير واسع النطاق بالممتلكات والاستيلاء عليها دون أن تكون هناك ضرورة عسكرية تبرر ذلك، وتعمّد توجيه هجمات ضد السكان المدنيين بصفتهم تلك، أو ضد منشآت مدنية لا تشكل أهدافا عسكرية، ومهاجمة أو قصف المدن أو القرى أو المساكن أو المبانى التى لا تكون أهدافا عسكرية بأى وسيلة كانت، وتعمّد تجويع المدنيين كأسلوب من أساليب الحرب، عبر حرمانهم من المواد التى لا غنى عنها لبقائهم، بما فى ذلك تعمّد عرقلة الإمدادات الإغاثية.

ووفقا للمادة الـ147 من اتفاقية جنيف الرابعة، تتضمن المخالفات الجسيمة للاتفاقية أفعالا معينة إذا اقترفت ضد أشخاص محميين أو ممتلكات محمية بالاتفاقية، مثل: القتل العمد، وتعمد إحداث آلام شديدة أو الإضرار الخطير بالسلامة البدنية أو الصحة، وتدمير الممتلكات واغتصابها على نحو لا تبرره ضرورات حربية، وعلى نطاق كبير بطريقة غير مشروعة وتعسفية.

وتحظر المادة 51 من البروتوكول الإضافى الأول لاتفاقات جنيف لعام 1977 والمتعلق بحماية ضحايا المنازعات المسلحة الدولية الهجمات العشوائية؛ حيث يعد قصف منطقة بأكملها شكلا من أشكال الهجمات العشوائية المحظورة. فكل هجوم، سواء عن طريق القصف الجوى أو غيره من الوسائل، يعامل عددا من الأهداف العسكرية المنفصلة المتمايزة على نحو واضح، والموجودة داخل مدينة أو بلدة أو قرية، أو غير ذلك من الأماكن التى تضم تمركزا مماثلا للمدنيين، بصفتها هدفا عسكريا واحدا، يُعَدّ هجوما عشوائيا محظورا.

وتؤكد المادة 13 من البروتوكول الإضافى الثانى لاتفاقات جنيف لعام 1977 والمتعلق بحماية ضحايا المنازعات المسلحة غير الدولية، تمتُّع السكان المدنيين والأشخاص المدنيين بحماية عامة من الأخطار الناجمة عن العمليات العسكرية، وضرورة إضفاء فاعلية على هذه الحماية ومراعاة القواعد التالية دوما.ولا يجوز أن يكون السكان المدنيون بوصفهم هذا ولا الأشخاص المدنيون محلا للهجوم، وتحظر أعمال العنف أو التهديد به الرامية أساسا إلى بث الذعر بين السكان المدنيين.

صدقت إسرائيل على اتفاقية جنيف الرابعة فى يوليو 1951، لذا تنطبق هذه الاتفاقات وبنودها على الأراضى التى احتلتها إسرائيل بعد حرب يونيو 1967. بالإضافة إلى ذلك، أقرَّت محكمة العدل العليا الإسرائيلية، فى قرارها الصادر فى 30 مايو 2004 رسميا، انطباق اتفاقية جنيف الرابعة على الأراضى الفلسطينية المحتلة.

وتنصلًا من مسئوليتها، تزعم "إسرائيل" أنها لم تعد قوة احتلال منذ أن انسحبت من قطاع غزة فى سبتمبر 2005، غير أن هذا المبرر لا يستند إلى أى أسس قانونية أو موضوعية. فإسرائيل تفرض سيطرتها الفعلية على القطاع من خلال التحكم فى معابره وحدوده ومجاله الجوى ومياهه الإقليمية. كما أن قواتها تقوم، بين فترة وأخرى، بتنفيذ عمليات عسكرية واسعة فى أراضيه. بناءً عليه، فإن حالة الاحتلال الإسرائيلى لا تزال قائمة، وهو ما يفرض ضرورة مراعاة الواجبات التى يفرضها عليها القانون الدولى الإنسانى كدولة احتلال، وإيقاف جرائم الحرب المستمرة التى ترتكبها بحق الفلسطينيين.

أكدت المحكمة الجنائية الدولية أن اختصاصها يسرى على جميع الأراضى الفلسطينية المحتلة، بعد أن انضمت فلسطين إلى المحكمة فى أبريل 2015. لذلك، فإن المحكمة ملزمة بعدم السماح بإفلات المسئولين الإسرائيليين من العقاب، علما بأن نظام المحكمة لا يعتدّ بالحصانات الرسمية.

وتؤكد المادة 8 من نظام روما الأساسى المنشئ للمحكمة الجنائية الدولية، أن الانتهاكات الخطيرة للقانون الدولى الإنسانى، بما فيها الهجمات العشوائية المتعمدة وغير المتلائمة، التى تضر بالمدنيين، تكون جرائم حرب عندما ترتكب مع توافر القصد الجنائى، وهو ما يمكن إثباته بكل سهولة فى ظل تصريحات المسئولين الإسرائيليين الذين يجاهرون بهذا الأمر، ويدعون إلى إبادة الفلسطينيين فى غزة.

ويمكن أيضا عدُّ الأشخاص مسئولين جنائيا بسبب محاولة ارتكاب جرائم الحرب، بالإضافة إلى أولئك الذين أسهموا فى تسهيل ارتكابها أو المساعدة عليه أو تقديم العون له، أو قد تقع المسئولية أيضا على الأشخاص الذين يخططون أو يسهلون ارتكاب جرائم الحرب، أو يحرضون على ارتكابها، وهو ما يمكن من توسيع المسئوليات لتشمل رئيس الوزراء الإسرائيلى بنيامين نتنياهو وأركان مجلس الحرب والجيش وغيرهم.


رابط دائم: