الدبلوماسية الناعمة.. ضرورة استراتيجية فى توازن العلاقات الدولية
25-9-2023

كاترين فرج الله
* باحثة دكتوراه فى الاتصال السياسي

فى ظل ما يشهده العالم الآن من حروب وصراعات وأزمات وكوارث، وفى وقت تسود فيه القوة الصلبة وهى القوة التى لفظها العالم وعانى ويلاتها، يتعطش العالم إلى القوة الناعمة لما لها من تأثير فائق فى تحقيق السلم والأمن وتحقيق الاستقرار للشعوب والمجتمعات والتقارب بين الشعوب وتصحيح الصورة الذهنية والتأثير فى السياسة الخارجية للدول وخاصة المنطقة العربية والإفريقية فى هذه الآونة لتحقيق التقارب العربى والنهوض بالعلاقات العربية العربية وتوحيد الصف العربى والإفريقى والتكاتف الدولى فى الأزمات والكوارث. ولكى يتم ذلك لا بد من التخطيط الجيد على مستوى الدول العربية والإفريقية بالاستخدام الأمثل للقوة الناعمة المتمثلة فى الثقافة والفن والرياضة والاقتصاد والسياسة والمساعدات الإنسانية، وهى مرتكزات الدول بعد أن باتت القوة الخشنة أو الصلبة غير مجدية فى هذه الآونة التى أصبحت فيها الدول الغربية تستعمر شعوبا وتغزوها عن طريق القوة الناعمة وليست القوة الخشنة.

وخير دليل على ذلك أننا نعرف الكثير عن الدول الغربية وتحديدا الولايات المتحدة ولا نعرف إلا القليل عن عالمنا العربى والإفريقى، والسبب يرجع فى توظيف الغرب للقوة الناعمة للوصول إلى شعوبنا ومنطقتنا العربية والإفريقية وبأيدى العرب أنفسهم كما ذكرنا فى مقالات سابقة حتى تتمرد الأجيال على أوضاعها العربية والإفريقية وتهدم دولها بأيديها فى مقابل عدم معرفة الشعوب العربية بدولهم العربية أو الوصول إلى كل شعوبها.

 محددات القوة الناعمة:

مصطلح القوة الناعمة ظهر لأول مرة عام 1990 من قبل المفكر الأمريكى جوزيف ناى، وتعرف بأنها برنامج سياسى يتضمن القدرة على تحقيق المنافع والمصالح دون اللجوء إلى القوة العسكرية (الخشنة) على أن يتضمن هذا البرنامج أولويات الآخرين من خلال الإقناع وجاذبية القيم الثقافية والفنية للدولة ومثلها السياسة، فعندما تبدو سياسة الدولة مشروعة فى عيون الآخرين تتسع قوتها الناعمة، فلكل دولة عناصر أساسية تمثل مصادر رئيسية للقوى الناعمة مثل الثقافة والفن والرياضة والقيم السياسية للبلاد والسياسات الحكومية (طبيعة النظام السياسى، والتفاعل الدولى، والحكم الرشيد).

لذا، فالقوى الناعمة تشمل التأثير فى كل قطاعات الدول ومؤسساتها، وبناء عليه لا بد من صحوة للدول العربية للاهتمام بها بل توظيفها التوظيف الجيد والصحيح لمعرفة العالم العربى بعضه بعضا، ولتوضيح القضايا الخلافية بين الدول وبعضها بتفعيل المضمون الشعبى معززا بقوة واستعداد الحكومات العربية والإفريقية لتسلحه بفيض من المعلومات والإيضاحات أمام شعوبها ومؤسساتها (على مستوى الدولة الواحدة والدول بعضها بعضا)، وتفعيل دور الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعى فى الاتجاه الصحيح بين الدول للتأثير فى الرأى العام العربى بل الدولى أيضا.  خاصة بعد أن أصبح الرأى العام سلطة متحكمة فى الشعوب، لذا اتجهت الدول الغربية إلى زيادة الاعتماد على الرأى العام فى التأثير فى الدول المختلفة، وأصبح أداة مهمة من أدوات السياسة الخارجية من خلال تفعيل القوة الناعمة كآلية من آليات الدبلوماسية الشعبية للتأثير فى الرأى العام، وبناء عليه لابد من اهتمام الدول العربية والإفريقية بزيادة الاعتماد على الدبلوماسية الشعبية والإنسانية بآلياتها كقوة ناعمة وتفعيلها أكثر من أى وقت مضى للوصول إلى الرأى العام حتى تستطيع مواجهة التدخلات الخارجية، وذلك بتأسيس روابط صداقة مع شعوب البلدان الأخرى، وتقديم المعونات ويد العون فى المحن والأزمات، وإقامة المهرجانات والمعارض الثقافية الشعبية والرياضية والروابط التجارية بوصفها وسائل مهمة لتحقيق التفاهم الثقافى والفنى والشعبى على المستوى الدولى الذى يعمل على تعزيز أفكار الشعوب المختلفة وفهمها.

مرتكزات القوة الناعمة: 

تشكل الثقافة عنصرا مهما من عناصر السياسة الخارجية للدول بوصفها كيانات تتمثل فى اللغة والدين والتاريخ والعادات والتقاليد، ولما لها من أثر واضح فى السلوك العام للدول فى صياغة قراراتها مع الدول الأخرى خاصة بعد الثورة التكنولوجية الهائلة التى غيرت المفاهيم المكانية والزمانية، وتجاوزت البعد الجغرافى ومفاهيم السيادة التقليدية ما جعل الدول أقل قدرة على التحكم منها وإليها، وظهر هذا جليا فى التشرذم داخل الدولة الواحدة وبين الدول؛ فالتبادل الثقافى يعزز التواصل والتماسك والاحترام بين الثقافات والحضارات المختلفة وهو ما ينشئ دبلوماسية المشاركة أو الدبلوماسية الإنسانية التى تعد دبلوماسية ذات قيمة خاصة؛ حيث يكون المستهدف منها إشراك العامل البشرى فى تنفيذ تلك الخطط التى تكون أهدافها طويلة المدى فى مجال العلاقات الدولية من خلال تبادل الأنشطة والبرامج الثقافية والرياضية والفنية والتعليمية شريطة أن تكون هذه الأنشطة قادرة على الإقناع والتوجيه مع متابعة للأحداث بدقة، وأن تصاحبها مهارة فى التقديم، فلا يصح أن تعيش الدول منطوية على نفسها فى الأمور السياسية فقط بل تسعى للتقارب بين الشعوب مع التركيز على التفاوض للتوفيق بين الآراء المتعارضة وحسم النزاعات بين الدول ونزاعات الأقاليم والحدود وتنظيم الملاحة والهجرة وإيجاد حلول للمشكلات لتحقيق مصالح دولهم وهو ما يمثل الحفاظ على الأمن القومى وسيادة الدول.

القوة الناعمة وتأثيرها فى السياسة الخارجية: 

رغم ما يشهده العالم من صراعات وحروب وانقلابات وحروب أهلية تحتم اللجوء إلى القوة الخشنة أو الصلبة، ورغم الإدراك الجيد لحتمية هذا النوع من القوة للحفاظ على الأمن القومى للدول وسيادة الدول، وبناء عليه تضطر الدول إلى اللجوء إليه للحفاظ على وجودها وأمنها، لكن فى المقابل هناك دبلوماسية غائبة عن البشر تفتقدها الدول والشعوب الآن وهى الدبلوماسية الإنسانية التى يتعطش إليها العالم فى هذا التوقيت التى تهدف إلى الإنسان فى المقام الأول ومراعاة احتياجاته وأمنه والبحث عن العدالة الاجتماعية، وهى دبلوماسية طريقها مكلل دائما بالنجاح ويفتقدها العالم فى هذه الآونة التى لا تضع أى أمور للإنسان واحتياجاته فى وقت يلفظ فيه العقوبات التى تنال من الإنسان والدول والشعوب بأكملها.

فتفعيل الدبلوماسية الإنسانية لهو أعظم ما يقدم للبشرية الآن ولكل العصور، فإرسال المساعدات وتقديم المعونات، ومد يد العون لكل البشر المكبلين اقتصاديا والمهددين من جراء مخاطر الهجرة والإرهاب والكوارث الطبيعية، وخاصة فى الدول الفقيرة والنامية لهى لمصلحة الإنسان والإنسانية؛ فعرقلة توريد الحبوب من جراء الحرب الروسية الغربية، وعرقلة إرسال المساعدات إلى مستحقيها، وغلق الحدود أمام هذه الإنسانية بمعونتها ومساعداتها، وإنقاذ من هم فى حالة احتياج للإنقاذ، وترك بشر يموتون على الحدود وغرقا فى البحار كل هدفهم هو البحث عن الحياة الكريمة، وترك دول جائعة، وعقوبات تفرض على دول لتجويعها أكثر وتشريد شعوبها، فإن هذا يدل أن العالم الآن أصبحت سمته هى غياب الإنسانية، رغم أن الدول تتغنى بحقوق الإنسان (المفقودة) فى ظل هذا الوضع الإنسانى الكارثى.

الدبلوماسية فى جوهرها اتصال يستهدف تنفيذ السياسة الخارجية للدول، فوسائل الاتصال إحدى الأدوات المهمة للدبلوماسية الشعبية لتكوين علاقات بين شعوب الدول بمراعاة احتياجاتها بتخطيط البرامج وإجراء البحوث والدراسات للرأى العام لتحقيق أفضل النتائج شريطة طريقة الاتصال الجيد والتأثير عند عرض الأفكار والآراء المتنوعة فى القضايا الحيوية ومختلف القضايا التى تشكل وعى الجمهور لكسب التأييد الشعبى، فمثل هذه الإجراءات التعزيزية تستطيع مقاومة الأفكار الهدامة، وتصحيح الصورة الذهنية للشعوب عن الدول بل توحيدها والوعى بالتدخلات الخارجية والحفاظ على الأمن القومى.

فالدبلوماسية بكل آلياتها هى أهم مكاسب للسياسة الخارجية للدول تسعى إلى تحقيق الأهداف الاستراتيجية للدول خارجيا حتى تتمكن من أداء رسالتها بصورة أفضل من خلال مجموعة من البرامج التى تتركز فى خدمة مصالح الدولة لدى الدول الخارجية وتنفيذ سياستها الخارجية، وهذه البرامج تعمل على تعزيز السياسة الخارجية وتفعيلها، وتعد صلة مباشرة بين الحكومة والمواطن تجاه المواطنين فى الدول الأخرى. 

فى وقت تشهد فيه الدول تحولات سياسية وجيوسياسية غير مسبوقة، وهذا التحول فرضته ظروف العصر وأحواله التى أسهمت أيضا فى تنامى الدور الشعبى غير المسبوق الآن فى تحديد مصير دولهم سياسيا وجغرافيا، لذا لا بد من أن تحرص الدول على أن تكون القوة الناعمة بآلياتها الدبلوماسية الشعبية والإنسانية ضمن وسائل سياستها الخارجية لما لها من دور وقدرة على خلق رأى عام دولى وإقليمى وإحلال السلام بين الشعوب وخاصة فى آونة قاتمة لا تتضح فيها مؤشرات السلام بل نجد دول العالم سادها الصراعات والنزاعات والحروب والتردى الاقتصادى والغذائى والكوارث والأزمات ليس فقط على مستوى الدول ولكن داخل الدولة الواحدة. لذا، فالدبلوماسية الناعمة لها من القوة فى تأثيرها فى السياسة الخارجية لتحقيق المصلحة الوطنية للدول والشعوب وتحقيق السلام.

الدبلوماسية الإنسانية و"حياة كريمة": 

 الرئيس عبد الفتاح السيسى أول من يطبق الدبلوماسية الناعمة والإنسانية باهتمامه بالإنسان أولا ومراعاة أمنه واحتياجاته وتوفير حياة كريمة له من خلال "مبادرة حياة كريمة" التى تجوب كل أنحاء الجمهورية لينعم الإنسان بحياة أفضل له ولأسرته بعد أن كان يسكن العشوائيات والأماكن غير الآدمية، فهذا المشروع التنموى الضخم رفع قدر المواطن وجعل له حياة تليق بآدميته وتليق بكونه إنسانا فبنى وطور له مساكن شتى، وأيضا اهتم بصحته بتوفير جميع المبادرات الصحية له، والأهم أنه قضى على الإرهاب الذى كان يؤرق ويهدد أمنه وسلامته، فأن يسود مجتمعنا الأمن والعدالة والمواطنة وحياة كريمة لهو كل الإنسانية من رئيس بصفته أبا راعى الإنسان قبل أى شىء، فكما يهتم الرئيس ببناء مصر الدولة يهتم ببناء المواطن أيضا، وعبر بالإنسان والوطن معا إلى بر الأمان، ورسخ قيم المواطنة، ورفع شأن المواطن كما الوطن، فالاهتمام بالإنسان وكرامته لهو أعظم ما ينجزه القائد الحكيم لبناء الإنسان الذى هو بناء الأوطان وتنمية الإنسان التى هى تنمية الدول.  

تتسع أبوته لكل أبناءه الذين يتخذهم شركاء معه فى قيادة الدولة والنهوض بها وتقدمها وسط المنطقة، كاشفا لهم عن حجم التحديات الاقتصادية والسياسية التى تواجه الدولة وما تقوم به لتعبر هذا التحديات لتصبح ماضيا وطى النسيان، فلا يترك أبناءه بل يطمئنهم، مقدرا الإنسانية واحتياجاتها والعمل عليها بل إن طمأنة النفوس لهى أكبر قدر للإنسانية، أب يحرص على الحوار المشترك، ووضح ذلك جليا فى إعلانه إحالة مخرجات الحوار الوطنى إلى الجهات المعنية لدراستها وتطبيق ما يمكن منها فى إطار صلاحيته الدستورية، ومتابعته الدءوبة ورعايته لهذا الحوار ومخرجاته لتنفيذها على أرض الواقع لتحمل دلالات مهمة باهتمامه بالإنسان ومشاركته آراءه بل تنفيذ الآراء والمقترحات لإسعاده.

مشروعات وإصلاحات رفع فيها فخامة الرئيس شأن وطننا العظيم على الصعيدين الداخلى والخارجى، فعلى الصعيد الخارجى رفع اسم مصر عاليا بين الدول والشعوب، وأصبحت لمصر مكانتها التى تليق بكونها صاحبة حضارة عظيمة، وحوَّل نظر الدول الكبرى إلى احترام مصر وجعل لها دورا عالميا كقوى عظمى، وهذا ما وضح جليا فى التقارب الدولى لمصر بانضمام مصر إلى تجمع بريكس على سبيل المثال.

 مصر والترحيب باللاجئين:

فتح الرئيس السيسيى مصر وحدودها ومعابرها أمام اللاجئين ليأمنوا فى مصرنا الحبيبة فى وقت تترك فيه الدول اللاجئين عالقين على الحدود أو ترحيلهم بل تبنى السياسات وتسن القوانين وتعقد المؤتمرات التى تكون فاتورتها باهظة لمنع الهجرة إلى دولهم بدلا من أن تنفق هذه الفاتورة الباهظة على الإنسان!! وتحت السمع والبصر نتابع جميعا صورا لغرق اللاجئين وصور المخيمات على الحدود أو الترحيل القسرى للمهاجرين، أو تطبيق العقوبات على من يتسلل حدودهم فى وقت نرى فيه مصر تستقبل بكل رضا وترحاب اللاجئين وتعاملهم كمواطنين مصريين، يعيشون وسطنا ويعملون على أرضنا، ومتاجرهم ومطاعمهم خير شاهد للجميع، فلم تغلق مصر يوما أبوابها أمام كل لاجئ إليها، أو تتركه على الحدود عالقا، أو فى المخيمات مثل التى نراها فى دول العالم بفضل فخامة الرئيس الذى يضع الإنسانية فى المقام الأول، أيضا قيام الرئيس بتقديم المعونات والمساعدات للدول المنكوبة، ودائما تكون له الريادة فى ذلك دون النظر إلى المعاملة بالمثل، أو الخلافات بين الدول، وظهر ذلك جليا لتقديم المعونات لدول الجوار الإقليمى (ليبيا والمغرب) بل العالم الخارجى مثلما حدث مع الصين إبان فترة كورونا وإرسال المساعدات إليها، وسوريا إبان الزلزال المدمر والسودان الشقيق وغيرها من دول العالم. 

وحرص الرئيس عبد الفتاح السيسى على أن يشهد بنفسه اصطفاف معدات الدعم والإغاثة المقدمة للأشقاء فى ليبيا بعد أن قام فخامته بإصدار توجيهاته للحكومة بتقديم كل أنواع الدعم والمساندة والإغاثة الإنسانية لليبيا بعد تعرضها للعاصفة "دانيال" التى ضربت مدن شرق ليبيا "درنة والبيضاء"، وإنشاء معسكرات إيواء فى المنطقة الغربية العسكرية فى مصر لاستضافه المتضررين الذين فقدوا ديارهم من الشعب الليبى من جراء هذا الإعصار، وتقديم الدعم اللازم لهم، وكذلك أيضا للمغرب، ما يعكس دور مصر المحورى والإقليمى والتاريخى تجاه المنطقة ومدى التضامن والروابط بين الأشقاء العرب، فمصر السند والعون للجميع وخاصة العرب وما قام به السيسى من جهد فى هذه المحن ينم عن حرص القيادة السياسية على مسئوليتها تجاه ما يحدث من أزمات للإقليم بل للعالم بأكمله بتقديم المساعدة بكل الطرق الوسائل المتاحة لمصر.

أيضا يعكس مكانة مصر كقوة مؤثرة وثقلها فى المنطقة ودورها المحورى تجاه ما يحدث فيها، أيضا له دلالاته على الجهد المبذول من القيادة السياسية لاستعادة مصر دورها الإقليمى، ويمثل اعترافا دوليا بقوة مصر ومكانتها، وجهد السيسى لتحقيق التنمية والاستقرار لها، والتزام مصر التاريخى تجاه العالم.


رابط دائم: