قراءة فى نتائج قمة "دول جوار السودان"
19-7-2023

د. جوزيف رامز أمين
* خبير فى الشئون الإفريقية

جاءت قمة دول جوار السودان السبع التى عقدت بالقاهرة يوم ١٣يوليو 2023 وشارك فيها رؤساء وزعماء وممثلون رسميون عن كل من مصر التى استضاف رئيسها عبد الفتاح السيسى القمة، وشملت كلا من الرئيس الإريترى أسياس أفورقى، ورئيس إفريقيا الوسطى فاوستين تواديرا، ورئيس المجلس الانتقالى فى تشاد محمد إدريس ديبى، ورئيس جنوب السودان سلفاكير ميارديت، ورئيس الوزراء الإثيوبى آبى أحمد، ورئيس المجلس الرئاسى الليبى محمد المنفى، بالإضافة إلى الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط ورئيس مفوضية الاتحاد الإفريقى موسى فكى، فضلا عن وفد سودانى رسمى بقيادة نائب رئيس مجلس السيادة مالك عقار، لبحث تسوية الأزمة السودانية، وجاءت قمة زعماء دول جوار السودان السبع بمنزلة محاولة جادة لوقف الاستنزاف المستمر لثروات السودان الطبيعية والبشرية وتهدئة حدة الصراع والاقتتال المستمر الدائر بين أبناء السودان وخاصة بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع التى تلقى دعما لوجيستيا وتدريبا ومساندة من الخارج.

ومع أنه يبدو من مشهد الصراع الحالى أنه سيطول نسبيا، لكن لا شك فى أن مثل هذه القمة قد مثلت إضافة مهمة لإجمالى الجهود الإقليمية والدولية الساعية لحل المشكلة.

من جانب آخر، كانت تلك القمة فرصة سانحة للقاء قطبى المشكلة الرئيسية فى قضية سد النهضة الإثيوبى وهما: مصر وإثيوبيا، وذلك بعد فترة طويلة من الجمود وتوقف المفاوضات واستمرار الملء والتصعيد المتبادل والتصريحات السلبية، والخلاف الكبير فى وجهات نظر البلدين.                                          

لكن لاشك فى أن اللقاء المباشر أو ما يسمونه بدبلوماسية القمة من شأنه أن يذيب ولو بالتدريج الخلاف الواضح بين البلدين الذى ظهر فى جولات المفاوضات التى لم يكن هناك طائل من ورائها على مدى قرابة عشر سنوات سوى إضاعة الوقت والجهد وتوسيع الهوة بين الجانبين.

قرارات القمة:

كانت قد اُختتمت أعمال قمة دول جوار السودان فى العاصمة المصرية القاهرة، 13 من يوليو، بتأكيد الاحترام الكامل لسيادة السودان وأراضيه، ومطالبة الجيش السودانى وقوات الدعم السريع بإنهاء الحرب الدائرة منذ ثلاثة أشهر، والدعوة إلى حوار جامع بعيدا عن التدخلات الخارجية. وأشار البيان الختامى للقمة إلى التوافق على أهمية إيجاد ممرات آمنة وتسهيل مرور المساعدات الإنسانية، وتجنيب المدنيين تبعات الحرب الدائرة. كما شددت الدول المشاركة على أهمية الاحترام الكامل لسيادة السودان و"عدم التدخل فى شئونه واعتبار النزاع الحالى شأنا داخليا". كما أكدت الدول المشاركة أهمية الحفاظ على الدولة السودانية ومقدراتها ومؤسساتها، ومنع تفككها أو تشرذمها، محذرين من أن ذلك ستكون له "تداعيات بالغة الخطورة على أمن واستقرار دول الجوار والمنطقة ككل". ودعت القمة، التى استمرت ليوم واحد، إلى تأسيس آلية وزارية بشأن الأزمة السودانية على مستوى وزراء خارجية دول الجوار، كما اتفقوا على تسهيل نفاذ المساعدات الإنسانية المقدمة للسودان عبر أراضى دول الجوار بالتنسيق مع الوكالات والمنظمات الدولية المعنية.

الكلمات الملقاة وردود الفعل:

أشار الرئيس المصرى، عبد الفتاح السيسى، فى افتتاح أعمال القمة، إلى خطورة الأزمة التى نتج عنها إزهاق أرواح المئات من المدنيين ونزوح الملايين، فضلا عن تدمير العديد من المرافق الحيوية فى البلاد. وركز السيسى فى لقاءاته مع قادة دول الجوار على هامش القمة - وفقا للمصادر الصحفية- على ضرورة المحافظة على كيان الدولة السودانية حتى لا تتحول إلى دولة فاشلة وتصل إلى مرحلة الانهيار، ومنع أى تدخلات خارجية فى شئونها، ودمج كل الفصائل المسلحة فى المؤسسة العسكرية، وتشجيع الفرقاء السودانيين على إجراء حوار وطنى شامل لا يُقصِى أحدا، من أجل التوصل إلى توافق وطنى لإنهاء الأزمة.                  

وقال مجلس السيادة الانتقالى برئاسة عبد الفتاح البرهان فى بيان له: إن "القوات المسلحة السودانية مستعدة لوقف العمليات العسكرية فورا إذا التزمت الميليشيا المتمردة بالتوقف عن مهاجمة المساكن والأحياء والأعيان المدنية والمرافق الحكومية وقطع الطرق وأعمال النهب". وتعهد "بابتداء حوار سياسى فور توقف الحرب يفضى إلى تشكيل حكومة مدنية تقود البلاد خلال فترة انتقالية تنتهى بانتخابات يشارك فيها جميع السودانيين".ومن جانبها، قالت قوات الدعم السريع: إن القمة جاءت متسقة مع الجهود الإقليمية والدولية لتبنى الحل الشامل كأساس لمعالجة الأزمة السودانية، ودعت إلى تكامل الجهود الإقليمية والدولية بتوحيد المبادرات المطروحة لتسهيل وتسريع التوصل إلى حل شامل للأزمة خاصة منبر جدة ومبادرة "إيجاد". وأكد الرئيس الإريترى، أسياس أفورقى، أن مبادرة دول الجوار لها آليات واضحة لتحقيق الاستقرار، وأن القمة ترمى إلى أن يكون للشعب السودانى الكلمة الأخيرة ومنع التدخلات الخارجية. كما دعا رئيس وزراء إثيوبيا، آبى أحمد، إلى ضرورة احتواء النزاع فى السودان بأسرع وقت ممكن؛ لأن "تداعيات الأزمة كبيرة على المنطقة"، داعيا إلى وقف مستدام لإطلاق النار.                                                                                                      

تحليل فعاليات حل الأزمة:

جاءت مبادرة قمة دول جوار السودان بالتزامن مع مبادرات وجهود إقليمية ودولية يقودها الاتحاد الإفريقى، والآلية الرباعية للهيئة الحكومية لتنمية دول شرق إفريقيا "إيجاد"، وكذلك المبادرة السعودية الأمريكية "منبر جدة". بيد أن جميع هذه المبادرات والمحاولات لم تنجح - حتى الآن - فى إحداث اختراق ووقف دائم لإطلاق النار.                                                    

وكانت العاصمة الإثيوبية، أديس أبابا، قد استضافت فى 10 من يوليو الجاري، قمة "إيجاد" لبحث الأزمة السودانية. وكان من المقرر أن يشارك فى أعمال القمة وفد عن الجيش السودانى وآخر ممثل لقوات الدعم السريع، وعلى الرغم من وصول ممثلين عن الجيش السودانى إلى أديس أبابا، فإن الوفد السودانى لم يشارك وقاطع اجتماع لجنة "إيجاد"، اعتراضا على استمرار رئاسة كينيا لأعمال اللجنة. وكانت كينيا قد دعت إلى نشر قوات حفظ سلام فى الخرطوم لحماية المدنيين، كما دعا رئيس الوزراء الإثيوبى، آبى أحمد، إلى "فرض منطقة حظر طيران ونزع المدفعية الثقيلة".                                                                                        

ويرى الجيش السودانى فى مطلبى كينيا وإثيوبيا نشر قوات فى الخرطوم وفرض حظر جوى تدخلا سافرا فى الشأن السودانى، ومحاولة من نيروبى وأديس أبابا لدعم قوات الدعم السريع على الأرض.                

وتعد "إيجاد" منظمة حكومية إفريقية شبه إقليمية، تأسست عام 1996، تتخذ من جيبوتى مقرا لها، وتضم كلا من: إثيوبيا، وكينيا، وأوغندا، والصومال، وجيبوتى، وإريتريا، والسودان، وجنوب السودان.                 

وعلى المستويين الإقليمى والدولى، حاولت السعودية والولايات المتحدة من خلال "منبر جدة" وعبر عدة لقاءات استضافتها مدينة جدة، ضمّت ممثلين عن الجيش السودانى وقوات الدعم السريع، إنهاء الصراع المسلح فى السودان. وعلى الرغم من أن الجهود السعودية الأمريكية لم تسفر عن وقف دائم لإطلاق النار، غير أنها نجحت فى إقناع طرفى الصراع بالموافقة على عدة هُدَن، أسهمت فى إيجاد ممرات أمنية مؤقتة لخروج المدنيين وإيصال المساعدات.

ويعتقد مراقبون أن استضافة القاهرة لقمة دول جوار السودان تمثل مسارا إضافيا، إلى جهود "إيجاد" والمحاولات السعودية الأمريكية لوقف إطلاق النار ودفع طرفى الصراع إلى طاولة المفاوضات.

وقد اندلع الصراع المسلح فى السودان بين الجيش السودانى وقوات الدعم السريع، فى 15 أبريل الماضى، وتسبب فى مقتل مئات السودانيين، ونزوح ولجوء ما لا يقل عن 3 ملايين من العاصمة الخرطوم ومدن أخرى، باتجاه ولايات أكثر أمنا ودول الجوار. ووفقا لإحصاءات الأمم المتحدة، فان أكثر من 2.8 مليون شخص قد هربوا بسبب النزاع، منهم ما يفوق 2.2 مليون داخل البلاد ونحو 615 ألف لاجئ وطالب لجوء وعائد عبروا الحدود إلى دول الجوار، التى تشمل إفريقيا الوسطى، وتشاد، ومصر، وإثيوبيا، وجنوب السودان.

ويعانى السودان أوضاعا اقتصادية صعبة للغاية وبنية تحتية متهالكة، وجاء الصراع الأخير ليزيد من معاناة السودانيين ومن تردى أوضاعهم الأمنية والمعيشية. وأدت الاشتباكات إلى مقتل أكثر من ثلاثة آلاف شخص وإصابة ما يزيد على ستة آلاف آخرين، وذلك وفقا لإحصاءات وزارة الصحة السودانية، ولعل السؤال هو: هل نجحت قمة القاهرة فى توحيد مواقف دول جوار السودان تجاه الأزمة السودانية؟

ووفقا لما أكده محللون فإن قمة القاهرة قد نجحت فى توحيد مواقف دول جوار السودان تجاه الأزمة السودانية، ورأوا أن نتائج القمة تحمل عوامل نجاحها فى حل الأزمة خاصة أنها اتسمت بالشمولية فى تناول الوضع السودانى، وأجهضت دعوات التدخل الخارجى فى السودان. واتفق القادة على تشكيل آلية على مستوى وزراء الخارجية لوضع حلول عملية وقابلة للتنفيذ لوقف الاقتتال فى السودان والتوصل إلى حل شامل للأزمة السودانية. وسوف تعقد الآلية الوزارية اجتماعها الأول فى تشاد، على أن تعرض نتائج اجتماعاتها على القمة المقبلة لدول جوار السودان.                                                      

 


رابط دائم: