الجيوش الموازية كمهدد رئيسى لسيادة الدول
13-7-2023

إيرينى سعيد
* صحفية وكاتبة مصرية - ماجستير العلوم السياسية

تصدرت ما يمكن تسميتها "الجيوش الموازية"/ غير النظامية المشهدَ فى الآونة الأخيرة على المستويين الدولى والإقليمى، كما عُدَّت ضمن أبرز التحديات التى تواجه استقلال الدول وسيادتها، عبر تبنيها الجانب الأكبر فى حلقات الفوضى وتعميق الانقسامات. وربما صعودها الملحوظ عززت معه مفاهيم الدولة العميقة، ودولة داخل الدولة، وغيرها من مصطلحات الإشارة إلى النفوذ مع غياب الشرعية.

كما تمكنت هذه النوعية من الجيوش سواء حركات مسلحة أو ميليشيات وجماعات، من إحداث نقلة نوعية على مستويات عدة فى مقدمتها الإرهاب وصور التطرف المختلفة، أضف إلى ذلك تعميق الصراعات والتنافسات مع الجيوش الوطنية، والأهم دورها الذى طالما أدته تجاه اختراق سيادة الدول، وترك الأبواب على مصراعيها أمام القوى الخارجية، إلى جانب تعزيز الانشقاقات المذهبية والطائفية وبكل صورها.  

وأرجعت معظم التحليلات بروز هذه الجيوش غير النظامية، إلى الفعل الغربى بالمنطقة لا سيما بالعهد القريب ومنذ ما يقارب العقدين ومع السياسات الأمريكية الجديدة بالشرق واستهداف العراق وأفغانستان عقب أحداث 11 سبتمبر.

غير أن محددات نشأة وتشكل الجيوش الموازية بصورها المختلفة سواء ميليشيات مسلحة أو جماعات متطرفة، تختلف باختلاف الإقليم الذى تنشأ فيه، من حيث طبيعة النظام الحاكم، ومدى قدرته على الإمساك بمقاليد الحكم، أيضا اعتبارات سيادة الدولة وقدرتها على صد التدخلات الخارجية، إلى جانب الثقافة سواء قبلية او مذهبية وطائفية، أو حتى مجتمع منفتح ومعاصر، أضف الأوضاع الأوضاع الاقتصادية وحجم الموارد، والأهم والأكثر بروزا فى المنطقة أو الإقليم العامل الخارجى، ذلك أن سقوط الأنظمة الحاكمة فى معظم دول الإقليم أسهم بشكل مباشر فى تكوين هذه الجماعات والميليشيات.

وفيما تحاول معظم دول المنطقة وعقب عمليات التحول، إعادة بناء نظمها السياسية، إلا أنها فى مقاربات كثيرة، تضطر إلى الاعتراف بهذه الميليشيات ضمن مفردات النظام السياسى الجديد، وهو ما يستدعى تقنين أوضاعها وإعادة دمجها، وربما تظل الإشكاليات هنا فى شكل الوجود الجديد؛ حيث إن بعض هذه الجماعات ترفض عمليات التحجيم، بعد أن كانت تملك السيطرة الكاملة، وهو ما يفسر استمرارية الصراعات بالمنطقة ودورانها فى حلقات مفرغة. 

الانعكاسات على الشرق الأوسط

يعد العراق نموذجا مكتمل العناصر، ومقاربة واضحة حال التعاطى مع هذه النوعية من التظيمات وكيفية نشأتها وعوامل ترسخها، تحديدا عقب سقوط نظام صدام والغزو الأمريكى 2003، فمنذ بداية الألفية - ومن قبلها- وبدأت معاناة الشرق الواضحة مع الجماعات المتطرفة، ومثل العراق منبعا لهذه النوعية، وهو ما تزامن وهدم الدولة، ومع اشتعال النعرات الطائفية والمذهبية برزت الميليشيات التى اعتمدت من قبل الدولة نفسها، خصوصا مع تعزيزها ومحاولات الاستعانة بها فى مواجهة تداعيات الغزو، وفى وقت كان الجيش العراقى لم يعد له أى وجود عقب سقوط الدولة، غير أن الجماعات المسلحة فى العراق وأبرزها كتائب حزب الله وأهل الحق، تمكنت من الحصول على الدعم وتجمعت فيما يعرف بـ"الحشد الشعبى"، وأضحت تملك دورا سياسيا فعالا ومعترفا به من قبل الدولة، بل الأكثر من ذلك غيَّر رئيس الوزراء العراقى الأسبق نور المالكى 2014 الدستور العراقى بما يتيح شرعنة هذه الميليشيات، بعد أن حظرها الدستور، معتبرا إياها تنظيمات إرهابية، ويتعرض العراق الذى يأتى فى مقدمة دول أوبك المنتجة للنفط للاستنزاف من قبل الميليشيات، لا سيما عقب اعتماد هذه الميليشيات بشكل قانونى، ومن ثم تمكنت من محاصرة أبرز الحقول كنفط القيارة مع حقول صلاح الدين ونجمة جنوب الموصل وغيرها، واعتادت السرقة المنظمة للشاحنات ومن ثم تهريبها.

أما ليبيا فشكل تاريخ القذافى مع المجتمعات القبلية والاستعانة بها، نواة الوجود الميليشى، إن جاز التعبير، وعقب دخول الناتو 2011 تمت دعوة الميليشيات من أجل اعتمادها ضمن مفردات النظام السياسى. أما اليمن فقد تجذرت لديه هذه الجماعات، حتى إنها عدت صنيعة الدولة نفسها، خصوصا الطبيعة الصخرية لليمن وعدم اعتماده الجيوش النظامية على النحو المتعارف عليه، ليمثل الحوثى لاعبا أسياسيا فى المعادلة اليمنية، بإمكانه تغيير النظام السياسى ككل.

وربما انتهاج السودان للقوات غير النظامية اعتبر غير مسبوق، وهو ما برز فى تصفية دارفور، ومدى استعانة البشير بقوات الدعم السريع، وفى الآونة الأخيرة يعانى السودان على خلفية الصراع الدائر بين الجيش الوطنى وقوات الدعم السريع التى تعد حاليا طرفا أصيلا ضمن أطراف المعادلة السودانية، وربما تنافس حاليا الجيش الوطنى فى القدرات والتجهيزات، وإن لم نطالع بإحصائية حقيقية حول إمكانات الدعم السريع وقدراته العسكرية، لكن المؤكد أن معظم عناصره تفتقر للجانب الأكاديمى، وتستضيف مصر خلال هذه الأيام قمة دول جوار السودان، من أجل تهدئة الأوضاع وبحث الحلول، حيث ذكر بيان الرئاسة المصرية "فى ظل الأزمة الراهنة في السودان، وحرصا من السيد الرئيس عبد الفتاح السيسى على صياغة رؤية مشتركة لدول الجوار المباشر للسودان، واتخاذ خطوات لحل الأزمة وحقن دماء الشعب السودانى، وتجنيبه الآثار السلبية التى يتعرض لها، والحفاظ على الدولة السودانية ومُقدراتها، والحد من استمرار الآثار الجسيمة للأزمة على دول الجوار وأمن واستقرار المنطقة ككل، تستضيف مصر فى 13 يوليو 2023 مؤتمر قمة دول جوار السودان، لبحث سُبل إنهاء الصراع الحالي والتداعيات السلبية له على دول الجوار، ووضع آليات فاعلة بمشاركة دول الجوار، لتسوية الأزمة في السودان بصورة سلمية، بالتنسيق مع المسارات الإقليمية والدولية الأخرى لتسوية الأزمة".

تداعيات تفكك الاتحاد السوفيتى

ظلت روسيا الوريثة الشرعية للاتحاد السوفيتى، ومنذ تفككه بدايات التسعينيات وقد انبثقت العديد من الجماعات العرقية والمذهبية التى تمايزت واختلفت عرقيا وأصوليا، وبرزت بجمهوريات تتارستان وبشكورتوستان، والقوقاز وغيرها من الجمهوريات المنتمية إلى روسيا الاتحادية، حتى إن روسيا نفسها قد تخوفت ومع اندلاع الربيع العربى من المد إليها، وأن تطالب هذه الجمهوريات المترامية بالاستقلال التام عن الأرض السوفيتية، وهنا تتشابه ظروف الاتحاد نوعا ما مع ظروف منطقتنا، وكيفية انبثاق الجماعات المتشددة نتيجة الاختلاف العرقى والمذهبى والثورات.

غير أن قوات فاجنر بزعامة بريجوجين تحديدا، يمكن عدها صنيعة الدولة الروسية، حتى تم إيفادها لأداء أقوى المهام العسكرية، وأكثرها تعقيدا بدليل المهمة الأوكرانية، وربما عملية التمرد السريعة التى لم تنجح ولم تستغرق أكثر من 24 ساعة، وبعدها تبعها التحرك البيلاروسى فى تصفية الأمور، جميعها ترتيبات تحملنا على الإيقان بأن ما حدث قد يأتى فى إطار المناورة.

وبالاستعراض أعلاه ومع التعاطى السريع مع أقاليم اختلفت ثقافيا وتاريخيا وحتى جغرافيا، والأهم فى أنظمتها السياسية وطرق إدارتها، يصعب عدُّ هذه النوعية من الجيوش صنيعة غربية خالصة، وإن أسهم الغرب وتحديدا الولايات المتحدة وعبر أجهزتها المخابراتية والبراجماتية فى إحداث طفرة الفوضى والانقلابات.

لكن القناعات العربية ما زالت تؤمن بأن هذه الميليشيات، ما هى إلا صناعة غربية خالصة، وإن حملت هذه القناعة نسبة كبيرة من الصحة، إلا أن الغرب نفسه يعانى ويلات الجماعات المسلحة وتطوراتها؛ حيث انتشار اليمين المتطرف بأوروبا، والولايات المتحدة وأمريكا اللاتينية، وسعيه الجاد من أجل تصدر السلطة والوصول إلى مراكز النفوذ، مثلما يحدث فى فرنسا، ألمانيا وإيطاليا.

ومع تفضيلنا للارتكان بشكل دائم إلى الجانب المنهجى والتحليلى فى تناول القضايا وتعاطيها، فإنه لا يستقيم، وفى هذا الصدد تحديدا، غياب الإشارة إلى العقيدة العسكرية المصرية والجيش المتحد، والأهم القدرة المصرية على التصدى لأى جماعات، توهمت يوما أنها قادرة على النيل منها ومن شعبها. 

 


رابط دائم: