سقط الاتحاد السوفييتي وخسرت أمريكا؟!
1-12-2011

عبدالأمير الركابي
* كاتب عراقي

بعد انهيار وتفكك الاتحاد السوفييتي عام 1991، علق كاتب ومفكر دانماركي من غلاة المفكرين الرأسماليين، بشيء من الذهول، وبنبرة استشعرت خطراً على تحالف الغرب بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، عندما قال: من نحن؟ وماذا سيكون مصيرنا إذا لم يكن ثمة عدو (الشيوعية) نتوحد في مواجهته؟

لم يأخذ هذا التعليق ما يستحق من اهتمام في تلك الفترة، كان الكل يعتقد أن أفول نجم الدولة الحمراء وضع الولايات المتحدة في موقع الناظم الوحيد لمجريات الصراع في العالم، بيد أن تتابع الاحداث جاء ليؤكد صوابية ما طرح المفكر الدانماركي من هواجس، استوحى بعضاً من عناوينها – عن قصد أو غير قصد –انطلاقاً من جدلية الصراع التي تعتبر الركن الأساس على مستوى الفكر الماركسي النقيض، بمصادره المادية الجدلية بالنسبة للطبيعة والتاريخ.

فانهيار الاتحاد السوفييتي لم يصب منظومة الدول التي انضوت في رحابه 76 سنة فحسب، فهذه آلت إلى السقوط والتفكك كنتيجة لانهيار التجربة الاشتراكية بفعل إشكاليات طاولت آليات التطبيق العملاني لنظرية ماركس في مرحلة ما بعد بناء الدولة، وإنما أصاب أيضاً مجموعة الدول التي وحَّدتها الضرورة في مواجهة المارد الاشتراكي، فانتهى عقد الاتفاق فيما بينها وانتفى كحاجة في سيرورة الصراع بين معسكرين نقيضين، عندما اضطرت الولايات المتحدة الأمريكية لمواجهة المد الشيوعي تحت مظلة تحالفاتها فيما اصطلح على تسميته بالحرب الباردة، ورسمت استراتيجياتها في الحدود التي يسمح بها توازن الرعب النووي ونظام القطبين.

بعد سقوط الاتحاد السوفييتي، تبدلت معايير الصراع الدولي وصولاً إلى تبني نظريات وأفكار، ادّعى بعضها "نهاية التاريخ" على غرار المفكر الأمريكي من جذور آسيوية فرنسيس فوكوياما، عندما اعتبر النموذج الليبرالي سقف حركة التاريخ ونهايته، فضلاً عن نظرية "صراع الحضارات" لصموئيل هنتنغتون الذي رأى أنه بعد انهيار الشيوعية وتفكك المعسكر الشرقي في مطلع التسعينيات من القرن الماضي وانتهاء الحرب الباردة، سيشهد القرن الحادي والعشرون صراعا دوليا بين الشرق الإسلامي والغرب المسيحي.
جاءت هاتان النظريتان كنوع من الاستعلاء الغربي رأى أن السيادة العالمية حكرٌ على الشعوب الأوروبية والغرب، وأسقطتا عمداً دور الحضارة العربية والاسلامية التي شكلت رابطاً أمّن وسهّل ووفّر التواصل بين الحضارة الاغريقية وما سبقها والحضارة الأوروبية، لكن نظريتي فوكوياما وهنتنغتون وئدتا لمجرد الإدعاء بأن الرأسمالية هي سقف التطور الانساني، مجتمعات وأنظمة.

من هنا يتبدى بوضوح أن الأحادية القطبية في عالم تتنازعه المصالح، تُجانب الواقع وتُجافي حركة التاريخ، وما بدا انتصاراً لأمريكا عقب انهيار الاتحاد السوفييتي، لم يكن إلا لحظة انعدام توازن ضمن مسار زمني مؤقت، أتاح لدول أوروبا إمكانية تجاوز تبعات حربين عالميتين، لتتوحد تحت مظلة اليورو، أي من منطلق اقتصادي جاء كحاجة لمواجهة الكارتيلات الاقتصادية الضخمة، فيما ظلت الولايات المتحدة أسيرة هدف استراتيجي، ما يزال إلى الآن متمثلاً بإعلان إمبراطوريتها وسلطتها المطلقة على العالم، بما يحول دون قيام محاور استقطاب دولي هي الآن في طور التشكل، (أوروبا والصين)، كما لم تتلقف أمريكا حقيقة أن انهيار المركز السوفييتي، وإن أدّى إلى تحرير دول أوروبا الشرقية من النفوذ السوفييتي والتحاقها بالفلك الأمريكي، لكنه ساهم في المقابل بتحرير دول أوروبا الغربية والرأسمالية من النفوذ الأمريكي المركزي.
إن المشكلات التي يواجهها العالم الآن، ناجمة عن اختلال موازين القوى بين قطبي النزاع في القرن العشرين أو المعسكرين الأمريكي والسوفييتي، ففي تلك الحقبة كانت الصراعات والنزاعات الدولية محكومة بسقف توازن الرعب بين القوتين العظميين، ولم يبلغ الصراع حداً تجاوز هذا السقف، حتى إبان أزمة الصواريخ السوفييتية في كوبا سنة 1960، وكانت رداً على محاولة إسقاط نظام فيديل كاسترو، لم ينح الصراع باتجاه مواجهة نووية، فتم سحب الصواريخ الروسية مقابل وقف الاعتداء على النظام الناشئ في كوبا.

ربما الحاجة إلى عدو يبرر حضورها وسيادتها على العالم، هي التي دفعت أمريكا لتظهير الإرهاب على أنه صنيعة التطرف الاسلامي، فكانت هجمات الحادي عشر من سبتمبر على نيويورك بمثابة صدمة استفادت منها أمريكا لتقود حملتها ضد الارهاب، ولتسوّق فيما بعد احتلالها لأفغانستان والعراق، كي لا نقول إن المخابرات الأمريكية كانت على علم بالهجمات وسهلت حدوثها، استنادا إلى كمٍّ كبير من الوقائع ساقها مؤلف كتاب The New Pearl Harbor الباحث الأمريكي ديفيد راي غريفين، وترجم الى العربية تحت عنوان "شبهات حول 11 سبتمبر"، لأن أكثر ما كانت تحتاجه أمريكا هو وجود مثل هذا "العدوّ" لتبرير وجودها بعد اختفاء الفزاعة الشيوعية.
لقد جاءت التساؤلات المتوجسة للمفكر الدانماركي: من نحن؟ وماذا سيكون مصيرنا إذا لم يكن ثمة عدو (الشيوعية) نتوحد في مواجهته؟ مستشرفة مأزق الرأسمالية ومشروعها الامبريالي، فيما ظن كثيرون ان العالم ستقوده سفينة واحدة في بحر بلا موج ولا أنواء، لنجد أن الولايات المتحدة غارقة الآن في أكثر من مستنقع، فإلى أزماتها المالية، تواجه الولايات المتحدة بداية تحرر الدول اللاتينية من أنظمة ديكتاتورية نصبتها في زمن صراع القطبين، وتواجه تنامي دول الممانعة في الشرق الاوسط، ولا سيما حضور إيران كلاعب لا يمكن إغفاله في صراع الشرق الأوسط، وتواجه اكثر من مأزق في العراق وأفغانستان، وتواجه خوفاً متحكماً على أرضها من عمليات إرهابية، دفعت الكثيرين من الأمريكيين لطرح السؤال الآتي: لماذا يكرهوننا؟

كل ذلك يقودنا إلى استنتاج وحيد، وهو أن الولايات المتحدة توهمت انتصاراً في لحظة تاريخية معينة، لتجد نفسها إمبراطورية مقيدة، لم يتوقف التاريخ عند سقوط خصومها، بل أخذ له مسارات جديدة لا يمكن أن تتبلور في مدى زمني قريب، ما يؤكد مقولة جديدة، يصح اختزالها على النحو الآتي: سقط الاتحاد السوفييتي وخسرت أمريكا؟!

-----------------------
* نقلا عن الراية القطرية الخميس 1/12/2011.


رابط دائم: