الليبرالية والحرية
30-4-2023

ولاء عزيز
* مستشار رئيس حزب صوت الشعب

مازال البعض لديه سوء فهم بالليبرالية ومفاهيمها والشخصيات المؤثرة بها، لذلك يجب أن نتعرف عليها بشكل مبسط، فمفهوم الليبرالية فى الاقتصاد هو عدم التدخل  فى السوق الحرة ودعم التجارة الحرة والتنافس.

وقد أسهم عدد كبير من المفكرين فى  صياغة الفلسفة الليبرالية وكان من أبرزهم، جون لوك (1632-1704م)، وآدم سميث (1723-1790م) وجيرمى بنثام (1748-1832م)، وجون ستيوارت مل (1806-1873م)، وجان فرانسوا فولتير (1694-1778م)، وجان جاك روسو (1712-1778م) وأليكسيس دى توكفيل (1805-1859م) وغيرهم.

وفكرة الليبرالية الأساسية فى الاقتصاد هى الحرية الاقتصادية، بمعنى عدم تدخل الدولة فى النشاط الاقتصادى، أو أن يكون تدخلا محدودا وعلى أضيق نطاق، فواجبات الدولة محدودة، يجب ألا تتجاوزه، والطبيعة – كما يقولون - تحترم الحرية، فمن الطبيعى أن يتمتع الإنسان بحريته الكاملة فى النشاط الاقتصادى، وفقا لما سمى "المذهب الطبيعى"؛ فسعادة البشر وفق هذا المذهب تتحقق من خلال سعى كل فرد لتحقيق مصلحته الذاتية، وتم التعبير عن هذا المضمون بشعار "دعه يعمل، دعه يمر" وقد نظر آدم سميث بوضوح لهذه الفكرة فى كتابه "ثروة الأمم" الصادر (1776).

وتعود جذور الليبرالية – أيضا - إلى أفكار جون لوك، الذى يؤكد فكرة "القانون الطبيعى"، ووفقا لهذه الفكرة فإن للأفراد بحكم كونهم بشرا حقوقا طبيعية غير قابلة للتصرف فيها، كحرية الفكر وحرية التعبير، والاجتماع، والملكية.

وقد شكلت هذه الفكرة إلهاما للثورات الكبرى فى القرنين السابع عشر والثامن عشر، كالثورة الإنجليزية (1688م)، والأمريكية (1773م)، والفرنسية (1789م)، وما نتج عنها من نظم سياسية ليبرالية تبلورت معالمها فى القرن التاسع عشر بوضوح أكبر.

وتؤمن الليبرالية بجملة قيم أسياسية، تأتى "الحرية" فى مقدمتها، حتى إنها اكتسبت اسمها من هذه القيمة، وحتى إن البعض رأى "أن الموقف الليبرالى هو التعبير الطبيعى عن الإيمان بالحرية، فالهدف الأساسى للمذهب الليبرالى هو ضمان الحرية أو التحرر، وغياب القيود والموانع المعيقة لحركة الإنسان ونشاطه، على أساس أنها تتعلق بممارسة الإنسان لحقوقه الطبيعية.

وأعلت الليبرالية كثيرا من قيمة الملكية كأحد الحقوق الطبيعية للفرد، يتوجب صونها من كل تعد أو جور، وتحدثت الليبرالية عن المساواة بأشكالها السياسية والقانونية والاقتصادية والاجتماعية، وفى الحراك الاجتماعى.

أما فيما يتعلق بالصلة بين الليبرالية والديمقراطية، فإنه يمكن القول إن الليبرالية تمثل الفلسفة الاجتماعية أو منهج التفكير أو النسق الفكرى العام.

وتعد الديمقراطية أنسب ما تكون لوصف نظام الحكم أو طريقة ممارسة السلطة السياسية، وقد بدأت الليبرالية أرستقراطية ثم أصبحت ذات صيغة شعبية بفعل كفاح الشعوب تعترف للجميع بالحقوق نفسها.

وتبرز جهود الشيخ رفاعة رافع الطهطاوى (1801-1873م)، ذات أهمية فى المساهمة فى تعريف القارئ المصرى على اتجاهات الفكر الاجتماعى والسياسى، وقد واصل على مبارك (1823-1893م) متابعة جهود الطهطاوى فى حقول الترجمة والتعليم، وقد أسهم فى بروز ما عُرف بالتعليم العلمانى أو المدنى الحديث الموازى للتعليم الدينى الأزهرى، وقد أسهم فى تعريف المصريين على جوانب جديدة من الحياة فى الغرب فى روايته "علم الدين"، التى كتبها نحو سنة 1858م.

أيضا قاسم أمين هو أحد أبرز تلامذة محمد عبده الذين جنحوا تدريجيا فى مجاراة تيار التغريب، وإن كان اسمه قد اقترن بالدعوة إلى "تحرير المرأة"، فإن جهده الفكرى قد اعتبر أحد الروافد المهمة التى صبت فى التيار الليبرالى العام.

يمكن القول بأن مصر عرفت ثلاثة أحزاب ليبرالية خلال فترة الدراسة، هى الحزب الديمقراطى المصرى (1919-1922م)، وقد أُشير فى الفصل الأول إلى هذا الحزب وجذوره وكيف انتهى إلى الانخراط فى حزب الأحرار الدستوريين.

أما الحزبان الآخران فهما حزب الأحرار الدستوريين (1922-1953م)، وحزب الوفد، وكنا قد تحدثنا عن دورهما فى العملية السياسية فى مصر فى أثناء فترة ما بين الحربين، وهنا نلقى ضوءا على هويتهما الفكرية.

انتهج الحزبان الأيديولوجية الليبرالية نفسها، واختلفا فى الشكل دون المضمون، وهو اختلاف قائم على صراعات شخصية، وعلى صراع سياسى، وتنافس حزبى ليس أكثر.

وكان الحزبان قد انطلقا من جذر فكرى واحد هو مدرسة محمد عبده، ثم تبلورت الاتجاهات الليبرالية لديهما بمرور الوقت طيلة العقدين الأولين من القرن العشرين، فى إطار حزب الأمة، ومدرسة "الجريدة"، ثم فى "جماعة السفور" و"الحزب الديمقراطى المصري" وفى "الوفد المصرى".


رابط دائم: