الرؤية المصرية تجاه قضايا تغير المناخ.. سياسات بيئية وغايات تنموية
6-11-2022

د. نيللى كمال الأمير
* باحثة مصرية فى الشئون البيئية والتنموية

شهدت تعريفات التنمية ومعها تعريفات التنمية المستدامة، تطورات وتعديلات متعاقبة، لتتطور بذلك الرؤى الدولية وتوجهات الوصول إليها عالميا، وقد انعكس ذلك التطور فى التناول التنظيرى على محتوى ومناهج رسم السياسات البيئية والتنموية، ولم تكن مصر استثناء فى هذا الصدد، والمتابع لتطور سياسات وتوجهات حماية البيئة والتنمية المستدامة فى مصر خلال السنوات الأخيرة سيجد انعكاسا للمفردات التى أكدتها تعريفات مؤتمرات الأمم المتحدة المختلفة من ناحية، واحتياجات وخصوصية المجتمع المصري، من ناحية أخرى، على النحو الذى سيتم تناوله تفصيلا فى هذا المقال.
أولا – تطور التناول المصرى للتنمية المستدامة:
ركز تعريف التنمية المستدامة فى البداية على عناصر البيئة الطبيعية، حيث كانت تعرف بأنها ﺍﻟﺴﻌﻲ ﺍﻟﺩﺍﺌﻡ  ﻟﺘﻁﻭﻴﺭ الحياة الإنسانية مع الأخذ فى الحسبان ﻗﺩﺭﺍﺕ النظام ﺍﻟﺒﻴﺌﻲ ﺍﻟﺫﻱ يحفظ ﺍﻟﺤﻴﺎﺓ، ثم جاءت ﻗﻤﺔ ﺍلأﺭﺽ (عام 1992) لتعرف ﺍﻟﺘﻨﻤﻴﺔ المستدامة بأنها:  ضرورة إنجاز ﺍﻟﺤﻕ فى ﺍﻟﺘﻨﻤﻴﺔ. تطور هذا التوجه مع مؤتمر الأﻤﻡ ﺍﻟﻤﺘﺤﺩﺓ (ﻋﺎﻡ 1995) الذى قدم رؤية شاملة ومفصلة للتنمية المستدامة وتبنى ﺭﺅﻴﺔ ﺴﻴﺎﺴﻴﺔ ﻭﺍﻗﺘﺼﺎﺩﻴﺔ وأخلاقية ﻟﻠﺘﻨﻤﻴﺔ مبنية ﻋﻠﻰ كرامة الإنسان. وكانت كرامة الإنسان هى الأساس الذى ركزت عليه تعريفات التنمية المستدامة وتوجهاتها منذ ذلك الحين. فخلال ﺍﻟﻤﺅﺘﻤﺭ ﺍﻟﺩﻭﻟﻲ ﻟﻠﺘﻨﻤﻴﺔ المستدامة (لعام  2002) تم التأكيد ﻋﻠﻰ ﺍﻻﻟﺘﺯﺍﻡ بإقامة ﻤﺠﺘﻤﻊ عالمى  يدرك ضرورة كفالة الكرامة الإنسانية، ويمثل ﺍﻟﺴﻼﻡ ﻭﺍﻻﺴﺘﻘﺭﺍﺭ. وطور بعض الباحثين تناوله للتنمية المستدامة بحسبان أن ﺘﺤﻘﻴﻕ ﺍﻟﺭﻓﺎﻫﻴﺔ ﺍﻻﻗﺘﺼﺎﺩﻴﺔ ﻭﺍﻟﺭﻓﺎﻫﻴﺔ الاجتماعية معا الأساس ﻟﺘﺤﻘﻴﻕ ﺍﻟﺘﻨﻤﻴﺔ المستدامة(1).
على الجانب الآخر، تعرف الاستراتيجية الوطنية بأنها علم وفن تطوير واستخدام عناصر قوة وأدوات الدولة لتحقيق مساعيها الوطنية(2)، وبالتالى يتوقع أن تكون كل استراتيجية انعكاسا للاحتياجات والإمكانات معا.  
وإذا انتقلنا للوضع فى مصر، سنجد أن صانع القرار -خلال السنوات الماضية- قد رسم عددا من السياسات التنموية التى تركز على البيئة ولكنها اتسقت فى مضمونها وأهدافها مع مفردات التعريفات المذكورة (الحق فى التنمية، استهداف رفع مستوى الرفاهية وتحسين مستويات المعيشة، والكرامة الإنسانية)، وقد تم ذلك من خلال وضع عدد من الاستراتيجيات الوطنية التى تتشابك وتتكامل فيما بينها.
لقد أصدرت وزارة التخطيط والإصلاح الاقتصادى تقرير التنمية البشرية فى مصر لعام 2021، والذى استخدم تعريف «التنمية حق للجميع»، وركز على البعد البيئى وأهميته فى دعم مسيرة التنمية فى مصر، وحلت إدارة نظم الحماية البيئية فى مصر: نحو تحقيق بيئة مستدامة والتصدى لتغير المناخ كأحد محاور التنمية السبعة بالنسبة لمصر، وتحديدا التنمية المستدامة كما تبنتها الحكومة المصرية فى رؤية مصر 2030، ولذلك سنجد غلاف التقرير جمع رموز (مصرية) من الطبيعة كزهرة اللوتس والشمس وكوكب الأرض، ومكونات الرفاهية الاجتماعية والاقتصادية كالصناعة وجودة التعليم والصحة.
ولا يعبر -بالتأكيد- تقرير التنمية البشرية عن «سياسة تنموية»، لكنه أحد أهم الوثائق التى تكمل خريطة التناول البيئى المصرى فى الفترة الحالية، والتى تم خلالها رسم وتبنى صانع القرار عددا من السياسات والاستراتيجيات التى جاءت لرفع كفاءة الإدارة البيئية ومواجهة التحديات البيئية الأساسية فى مصر المتمثلة فى: الزحف العمرانى العشوائى ﻋﻠﻰ ﺍﻷﺭﺍﻀﻲ ﺍﻟﺯﺭﺍﻋﻴﺔ ﻭﺯﻴﺎﺩﺓ ملوحة التربة ﻭﺍﻟﺘـﺼﺤﺭ -التلوث ﺍﻟﺒﺤﺭى  بالبترول الذى يهدد ﺍﻟﺸﻌﺎﺏ المرجانية ﻭﺍﻟﺸﻭﺍﻁىء ﻭﺍﻟﺤﻴﺎﺓ ﺍﻟﺒﺤﺭﻴﺔ- ﻭﺘﻠﻭﺙ ﺍﻟﻤﻴﺎﻩ  العذبة ﺍﻟﻨﺎﺘﺞ  عن ﺍﻟﺼﺭﻑ  الصحى ﻏﻴﺭ ﺍﻟﻤﻌﺎﻟﺞ ﻭﺍﻟﺼﺭﻑ ﺍﻟﺼﻨﺎﻋﻲ، إضافة إلى التحدى الذى يؤثر فى مستويات التحديات المذكورة جميعها والمتمثل فى النمو ﺍﻟـﺴﺭﻴﻊ ﻓـﻲ ﻋﺩﺩ ﺍﻟﺴﻜﺎﻥ لما يشكله من ﻀﻐﻁ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻤﻭﺍﺭﺩ ﺍﻟﻁﺒﻴﻌﻴﺔ (المحدودة غالبا).
ننتقل إلى أهم خطط وسياسات البيئة التى أعلنتها الحكومة المصرية والمحددة لتوجهاتها تنمويا وبيئيا فتتمثل فى: استراتيجية التنمية المستدامة – رؤية مصر 2030، وهى الأداة ليس للإدارة البيئية ولكن لدمج الأهداف البيئية والاقتصادية والاجتماعية من أجل رفع مستوى معيشة الأفراد، وكذلك الاستراتيجية الوطنية لتغير المناخ فى مصر 2050، واستهدفت الوثيقتان المديين القصير والمتوسط لتتكاملان فى تناولهما لكافة محاور التنمية اقتصاديا واجتماعيا، وكذلك للتأكيد على «استدامة» التنمية التى تعنى عدم إغفال حق الأجيال القادمة.

الاستراتيجية الوطنية لتغير المناخ فى مصر 2050(3):
تمثل الاستراتيجية، التى أعلنتها الحكومة فى مايو 2022، أحد أبرز أمثلة التخطيط الشامل للتنمية المستدامة، والتى أصبحت إحدى أهم أولويات الحكومة المصرية فى السنوات الأخيرة، وهى تمثل فى الوقت ذاته أحد أهم أوجه الاستعداد الجاد لاستضافة مصر لمؤتمر الأمم المتحدة للمناخ (Cop27)، على اعتبار أنها الاستراتيجية الوطنية الأولى التى تتوافر على تغير المناخ فقط وبمدى يمتد لثلاثة عقود. وبذلك يأتى إعلان الاستراتيجية ليؤكد على عدة أمور: أن مواجهة تغير المناخ أولوية، ولكن الاهتمام بالبيئة لا يعنى إغفال أهمية تحقيق تقدم اقتصادى واجتماعى، وكذلك التأكيد على أن الحكومة المصرية ملتزمة بما تم إعلانه من خطط (رؤية مصر 2030)، وتقوم بتبنى ما يلزم من سياسات واستراتيجيات من أجل تنفيذ أفضل، وأخيرا، التأكيد على «شمولية التنمية».
وتسعى الاستراتيجية فى المقام الأول، وبصورة عامة، إلى تحقيــق نمو اقتصادى مسـتدام ومنخفــض الانبعاثات فى مختلف القطاعات، مما يتطلب زيادة حصـة كافة مصـادر الطاقـة المتجـددة والبديلـة فى مزيـج الطاقـة حيث يعــد مجــال الطاقــة مــن أكبــر القطاعــات المســاهمة فى انبعــاث غــازات الاحتباس الحــراري(بنسبة 5.64٪)، من خلال نشر أنظمة الطاقة المتجــددة علــى نطــاق واســع، مثــل مــزارع الرياح، والطاقة الشمســية المركــزة، ومحطــات الطاقــة الشمســية الفوتوفولتيــة، وكذلــك محطــات الطاقــة الحيويــة، ضمن توصيات أخرى.
ولا يوجد خلاف حول الصعوبات التى تواجه العالم ومصر فيما يتعلق بإجراءات التكيف والتخفيف أو حتى المرونة فى طريق التعامل مع تغير المناخ وآثاره، وعلى ضوء ذلك، حاولت الاستراتيجية تناول القضية البيئية المعقدة بصورة محايدة وشاملة، وذلك من خلال استعراض كامل لمناطق الفرص والتحديات أيضا.
نذكر أنه من بين الفرص التى أشارت إليها الاستراتيجية: تميز قطاع الطاقة من حيث وجود وحدات وزارية خاصة بتغير المناخ وكفاءة الطاقة وأنشطة التخفيف، مثل الطاقة المتجددة، كفاءة الطاقة وتعديل السياسات. وتطابق العديد من الخطط الاستراتيجية للدولة كاستراتيجية إدارة المخلفات الصلبة البلدية، ودور مصر الريادى فى المفاوضات الدولية حول تغير المناخ واستضافتها لمؤتمر تغير المناخ 2022، وتنفيذ الخريطة التفاعلية لمخاطر التغيرات المناخية على مصر. كما تحل الخصائص الطبيعية البيئية لمصر كفرص كبرى، حيث تتمتع مصر بشدة أشعة الشمس وقوة الرياح فى العديد من المناطق، وبالتالى يمكن التوسع بشكل كبير فى إنتاج الطاقة المتجددة ودوليا، سنجد الكثير من الجهات المانحة التى تحرص على تقديم تسهيلات لتمويل مشروعات التخفيف. يضاف إلى ذلك التطور التكنولوجى المتسارع والذى من شأنه تمكين العديد من المعنيين والجماهير من التعرف على الظواهر الطبيعية والمناخية المختلفة.
وتمثلت التحديات، على الجانب الآخر، وفقا لما رصدته الاستراتيجية فى قضايا اجتماعية واقتصادية وثقافية وسياسية أيضا: وجود تهديد لموارد مصر المائية نتيجة الأزمات الخاصة بحصة مصر من نهر النيل مع دول المصب، وانخفاض توافر المياه الجوفية، وزيادة ملوحة المياه الجوفية، وزيادة الإجهاد المائي، وظواهر الطقس الحادة والمتمثلة فى السيول، والعواصف، وارتفاع درجات الحرارة، وارتفاع منسوب سطح البحر، ومعدلات الفقر، وضرورة التعامل مع المناطق السكانية غير المخططة والزحف العمرانى على الأراضى الزراعية والزيادة السكانية، وعدم أخذ أولويات واحتياجات ومسئوليات المرأة فى الاعتبار فى القضايا المتعلقة بالتغير المناخى رغم تأثرها الشديد بتغير المناخ.
وجاءت الاستراتيجية الوطنية لتغير المناخ 2050 بخمســة أهــداف رئيســية، تفــرع منهــم اثنــان وعشــرون هــدفا فرعــيا، وتم سرد أهدافها على النحو التالى: تحقيق النمو الاقتصادى المستدام، من خلال التنمية المنخفضة للانبعاثات فى مختلف القطاعات، وتعظيم كفاءة الطاقة، واعتماد اتجاهات الاستهلاك والإنتاج المستدامة للحد من انبعاثات غازات الاحتباس الحرارى من الأنشطة الأخرى غير المتعلقة بالطاقة. إضافة إلى بناء المرونة والقدرة على التكيف مع تغير المناخ، من خلال التخفيف من الآثار السلبية المرتبطة بتغير المناخ، بحماية المواطنين من الآثار الصحية السلبية لتغير المناخ، وذلك من خلال تحسين الخدمات الصحية، وزيادة استعداد القطاع الصحى لمواجهة الأمراض الناجمة عن تغير المناخ، وإعداد الدراسات، وتدريب العاملين الصحيين، وتوعية المواطنين، وذلك بغية الحافظ على الموارد الطبيعية والنظم البيئية من آثار تغير المناخ، كذلك موارد الدولة وأصولها، والبنية التحتية والخدمات المرنة فى مواجهة تأثيرات تغير المناخ، وينفذ مفاهيم الحد من مخاطر الكوارث(4).
ويحكم تنفيذ استراتيجية المناخ ثمانى توجهات: أولا – التأكــد مــن التخطيــط المتكامــل بيــن مختلــف الاستراتيجيات الوطنية، مثل اســتراتيجية التنميــة المســتدامة – رؤيــة مصــر2030، ثانيا – دمج الإجراءات المتعلقة بالتغيرات المناخية فى التخطيط الوطني، ثالثا – دمــج معايير الاســتدامة والتعافى الأخضــر فى التخطيــط الوطنــى وإعــداد الميزانيــة، رابعا – دمج التكيف مع المناخ والمرونة فى مشروعات البنية التحتية، خامسا – الاسـتفادة مـن فـرص التمويـل المتاحـة تحـت مظلـة اتفاقيـة الأمم المتحدة الإطاريـة بشـأن التغيـر المناخـي، واتفاقيـة باريـس، وغيرهـا، سادسا – استغلال البنيـة التحتيـة الحاليـة لتنفيـذ مشـروعات جديـدة متعلقة بتغير المنـاخ، سابعا – تعزيــز تنافســية الســوق والتنــوع الاقتصادى وخلــق فــرص عمل خضراء، وأخيرا – تعزيـز التعـاون الثنائى والإقليمى والدولي.
وتوقفت الاستراتيجية الوطنية الطموح، والتى لا تخلو من تحديات كثيرة عند مصادر التمويل كتحد محورى وكشرط إجبارى لنقل التوجهات والمقترحات من المستوى النظرى للمستوى التطبيقي، وهنا فقد قدمت قائمة متنوعة من المصادر المحلية والدولية منفتحة بذلك على جميع البدائل المتاحة، أهمها: السندات الخُضر، ومصادر تمويل المناخ المختلفة، كالقطاع الخاص، وميزانية القطاعات المختلفة والضرائب والإعانات والسياسات النقدية، وتطرقت الاستراتيجية لدور التنظيمات القادرة على التمويل، مثل التعاونيات وبصفة خاصة فى قطاع الزراعة والأمن الغذائي(كما هو متبع فى عدد كبير من الدول الأوروبية والآسيوية)، ومنابر البيئة الدولية التى تدعم تنفيذ مشروعات التكيف والتخفيف كصندوق المناخ الأخضر، وصندوق التكيف، ومرفق البيئة العالمي، وصناديق الاستثمار فى المناخ، والصندوق الخاص بتغير المناخ، والمؤسسات وبنوك التنمية، سواء الدولية متعددة الأطراف كالبنك الدولي، أو الإقليمية، إضافة لوكالات الأمم المتحدة المنشغلة بالتنمية فى جميع محاورها.
وتستهدف مصر فى الواقع سواء من خلال الاستراتيجية أو من خلال رئاستها لمؤتمر المناخ ووفقا لرؤية مصر للتنمية المستدامة 2030، المشروعات كبيرة الحجم والمتوسطة والصغيرة المحلية المرتبطة بالمبادرة الرئاسية حياة كريمة والمشروعات التنموية المتعلقة بالمرأة وتغير المناخ والاستدامة، ما ينقلنا إلى المشروعات والسياسات الأخرى التى أعلنتها مصر والمتعلقة بتغير المناخ.

خريطة سياسات تغير المناخ والتنمية المستدامة فى مصر:
لم تكن الاستراتيجية الوطنية لتغير المناخ، على أهميتها، التحرك الأول فيما يتعلق بتعزيز التنمية المستدامة فى مصر، بل هى ترجمة لتطور اهتمام الرؤية المصرية تجاه قضايا التغير المناخى والذى يمكن رصده من خلال الخطاب السياسى الذى يؤكد محورية التنمية المستدامة أو المشروعات المقدمة من الحكومة والتى تدعم هذا التوجه أيضا.
ويذكر فى هذا الصدد، مشروع تطوير القرى المصرية الذى يأتى ضمن مبادرة حياة كريمة التى أطلقها رئيس الجمهورية بدايات يناير عام 2019، لتحسين مستوى الحياة للفئات المجتمعية الأكثر احتياجًا على مستوى الدولة(5). ويسعى المشروع لتقديم حزمة متكاملة من الخدمات التى لا تخلو من آثار بيئية متنوعة على المستوى الفردى والمجتمعي.
ووفقا لبيان موازنة الدولة عام 2021/2022، فإنه من المستهدف تأمين حياة كريمة ومستقبل أفضل للمواطن المصري، من خلال زيادة الإنفاق على الخدمات والارتقاء بمستوى المعيشة وزيادة إجمالى الاستثمارات بنحو 6 أضعاف بموازنة عام 2021/2022 مقارنة بعام 2013/2014 بما يسهم فى تنفيذ رؤية مصر 2030(6).
وتتضمن المبادرات الرامية لمواجهة تغير المناخ فى مصر «اتحضر للأخضر»، كأول مبادرة بيئية رئاسية فى مصر، وتأتى فى إطار الاستراتيجية الوطنية للتنمية المستدامة وتستهدف تغيير السلوك ونشر الوعى البيئى وتحفيز المواطنين، لاسيما الشباب على المشاركة فى الحفاظ على البيئة كمحور مهم لمواجهة تغير المناخ وآثاره(7). مرتكزة على ثلاثة محاور: التشجير، والتدوير، والترشيد.
كما تبنت الدولة كذلك استراتيجية الطاقة الجديدة والمستدامة للتغذية الكهربائية للمشروعات القومية التنموية التى تعتمد على الرياح والطاقة الشمسية بالتعاون مع شركات القطاع الخاص والخبرات الأجنبية. وتستهدف الاستراتيجية الوصول لما نسبته 42% من الطاقة من مزيج الطاقة الكهربائية من الطاقة المتجددة مع حلول عام 2035.
وأطلقت وزارة البيئة الحملة الوطنية للتوعية بقضية التغيرات المناخية «رجع الطبيعة لطبيعتها»، وهى تخاطب المواطنين من خلال مقاطع مصورة تتضمن التعريف بالتغيرات المناخية وتأثيرها على حياة الإنسان. كما سبق إطلاق المبادرة إعلان آلية أخرى للمشاركة المجتمعية وهى: «الحوار الوطنى للتغيرات المناخية» لإشراك المواطن المصرى فى العمل المناخي.
وتضمن مستوى الخدمات كذلك بعض التحركات الرامية لمواجهة تغير المناخ وتحسين مستوى المعيشة فى الوقت ذاته، ومن ذلك، طرح وسائل النقل الجديدة التى تم إضافتها لمنظومة النقل العام الجماعى فى مصر، مثل القطار الكهربائى الخفيف، والمونوريل، والقطار الكهربائى السريع بالتكامل مع ربط أنحاء الجمهورية ببعضها بعضا من خلال شبكة الموانئ والمطارات(8).
واتسمت، من ثم، مفردات الرؤية المصرية لتغير المناخ بالتنوع والتكامل ما بين السياسات الموضوعة والخدمات المقدمة، ويوضح الشكل رقم (1) أهم محاور الرؤية المصرية لتغير المناخ والتى ارتكزت على: الاستراتيجيات والمبادرات والجانب المؤسسى والفعاليات لخدمة أهداف رسم السياسة وتنفيذها والتعريف بها ومشاركتها داخليا وخارجيا، تعظيما للعائد.
شكل رقم (1)


ثانيا ــ  سياسات تغير المناخ فى مصر بين التغيير وتقييم الأثر:
تنم مراجعة أهم ملامح ومحاور الرؤية المصرية الحالية لتغير المناخ عن تطورات فرعية سبقت إعلان سياسات التنمية المستدامة أو كانت مهمة لتنفيذ هذه السياسات، ويمكن رصد تلك التطورات فى النقاط الثماني: (1) السعى لمواكبة التغيرات والتطورات العالمية خاصة العلمية؛(2) دعم التمكين المؤسسى للجهات الحكومية والتنسيق فيما بينها؛ (3)رفع مستويات التشاور والتشارك والمتابعة بين أجهزة الدولة؛ (4) الحرص على تحقيق التوازن بين المكاسب الاقتصادية والحماية البيئية؛ (5) الاهتمام بالكوادر البشرية؛ (6) الحفاظ على الخصوصية المصرية وتنمية مشاعر الاعتزاز بها؛ (7) الحرص على الريادة الإقليمية والانتماء الإفريقي؛ وأخيرا (8) الاستعداد الجاد لاستضافة مؤتمر المناخ، وتفصيلها على النحو التالي:
أ – السعى لمواكبة التغيرات والتطورات العالمية خاصة العلمية: وارتبط بذلك رفع سقف التخطيط والطموحات والتنويع الشديد فى مجالات المشروعات التنموية، فبعد ظهور الحديث عن الهيدروجين الأخضر بدول متقدمة، مثل اليابان، واستراليا، وفرنسا، وأسواق ناشئة كالهند، والبرازيل، انضمت مصر وأعلنت عن الإعداد لمشروعات تتعلق بالهيدروجين الأخضر كجزء من مبادرة وطنية تستهدف دمجه فى استراتيجية الطاقة 2035. لأنه ينتج طاقة صفرية الكربون، فيما يحتوى على ثلاثة أضعاف الطاقة التى يحتويها الوقود الأحفورى(9). ولا تقتصر مواكبة التطورات العلمية على الهيدروجين الأخضر وإنما أيضا الذكاء الاصطناعى، حيث يتوقع أن يساهم بنسبة 7% من الناتج المحلى الإجمالى لمصر عام 2030، وتعمل وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات على وضع استراتيجية بأربع ركائز: الذكاء الاصطناعى من أجل الحكومة، والذكاء الاصطناعى من أجل التنمية، وبناء القدرات، والعلاقات الدولية(10).
ب – دعم التمكين المؤسسى للجهات الحكومية والتنسيق فيما بينها: هنا نذكر مثلا إنشاء المجلس الوطنى للتغيرات المناخية وأنه هو الجهة الوطنية المعنية بملـــف التغيرات المناخية(11). وكذلك إنشاء المجلس الوطنى للذكاء الاصطناعى لوضع اللوائح الخاصة بهذا القطاع. يضاف إلى ذلك،تمكين وزارة البيئة وتطوير مهام عملها، (كانت وزارة دولة فقط فى السابق) وهو ما حدث أيضا بالنسبة لوزارة التخطيط، والتنسيق مع البيئة، التى لم تعد مهام عملها تقتصر فقط على الحفاظ على البيئة وإنما أبعد من ذلك بدمج البعد البيئى فى البرامج التنموية(12). والعمل على زيادة حجم الإنفاق العام للمشروعات البيئية المستدامة، ودمج كل القطاعات الخاصة والأهلية والمصرفية فى المشروعات الخُضر والمستدامة. من هذا المنطلق اتفقت وزارة البيئة والتخطيط على تحقيق 30% من المشروعات الاستثمارية بخطط الدولة لمفاهيم الاستدامة البيئية والاقتصاد الأخضر، على أن يتم زيادة هذه النسبة إلى 100% عام 2025.
ج – رفع مستويات التشاور والتشارك والمتابعة بين أجهزة الدولة: فالمتابعة الرئاسية والمراقبة من أعلى تستهدف ضمان جودة التنفيذ، والمشاركة باستخدام العرض الجاذب باستخدام منصات التواصل، لضمان متابعة ودمج المستوى الشعبى ولم يعد خطابا، نخبويا خالصا بل يسعى للمتابعة الشعبية التى تعطى قوة للمحاسبة والشفافية، وهنا نجد أن لغة الخطاب السياسى أصبحت تتناول الاحتياجات وتسعى لتلبيتها، وذلك بالتوازى مع العمل على بناء وعى بيئى تدريجى كجزء من التخطيط السليم لحماية البيئة فى المدى القصير والمتوسط، وهو ما يمكن أن نرى مردوده فى المدى الطويل بكل تأكيد. يمتد مفهوم المشاركة لمستوى مؤسسات القطاع الخاص أيضا، ومن ذلك تشجيع الدولة مبادرات القطاع الخاص، ومن ذلك مبادرة شركة «نستله»، لاستعادة وتدوير مواد التعبئة والتغليف البلاستيكية، والتى دعمتها وزيرة البيئة.
د – الحرص على تحقيق التوازن بين المكاسب الاقتصادية والحماية البيئية: فتدل السياسات والرؤى المصرية بشأن تغير المناخ فى الفترة الأخيرة عن أن الاهتمام بالبيئة لا يعنى إغفال التطور الاقتصادي، ولكن التطور الاقتصادى المحسوب، ولقد أشار بيان ملخص الموازنة العامة 2021-2022، إلى أهمية الاستثمار فى الاقتصاد الأخضر والتكنولوجيا الحديثة وتحديث الخدمات الأساسية التى يحصل عليها المواطنون. وتطوير البنية التحتية كالطرق وشبكات الكهرباء والمياه والصرف الصحى والمرافق العامة بكافة مناطق الجمهورية(13). فى الإطار ذاته، تم عقد مؤتمر «مصر تستطيع بالصناعة»، مايو 2022، بمشاركة ممثلى شركات عالمية فى مجالات صناعة السيارات ومحركات الطائرات، والوزارات المعنية بصناعة السيارات وشاركت فى وضع الاستراتيجية الوطنية لتوطين صناعة السيارات فى مصر، وتهدف لتقليل الواردات وزيادة الصادرات، من خلال تقديم حوافز للمستثمرين لدعم هذه الصناعة(14).
هـ – الاهتمام بالكوادر البشرية: من أجل التنفيذ والتأهيل والتركيز على الجانب التأهيلى للكوادر البشرية الفنية بنقل ثقافة العمل التى تتسم بالدقة والانضباط، بالاعتماد على مثلث الحكومة والقطاع الخاص والخبرات الدولية أينما ظهرت حاجة لذلك لكفاءة آليات التنفيذ كعامل حاسم فى نجاح التخطيط(15). خاصة على ضوء السعى لتوطين الصناعات المرتبطة بتنفيذ خطط التنمية والمشروعات التنموية الكبرى. ولا يعنى ذلك الاقتصار فى الاهتمام بتطوير العنصر البشرى على الخبرات العلمية والفنية المعقدة، وإنما امتد الاهتمام للحرفيين، وأعلنت الحرف اليدوية والتراثية كأحد محاور الاقتصاد الأخضر، سعيا لتحقيق مكاسب ثقافية، وبيئية، واجتماعية، وتعزيزا لمبدأ دمج جميع الفئات والشرائح فى عملية التنمية المستدامة المستهدفة.
و – الحفاظ على الخصوصية المصرية وتنمية مشاعر الاعتزاز بها: وهنا فقد قامت وزارتا البيئة والتعليم بتوفير محتوى وطنى يتحدث عن البيئة المصرية (الحقائب التعليمية فى مجال البيئة)باللغتين العربية والإنجليزية أملا فى زيادة وعى المعلمين والطلاب بمشكلات البيئة وحلولها، وتوفير معلومات تستند إلى الفهم دون الحفظ، وأن ينعكس ذلك على سلوكيات المجتمع، و المضى نحو الحفاظ على الموارد الطبيعية والحد من التلوث والعمل على صون الطبيعة(16). ونذكر هنا أيضا «خريطة مشروعات مصر للمتابعة: مصر تبنى مستقبلها»، والتى تتيح للمتصفح الاطلاع على بيانات وحالة 7545 مشروعا وكذلك موقعها تحديدا على خريطة الجمهورية(17).
ز – الحرص على الريادة الإقليمية والانتماء الإفريقي: اعتبرت الحكومة المصرية ترأس مؤتمر الاتفاقية الرابع عشر فرصة لدعم التعاون الإقليمى مع دول إفريقيا. وفرصة كذلك لتعظيم المصالح الوطنية والإقليمية، خاصة أن الدبلوماسية المصرية نشطت فى مجال التنسيق إفريقيا والقيام بدور «القيادة إفريقيا» وتمثيل المصالح الإفريقية بالتنسيق مع المبادرات الإفريقية، مثل (النيباد). وأكدت الحكومة المصرية على مساعيها التعاونية خلال ترأس مؤتمر الاتفاقية، حيث تهدف مصر لتقديم الدعم من خلال تلك الرئاسة، كما أكدت مبادئ سياستها الخارجية ودبلوماسيتها البيئية الرامية لاستمرار الحوار بين الدول المتقدمة والدول النامية لتجنب المخاطر المتوقعة لفقدان التنوع البيولوجي، الأمر الذى امتد لمؤتمر المناخ، حيث سبق وتحدثت مصر باسم المجموعة الإفريقية فى مفاوضات البيئة وتغير المناخ فى مؤتمر باريس 2015(18)، من خلال ذلك عززت وجودها إفريقيا واستعدت للاستضافة فى 2022.
ح – الاستعداد الجاد لاستضافة مؤتمر المناخ: وهنا تم اتخاذ عدد من الإجراءات كتشكيل اللجنة التنسيقية العليا لاستضافة مؤتمر المناخ، وتحويل مدينة شرم الشيخ لمدينة خضراء، وإعداد القائمة المبدئية للمبادرات الفنية بالتنسيق مع الوزارات المعنية، وإعداد ورقة مفاهيم وخطة تنفيذية لكل مبادرة، وإعداد مصفوفة للتعاون مع شركاء التنمية، وإعداد قائمة المشروعات الخاصة بالتكيف والتخفيف. وتضمنت الاستعدادات محورا توعويا من خلال حملة «رجع الطبيعة لطبيعتها». كذلك تم إعلان الأيام الموضوعية للمؤتمر غير الرسمية، لكنها مهمة لتعظيم مكاسبه وكانت: يوم التكيف والزراعة – يوم التمويل – يوم الطاقة – يوم التنوع البيولوجى – يوم العلم – يوم خفض الانبعاثات – يوم المرأة، ويوم الشباب.

ختامـــًا:
يمكننا القول إن الرؤية المصرية لتغير المناخ تدور – بما تحمله من تغيير وتطوير يستحق الرصد والدراسة – فى فلك مليء بعوامل الدفع مثل وضوح الأهداف والتخطيط الذى يعطى أولوية للبيئة والتنمية المستدامة، والاهتمام الدولى بدعم مصر وبرامجها، والقوة السكانية وعوامل التحدى على المستوى الوطني، والإقليمي، والدولي، منها حالة التنافس، والصراعات الدولية التى قد تخلق حالة من عدم الاستقرار وتضيف أعباء اقتصادية ومالية. وترتكز مصر فى استضافتها لمؤتمر المناخ Cop27 على رصيدها الدولى والإقليمى فى هذا المجال، كدولة صاحبة توجه تعاونى فى رسم سياساتها الخارجية لاسيما فى موضوع البيئة، وهو ما يظهر من خلال موافقة صانع القرار المصرى على (معظم) الاتفاقيات الدولية البيئية والتوقيع عليها. كما ساهمت مصر من خلال العالم الدكتور مصطفى كمال طلبة فى رسم خريطة التعاون الدولى البيئية، والتحركات الدولية البيئية منذ بداياتها(19)، بحسبانه مؤسس برنامج الأمم المتحدة للبيئة ورئيسه لسنوات ثم صاحب فكرة اتفاقية التنوع البيولوجي، وغيرها من الاتفاقيات البيئية الدولية، التى تضع مصر فى مقدمة الدول المساهمة فى رسم ملامح التحركات البيئية الدولية والتراكم عليها لتحقيق مكتسبات بيئية وغير بيئية، واستكملت مصر تلك الجهود خلال الاستضافة الناجحة للمؤتمر الرابع عشر لاتفاقية التنوع البيولوجي، مما مهد – إلى حد كبير – للفوز باستضافة مؤتمر الأمم المتحدة للمناخ كأول دولة عربية وإفريقية. ومع ذلك، لا تزال تحديات وصول مصر لأهدافها المرجوة قائمة بشأن تغير المناخ أو التنمية المستدامة عموما، لذلك سيكون مؤتمر المناخ مؤتمرا تنفيذيا يعرض مختلف التجارب الناجحة فى تقديم الحلول من خلال الطبيعة (الفرصة والباب للدول النامية). لا تدل قائمة السياسات والمشروعات البيئية على النحو السالف تناوله إلا علىإدراك صانع القرار بأن الاهتمام بالبعد البيئى يصلح كمظلة شاملة لكل محاور التنمية، ويعزز مكتسبات الدولة المصرية محليا، وإقليميا، ودوليا بتقديمها نموذجا تنمويا آخذا فى التقدم وربما الاقتداء به فى المستقبل، وقد وجدناممثل برنامج الأمم المتحدة الإنمائى يدعم تعميم مبادرة «حياة كريمة» عالميا كإحدى أهم المبادرات العالمية التى تدعم المجتمعات المحلية وتعمل على تنمية القرى والريف لحل مختلف المشكلات التى تواجه هذه المناطق(20)، ما يشير إلى أن مزيدا من الاهتمام بالتنمية المستدامة والالتزام بما تم وضعه من أهداف طموحة يمكن أن يجعل مصر نموذجا ومرجعا للكثير من الدول النامية فى المستقبل، ويتميز عن غيره من نماذج التنمية السابقة، لأن الرؤية المصرية تسعى للموازنة ما بين تحقيق التقدم الاقتصادى ومواجهة تغير المناخ.

المصادر:
 


رابط دائم: