سيناريوهات صراع النفوذ والتصادم الصينى-الأمريكي فى تايوان
22-6-2022

محمد نبيل الغريب
* باحث في العلوم السياسية

تعد الأزمة بين الصين وجزيرة تايوان  أزمة تاريخية لدى البحث في جذورها، فعقب هدنة بين القوميين الصينيين، الذين يشار إليهما بالكومينتانج(Kuomintang) ، والشيوعيين لمواجهة التدخل الياباني بالصين عام 1937، اشتعلت الحرب الأهلية الصينية مجددا عقب نهاية الحرب العالمية الثانية وهزيمة اليابانيين.

وخلافا للفترة الأولى من الحرب الأهلية،  قامت الثورة الشيوعية الصينية وحرب التحرير ضد اليابان فسيطر الثوار والقوميون الصينيون على أغلب أراضي الصين  قبل أن يعلن زعيمهم ماو تسي تونج فى أول  أكتوبر 1949 عن نشأة جمهورية الصين الشعبية.

وبالتالي، مع تقدم القوات الشيوعية بإقليم سيشوان، غادر شيانج كاي شيك(ChiangKai-shek)، قائد الكومينتانج، بر الصين الرئيسي برفقة مليونين من أتباعه وجنوده القوميين ليستقر بجزيرة تايوان، التي كانت حينها جزءا من أراضي الصين التاريخية، ويعلن منها مدينة تايبيه(Taipei) عاصمة مؤقتة لجمهورية الصين، رافضا بذلك الاعتراف بجمهورية الصين الشعبية الشيوعية وسلطة ماو تسي تونج، ومصنفاً نفسه السلطة الشرعية الوحيدة والممثل الرسمي للشعب الصيني بأكمله انطلاقاً من جزيرة تايوان(١).

من جانب آخر، على مدى السنوات الماضية، يكمن جوهر الصراع بين الصين وتايوان في حقيقة أن بكين ترى جزيرة تايوان مقاطعة منشقة عنها سيعاد ضمها إليها في نهاية المطاف،  وقد حاولت الصين أن تتعاون مع تايوان بغض النظر عن الصراع التاريخي بينهما، وبدأت العلاقات بين الصين وتايوان تتحسن في الثمانينيات. وقد طرحت الصين صيغة تعرف باسم "دولة واحدة ونظامان" تمنح بموجبها تايوان استقلالية كبيرة إذا قبلت إعادة توحيد الصين. ولكن رفضت تايوان  الصيغة الصينية واتجهت للعمل بشكل منفرد بعيداً عن الصين(٢).

أهمية تايوان للولايات المتحدة:

ينبع الاهتمام الأمريكي بتايوان انطلاقاً من أهميتها للمصلحة الأمريكية في تلك المنطقة الاستراتيجية، فالموقع الجغرافي لتايوان من مضيق تايوان وقناة باشي الممرين البحريين الرئيسيين اللذين يربطان شمال شرق آسيا بجنوب شرق آسيا والشرق الأوسط، يشكل  محدد خاص ومهم عند الحديث عن أهمية هذه الجزيرة بالنسبة لواشنطن ولحلفائها في آسيا مثل اليابان التي تعتبر تايوان مهمة لأمن حدودها الجنوبية، وكذلك الفلبين فيما يتعلق بحدودها الشمالية. علاوة على ذلك، تشترك الولايات المتحدة وتايوان عبر السنوات الأخيرة بعدد من المصالح الاقتصادية(٣).

فمن جانب، هناك تطلع من الحكومة التايوانية على تطوير الشراكات السياسية والعسكرية والقنصلية مع الولايات المتحدة، فقد استثمرالحزب الديمقراطي التقدمي فى تايوان وهو الحزب الأكثر نزوعاً للانفصال عن الصين الأم، والذي بحظى  بتأييد 57% من سكان تايوان، فترة الرئيس ترامب في محاولة توسيع نطاق الحركة التايوانيةعلى المسرح الدولي والدخول في بعض المنظمات الدولية، مثل منظمة الصحة العالمية(٤).

ومن جانب آخر تستثمر الإدارات الأمريكية في تقديم مساعدات عسكرية لتايوان وإبرام عقود كان آخرها إعلان البنتاجون في أبريل 2022، عن عقد قيمته 95 مليون دولار، وتمت الموافقة على صفقة مماثلة بقيمة 100 مليون دولار لتوفير خدمات لتايوان وبيع معدات لدعم وصيانة وتحسين نظام الدفاع الجوي "باتريوت" في أوائل فبراير(٥).

وبالتالي، وانطلاقاً من هذه السياسة الأمريكية تجاه تايوان خلال السنوات الأخيرة، تصاعد الخلاف بين بكين وواشنطن بسبب عسكرة الولايات المتحدة لبحر الصين الجنوبي، وكذلك بدأت واشنطن تبدي قلقاً من تنامي النفوذ الصيني في منطقة المحيطين الهندي-الهادي.

لذلك؛ شرعت واشنطن في تبني سياسات عسكرية ودفاعية أكثر حزماً عبر تعزيز قدراتها العسكرية في جنوب شرق آسيا وتأسيس تحالفات دفاعية مع دول المحيطين الهندي والهادى، والتي كان آخرها تشكيل تحالف "أوكوس"، وكذلك إحياء الحوار الوطني الرباعي مع اليابان والهند وأستراليا(٦(.

ويمكن القول إن اهتمام واشنطن العسكري والسياسي تجاه تايوان ينبع من رغبة واشنطن في تحقيق تواجد جيوسياسي في عموم آسيا وشرق آسيا خاصة، يساعدها في تقويض مساعي الصين للسيطرة الاقتصادية والسياسية على بلدان تلك المنطقة.

أهمية تايوان للصين:

لدى الصين اهتمام بالغ تجاه تايوان، ليس فقط للجذور التاريخية التي تربط تايوان بالصين ولكن نظراً لموقعها الجيوسياسي والاستراتيجى في بحر الصين، الجنوبي، والذي يؤثر فى الأمن القومي والسيادة الصينية في تلك المنطقة، وبالتالي يمكن صياغة بعض الأسباب التي تشكل خطوات الصين في  اتجاه المطالبة والدفاع عن هذه الجزيرة وفقا للاتي:

١- جزء من الصراع مع الولايات المتحدة؛ تعتبر الصين ضم تايوان أوالقيام بغزوها هو جزء لا يتجزأ من الاستراتيجية الصينية في الدفاع عن سيادتها تجاه أطماع الولايات المتحدة الأمريكية في آسيا، وبالتالي السيطرة على تايوان يشكل نوعا من الانتصار على الولايات المتحدة.

٢- خسارة الولايات المتحدة لتايوان وضمها للصين سيضعف قوة من حلفاء واشنطن في آسيا ومنها الفلبين وكوريا الجنوبية، وسيقوض من مجال الحركة للولايات المتحدة في هذه المنطقة.

٣-إضعاف المصداقية الأمريكية؛ ستقوض خسارة تايوان مصداقية الولايات المتحدة، حيث إن التحالفات الأمريكية في المحيط الهادى تقوم على الاعتقاد بأن واشنطن قادرة وراغبة في حماية حلفائها من الهيمنة الصينية، وفي حالة إخفاق واشنطن أو فشلها في الدفاع عن تايوان فسيكون من الطبيعي أن تخسر مصداقيتها امام حلفائها في جنوب شرق آسيا، خاصة اليابان والفلبين وكوريا الجنوبية(٧).

غموض وتناقض استراتيجي أمريكي:

عند تتبع الموقف الأمريكي الرسمي فيما يخص ملف تايوان، يلاحظ أن هناك اختلاف وضبابية في الرؤى بين المؤسسات الأمريكية فيما يخص السياسة الأمريكية تجاه تايوان، فالرئيس الأمريكي له رؤية خاصة تختلف عن رؤية البيت الأبيض، وكذلك رؤية وزارة الدفاع "البنتاجون" لهذا الملف وفقاً للتالي:

1- صرح الرئيس الأمريكي بايدن، في يوم 22 أكتوبر 2021، أن الولايات المتحدة سترد عسكرياً حال غزو الصين تايوان، وتدخل حينها البيض الأبيض عبر المتحدث الرسمي -فيما يبدو تصحيح لتصريح بايدن-وأوضح بأن تصريح الرئيس لا يحمل نوعا من التحول عن السياسة الأمريكية المعروفة تجاه تايوان لأن أحد التشريعات الأمريكية تلزم الولايات المتحدة بمساعدة تايوان في الدفاع عن نفسها، وليس التدخل والدفاع عنها(٨).

2- وزارة الدفاع الأمريكية تأجل تسليم تايوان معدات عسكرية دفاعية وهجومية  في ظل نشاط عسكري صيني في بحر الصين الجنوبي ووسط إعلان من تايوان بأن مقاتلات صينية قد اخترقت المجال الجوي التايواني(٩).

3- يصرح الرئيس الأمريكي بايدن  في تناقض واضح لتصريحات البيت الأبيض خلال مؤتمر صحفي مشترك مع رئيس الوزراء الياباني فوميو كيشيرا في اليابان في ٢٣مايو الماضي، بأن واشنطن سترد عسكرياً في حال هاجمت الصين، وأوضح البيت الأبيض بعد هذا التصريح أن الرئيس الأمريكي عندما تحدث عن الاستعداد للمشاركة العسكرية في الدفاع عن تايوان كان يقصد توريد أسلحة لتايوان للدفاع عن نفسها(١٠).

سيناريو الغزو وفرص التصادم:

تمتلك بكين المئات من الأسلحة النووية، والمعدات العسكرية ما يتيح لها بسهولة فرصة التهديد بالسلاح النووي في مرحلة متقدمة من مراحل المواجهة فيما يخص تايوان، سواء مع الحكومة التايوانية، أو مع الولايات المتحدة، أو حتى حلفاء الولايات المتحدة في جنوب وشرق آسيا حين يستدعى ذلك،  فمن جانب، من خلال النظر في ردات الفعل عبر التصريحات الرسمية من قبل الحكومة الصينية، والتي تتسم معظمها بالاستنكار والتحفظ على سياسة الولايات المتحدة تجاة تايوان، وكذلك على التصريحات الرسمية أيضاً لواشنطن، يمكن القول إنه من الممكن أن تتجه الأوضاع نحو التصعيد العسكري وسط استفزازات عسكرية، ووفقاً للأسباب التي تم عرضها مسبقاً انطلاقاً من أهمية هذه الجزيرة بالنسبة للصين، وكذلك للولايات المتحدة الأمريكية.

في هذا السياق، وفقاً لدراسة  صادرة عام 2017، عن معهد أبحاث الدفاع الوطني (راند) وهو معهد بحثي أمريكي معني بإجراء الدراسات الاستراتيجية/السياسية، وقد حملت هذه الدراسة عنوان "تطوير قوات الاحتياط التايوانية"(١١) وهي دراسة  مُعده لمكتب وكيل وزارة الدفاع الأمريكي، وقد فسر القائمون عليها  بأنه يمكن لجمهورية الصين الشعبية اتباع عدد من مسارات العمل العسكري الاستراتيجي المتاحة تجاه تايوان، وقد قسمت الدراسة هذا العمل إلى ثلاث مراحل وفقاً للتالي:

المرحلة الأولى؛ عمليات الحصارين الجوي والبحري؛ وفي هذه المرحلة ستسعى جمهورية الصين الشعبية إلى السيطرة على مجال المعلومات"الكهرومغناطيسي" والمجالين الجوي والبحري عن طريق تعطيل البنية التحتية الحيوية في تايوان ومنظومات الدفاع الجوي.

المرحلة الثانية؛ الهجوم البرمائي الرئيسي، ويمكن أن تنطوي هذه  المرحلة على تجميع مجموعات هجوم برمائي تابعة لجيش التحرير الشعبي في مناطق الانطلاق بطول الساحل الصيني، وتحميلها على متن سفن النقل والإبحار إلى نقاط التجمع البحرية.

المرحلة الثالثة والأخيرة؛ المعركة النهائية في تايوان؛  وهي اقتحام أعماق تايوان والاستيلاء على مقر الحكومة وتطهير الجزيرة عبرالقضاء على القوات المتبقية في المدن والجبال والجزر الساحلية بطول تايوان.

من جانب آخر، نلاحظ أن الصراع حول تايوان لم يتعد حرب التصريحات من كل الفواعل النشطة في هذا الملف، وأن الصين والولايات المتحدة يحاولان المحافظة على الوضع الراهن ولا نرى حشداً عسكرياً صينياً يلوح في الأفق تجاه الجزيرة بشكل يبشر بأن هناك هجوم صيني وشيك على تايوان.

من ثم، فإن محاولة تغيير الوضع الراهن حالياً قد تكون مكلفاً على المصالح الاقتصادية الصينية والعلاقات التجارية بينها وبين الدول الغربية "سيتم التعرض لهذه النقطة وتفسيرها لاحقاً". كذلك، تستخلص الصين الدروس المستفادة من الحرب الروسية-الأوكرانية، خاصة ردات الفعل الغربية فيما يخص العقوبات الاقتصادية الجامحة وغيرالمسبوقة من قبل الدول الغربية على روسيا.

من ثم، فإن السيناريو العسكري يمكن أن تطرحه الصين عندما تتجه الأوضاع في تايوان لتؤثر بشكل مباشر على الأمن القومي الصيني أي عبر اتخاذ الولايات المتحدة مع تايوان والحلفاء الآسيان لجموعة خطوات أكثر تصعيدية وملموسة بشكل سلبي يرى فيها الصينيون تأثيرا مباشرا على الأمن القومي الصيني.

ويمكن القول إن بكين تفضل الحفاظ على الوضع الراهن مع الضغط في اتجاه التلويح بالورقة العسكرية ضد تايوان لتحقيق مكاسب دبلوماسية تتيح لها التقدم خطوة للأمام الذي ينتج في نهاية المطاف إعادة طرح فكرة الصين الموحدة، ولكن إذا أعلنت تايوان استقلالها، أو اعترفت الولايات المتحدة بتايوان كدولة ذات سيادة، فإن الصين ستنظر لتايوان على أنها عنصر تهديد مطلق للسيادة والأمن الصينين، ومن ثم ستضطر للجوء لسيناريو  الغزو، واستخدام الورقة العسكرية، وبالتالي تصبح فرص التصادم واردة.

أوكرانيا وهواجس الصين:

بدون شك، فإن غزو الصين لتايوان سيكلف الصين خسائر اقتصادية وعسكرية كبيرة، وعقوبات اقتصادية لا يمكن توقعها كما تمت هذه الخطوة سابقاً مع روسيا عندما عند ضمها شبه جزيرة القرم عام 2014، وبعد إعلانها عن عملية عسكرية شاملة في أوكرانيا في 24 فبراير 2022، وبالتالي تدرس الصين ردت الفعل والخطوات الغربية المتوقعة تجاهها  في حال قامت بمهاجمة تايوان وكما حدث في الحرب الروسية في أوكرانيا تخشى هي الأخرى أن تتعرض لحملة عقوبات اقتصادية مماثلة.

فمن جانب، في ظل الأزمة الاقتصادية العالمية التي يشهدها العالم، هناك تخوف متبادل بالنسبة للدول الأوروبية التي تعاني  ظروفاً اقتصادية صعبة في الوقت الحالي من جراء الحرب الروسية الأوكرانية، من ترتيبات غزو الصين لتايوان، مما سيؤثر بطبيعة الحال على المنظومة الاقتصادية العالمية بشكل أكبر من الارتدادات الاقتصادية للتدخل الروسي في أوكرانيا.

فحجم التبادل التجاري الصيني مع الاتحاد الأوروبي بلغ  خلال العام الماضي 586 مليار دولار، وهو أكثر بنحو 31 مليار دولار من حجم التجارة الأوروبية مع الولايات المتحدة، التي بلغت 555 مليار دولار، وفقا للأرقام الصادرة  عن المعهد الأوروبي للإحصاء"يوروستات"(١٢).

وتدل المعلومات التي نشرتها الإدارة العامة للجمارك الصينية(١٣) على أن الصادرات الصينية إلى الولايات المتحدة ارتفعت بنسبة 14.9% لتصل إلى 184,92 مليار دولار، فيما ارتفع حجم الواردات الأمريكية إلى الصين بنسبة 0,3% فقط ليصل إلى 60.81 مليار دولار  وبلغ الفائض التجاري للصين في تجارتها مع الولايات المتحدة خلال الأشهر الأربعة الأولى من العام الجاري إلى 124.11 مليار دولار بعد ارتفاعها بنسبة 23,2% مقارنة مع الفترة نفسها من العام الماضي..

وفي تحذير مباشر للصين، أكدت نائب وزيرة الخارجية الأمريكية، ويندي شيرمان، أن الإجراءات الأمريكية تجاة روسيا يجب أن تشكل عبرة لجمهورية الصين الشعبية، في حين ربطت وزيرة الخزانة، جانيت يلين، بين حالتي أوكرانيا وتايوان، موضحة أنه في حالة الهجوم على الجزيرة، ستتعامل واشنطن مع جمهورية الصين الشعبية بالطريقة نفسها التي تتعامل بها مع روسيا(١٤). وهذه إشارة واضحة من الجانب الأمريكي فيما يخص فرض الولايات المتحدة لعقوبات اقتصادية على الصين في حالة قيامها بغزو تايوان، فهل هذا ممكن؟ في ظل الارتباط الصيني الواسع أكثر من روسيا بشبكة الاقتصادي العالمي؟

يمكن القول إن الآثار غير المباشرة للعقوبات الاقتصادية الغربية على روسيا قد تسببت في حدوث اضطرابات في أسواق السلع الأساسية الدولية. واندلع ذعرعام بين التجار بعد حزمة العقوبات الغربية الثانية(١٥)، نظراً لتوقف إمدادات الطاقة الروسية عبر "نورد ستريم١-نورد ستريم٢" بعد اندلاع الأزمة،  وارتفعت أسعار النفط منذ ذلك الحين ووصل سعرالبرميل الخام إلى 120$(١٦)، وهذا في ظل عدم الموافقة على زيادة من المنتجين الكبار في إطار دول "أوبك بلس"، وبالتالي فإن صدمة أسعارالطاقة والسلع في جميع المجالات كما وضح بيير–أوليفييه جورينشا- رئيس تحرير الدورية الاقتصادية التي يصدرها صندوق النقد الدولي، ستدفع التضخم العالمي إلى الأعلى مع انخفاض النمو العالمي، ومقارنة بالتنبؤات الصادرة في شهر يناير الماضي، انخفضت توقعات النمو العالمي إلى 3,6% لعامي 2022 و2023(١٧).

من جانب آخر، هناك هواجس من أن يؤدي الضم الصيني لتايوان إلى آثار سلبية متعددة على الجزر اليابانية. فعلى سبيل المثال، يمكن أن يؤثر فى قطاع السياحة في اليابان، كما يمر 40 في المئة من التجارة البحرية لليابان عبر بحر الصين الجنوبي. وإذا سيطرت الصين على تايوان، فمن المحتمل أن تفرض قيودًا على الشحن، مما يعيق التجارة والنمو الاقتصادي لليابان.

وبالنظر إلى قربها من تايوان، فإن تصعيد الصراعات وحالة الحرب سيؤديان إلى اقتصاد يعتمد على الاستيراد في اليابان.وتعتبر الصين هي الشريك التجاري الرئيسي لليابان، وإذا دعمت اليابان تايوان، فستفرض الصين قيودًا تجارية، وتحد من النمو الاقتصادي للبلدين من ناحية أخرى ، إذا فشلت اليابان في مساعدة الولايات المتحدة في دعم تايوان، فقد تضر بالتحالف بينها وبين الولايات المتحدة(١٨).

 هناك فاعل آخر يمكن أن يتأثر حال التصادم أو الغزو وهي الهند، وهي مثل بعض الدول الكبرى الأخرى، لا تقيم علاقات دبلوماسية رسمية مع تايوان. ومع ذلك ، كانت العلاقات غير الرسمية قوية منذ منتصف التسعينيات، ومع التوترات الحدودية القائمة بالفعل مع الصين ، قد تواجه الهند تحديات مع الصين، والتي يمكن أن يكون لها تأثير كبير على قطاع الكيماويات والأدوية في الهند، مع الأخذ في الوضعية الحالية لها(١٩).

من ثم، يمكن القول إنه من خلال قراءة الارتدادات الاقتصادية السلبية على العالم عقب الغزو الروسي لأوكرانيا، ومن خلال قراءة الارتباطات الصينية بشبكة الاقتصاد العالمي مع الدول الغربية  والآسيوية، وهي أكثر ضخامة وتعقيدا من الارتباطات الروسية بالاقتصاد العالمي، يمكن التنبؤ بارتدادات اقتصادية سلبية في حالة غزو الصين لتايوان، والتي ستصبح أكثر كارثية ليس فقط على الصين وحدها، بل على العالم وعلى اقتصاد كل بلد، سواء متقدم أو نام وهو ما تتوجس منه الصين خيفة. ورغم ذلك فإنه في حالة أن اتخذت دول حلف الناتو بقيادة من الولايات المتحدة خطوات أكثر استفزازية في بحر الصين الجنوبي تثير حفيظة الصين، فإنها لن تتراجع عن استخدام القوة العسكرية دفاعاً عن أمنها القومي.

ختاما، هناك بعدان أساسيان تنطلق منهما السياسة الصينية تجاه المطالبة بأراضي تايوان:

أولاً- الجذور التاريخية التي تربط الصين بتايوان وهذا عبر ما يسمى بالصين الموحدة.

ثانياً- وجود نشاط عسكري أمريكي في بحر الصين الجنوبي بما يمثل تهديد للأمن الصيني.

من جانب آخر، تحاول الولايات المتحدة أن تحافظ على وجود حيوي لها في بحر الصين الجنوبي بما يضمن لها تحرك سهل تجاه الصين في تنفيذ الاستراتيجية الأمريكية في آسيا، ويعتبر دعم تايوان  السياسي والعسكري هو جزء من هذه الاستراتيجية.

لذا، يمكن القول إن استمرار صراع النفوذ بين الولايات المتحدة والصين في تلك المنطقة أو مناطق أخرى في العالم، ربما سيشكل في المستقبل نوعا من مجال التصادم بين هاتين القوتين، ما سيؤثر على المنظومة الاقتصادية/السياسية الدولية، ويلقي بظلاله القاتمة بطبيعة الحال على جميع اقتصادات دول العالم المتقدمة والنامية على حد سواء ما لم يتم إيجاد حلول دبلوماسية تنهي فتيل هذا الصراع.

الهوامش:

1- سر العداوة بين الصين وتايوان، العربية نت، 30 مايو 2020، تاريخ الدخول 24 مايو 2022.

2- الصين وتايوان: ماذا وراء الصراع بينهما؟، BBCعربي،11 أكتوبر2020، تاريخ الدخول 24 مايو 2022.

3- د. كمال حماد، تايوان بين الاستراتيجية الأمريكية والصينية، مجلة الدفاع الوطني، العدد 33-2000، تاريخ الدخول 24 مايو 2022.

4- د. وليد عبدالحي، إسرائيل في مرآة تايوان، مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات، بيروت، فبراير 2022، تاريخ الدخول 24 مايو2022.

5- الخارجية الصينية، مبيعات الأسلحة الأمريكية لتايوان تقوض استقرار مضيق تايوان، روسيا اليوم، 6 أبريل 2022، تاريخ الدخول24 مايو 2022.

6- خسائر متبادلة: حدود التصعيد الصيني–الأمريكي حولتايوان، مركز المستقبل للدراسات السياسية، 2 نوفمبر2021، تاريخ الدخول 24 مايو 2022.

7- مصدر سابق.

8-بايدن؛ الولايات المتحدة ستدافع عن تايوان في حال هاجمتها الصين، روسيا اليوم، 22 فبراير 2021، تاريخ الدخول 24 مايو 2022.

9- واشنطن ترجئ تزويد تايوان بالأسلحة، روسيا اليوم، 2مايو2022، تاريخ الدخول 24 مايو 2022.

10-بايدن يتعهد بالتدخل العسكري إذا حاولت الصين غزو تايوان، BBCعربي، 23 مايو 2022، تاريخ الدخول 24 مايو 2022.

11- إيان إيستون، مارك ستوكس، كورتيز أ. كوبر، وآرثر تشان، تطويرقوات الاحتياط التايوانية، معهد أبحاث اللدفاع الوطني (راند)، الولايات المتحدة الأمريكية، 2017. تاريخ الدخول 24 مايو 2022.

12- الصين.. الشريك التجاري الرئيسي للاتحاد الأوروبي، سكاي نيوز عربية، 15فبراير 2021، تاريخ الدخول 24مايو 2022.

13- الجمارك الصينية: حجم التجارة بين الصين والولايات المتحدة ارتفع بنسبة 10,9% في العام الجاري، روسيا اليوم، 9 مايو 2022، تاريخ الدخول 24 مايو 2022.

14- تأثير العقوبات الأمريكية ضد روسيا على النظام المالي العالمي، العدد 1539، إصدارات مركز المستقبل للدراسات،11مايو 2022،تاريخ الدخول 24 مايو 2022.

15- في مواجهة ارتفاع أسعار الوقود.. دول أوروبية تطالب بخفض حدود سرعة المركبات وتخفيف الضرائب على البنزين، يورو نيوز، 17مارس 2022، تاريخ الدخول 24 مايو 2022.

16- سعر برميل النفط عند 120 دولارا سيؤدي إلى انهيار السوق العالمية، روسيا اليوم، 3 مارس 2022، تاريخ الدخول 24 مايو 2022.

17- بيير أوليفييه غورينشا، الحرب تلقي بظلالها القاتمة على الآفاق الاقتصادية العالمية في ظل تسارع معدلات التضخم، صندوق النقد الدولي، 19 أبريل 2022، تاريخ الدخول 24 مايو 2022.

18- Beroe Inc, “China – Taiwan Conflict: Potential Impact on Economies and Supply Chain, Beroeinc“ 20-March, 2022.

19- pal. 2022.


رابط دائم: