قراءة في نتائج الانتخابات الفرنسية: هل تقليص الفارق يمهّدُ لوصول اليمين المتطرف لقصر الإليزيه؟
28-4-2022

ألفة السلامي
* صحفية متخصصة في الشئون الدولية

في الوقت الذي كان ايمانويل ماكرون يحتفل مع أنصاره بالفوز على منافسته مارين لوبان انكبّت مراكز أبحاث السياسات في فرنسا ودول غربية أخرى على قراءة دلالات النتيجة التي اتّضحت أكثر عند النظر إلى حصيلة لوبان واقترابها كثيراً من هدفها، إذ صوّت لها 42 في المائة من الناخبين، وهي بذلك قد حققت قفزة مهمة قياساً لما حصلت عليه في عام 2017، حين صوّت لصالحها 34 في المائة فقط من الناخبين، فيما حصل ماكرون على 66 في المائة من الأصوات آنذاك. هذا التقليص في الفارق بين ماكرون ولوبان حسب العديد من المراقبين يعكس نجاحا لليمين المتطرف بقيادة لوبان في تطبيع أيديولوجيته على الساحة السياسية الفرنسيّة وكسب المزيد من الشعبية بين الفرنسيين. وهذا ما يجعلهم يتساءلون عمّا إذا كان اليمين المتطرف سيمضي في خطته للتقدم بخطوات ثابتة نحو قصر الإليزيه بعد خمس سنوات.

لوبان التي انهزمت في النتيجة النهائية يراها الكثير من المراقبين ومستشاري السياسات قد وضعت قدميها بثقة في مطبخ صناعة القرارالفرنسي لتصبح الآن ضمن التيار الرئيسي المؤثر في فرنسا. البعض يذهب إلى القول بأن هذه الحقيقة يجب أن تخيف الجميع، من التيارات السياسية إلى المواطنين على حد السواء، لأنها تهدِّدُ إرثاً طويلاً من الحريّات المدنيّة. لذلك، يرى المراقبون أن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لا ينبغي أن يفخر بفوزه مرة أخرى على المرشحة اليمينية المتطرفة مارين لوبان وإنما يتصدّى لمحاولات تغلغل الحزب وأفكاره العنصرية في العقل الفرنسيّ. منذ ترشحها لأول مرة للرئاسة في عام 2012 ، اكتسبت لوبان درجة متصاعدة في التغلغل والتأثير، بما يكفي لأن يصبح اليمين المتطرف الآن قوة لا مفر منها في خريطة السياسة الفرنسية. ويدعو مراقبون ماكرون وأنصاره إلى إلقاء نظرة فاحصة على كيف أصبحت لوبان ومواقفها البغيضة جزءًا من التيارالسياسي السائد والحائز على قبول قرابة النصف من الفرنسيين الذين أدلوا بأصواتهم في الانتخابات الرئاسية.

تغيير الصورة النمطيّة المتطرِّفة لمارين لوبان:

أهمُّ ما رصده المراقبون خلال الحملة الانتخابيّة نجاح مارين لوبان في تغيير الصورة النمطيّة المتشدِّدة التي كانت قد ارتبطت باسمها وعائلتها وحزبها على مرالسنين. من ذلك، تغيّرت لافتات وملصقات الحملة من ذكر اسم عائلتها - المرتبط بوالدها، جان ماري لوبان، الرئيس السابق لحزبها والعنصري سيّئ السمعة إلى التركيز على اسمها الأول مارين، مع تسويق صورة مغايرة تتصدرها ابتسامة عريضة وأنشطة عاديّة توحي بالبراءة لا تختلف عن نشاط معتاد لأي مواطن فرنسيّ. خلال الحملة الانتخابيّة، استخدمت مارين لوبان حسابها على انستجرام لإظهار حبّها للقطط لتغازل مشاعر معظم الفرنسيين المعروفين بحبهم للحيوانات الأليفة. كما ظهرت في مقاطع فيديو وهي تُغنّي أغاني شعبية يردِّدها الفرنسيُّون في الأسواق العامة وجولاتهم للمناطق الريفية خلال عطلهم. كان ذلك وراءه حرصُها على تقديم نفسها كشخص عادي يشارك الفرنسيين أذواقهم الثقافية وليست أذواق النخبة. كما وصفت مارين نفسها بأنها امرأة عزباء، مثلها مثل "كثير من الفرنسيين حالياًّ"، وتفادت، أوربّما أخفت عن قصدٍ، أنّها ولدت ونشأت في عائلة بورجوازيّة. كما حرصت مارين على مشاركة متابعيها على حساباتها في مواقع التواصل الاجتماعي ما ذكرته ملكة جمال فرنسا السابقة، دلفين ويسبايزر، من كونها "أمُّل لفرنسيين".

لعبة إزالة "الشيطنة":

خلال رصد تحركات لوبان الانتخابية لاحظ المراقبون أن التحّدي الذي خاضته مرشحة الرئاسة بقوة كان يتمثل في "إزالة الشيطنة" التي كانت تلتصق بها كالوصمة. وقد انعكس ذلك على مناقشات وندوات بعض وسائل الإعلام، ربّما لأول مرة، حول ما إذا كانت لوبان تُعَدُّ حقّاً جزءًا من اليمين المتطرف أم لا.

هذا السؤال كان صادماً للقوى الديمقراطيّة والليبراليّة بل وحتى اليساريّة والعماليّة ويعكس إلى أيِّ مدى استطاعت لوبان أن تمسح من ذاكرة عددٍ كبير من الفرنسيين إرث التطرف اليميني الذي كان مرتبطاً بأفكارها وتوجهاتها، كما يلقي الضوء على عدد الأشخاص الذين لم يعودوا ينظرون إليها على أنها تهديد لنمط حياتهم وأفكارهم المتحرّرة. وهو ما يؤكدُ الانطباع الجديد بأنّها فازت بالتأكيد في لعبة "إزالة الشيطنة" عن شخصيتها وأفكارها المتطرّفة.

وبعيداً عن هذه الفرشاة الماهرة في التلاعب بالألوان البرَّاقة لصنع رأي عامٍّ يناصرها، تحتفظ زعيمة التجمّع الوطني بقناعاتها التي استمدَّتها من مبادئ حزب أسّسه متعاونون سابقون مع النازيّة، كما تحافظ على فصيلها الرئيسيّ الذي يدعِّمُها من قوى اليمين المتطرف الأكثر راديكالية وعنفًا، بما في ذلك الفاشيُّون المعادون لأجيال المهاجرين الذين بنوا فرنسا الحديثة وأصبح أبناؤهم وأحفادهم ينطقون لغتها ويندمجون مع ثقافتها ويشكلِّون تنوّعها وفسيفسائها. وتظهر مواقفها وتصريحاتها السابقة بوضوح أنها متمادية في نشر الكراهيّة تجاههم وتحريض الرأي العام ضدهم وتضفي المزيد من التطرّف والتوتر على المشهد السياسي الفرنسيّ. وأبرز دليلٍ على ذلك أنّها قدَّمتْ العام الماضي، بصفتها عضوًا في البرلمان، مشروع قانون بشأن "المواطنة والهوية والهجرة"، تقترح فيه إجراء استفتاء لمنح الأولويّة للمواطنين الفرنسيين على ذوي الأصول غير الفرنسية - بغض النظر عن المدة التي قد يقضونها في فرنسا- وتلك الأولويّة تمسُّ بشكل مباشر الحق في الحصول على الوظائف وتملّك الشقق السكنيّة والخدمات الاجتماعيّة والتعليميّة والصحيّة. ويقضي هذا المشروع على حقِّ أرسته المبادىء الأساسيّة في الدستور الفرنسيِّ كما أن خطورته تهدّدُ حقّا من حقوق المواطن وهو لم شمل الأسرة وتسهِّلُ عمليّة الترحيل، منتهكة بذلك قوانين حقوق الإنسان الدولية التي تحمي الحق في الحياة الأسريّة الآمنة والمستقرّة. علاوة على ذلك، سيمنع هذا المشروع الفرنسيين الذين يحملون جنسية مزدوجة من الوصول إلى الوظائف العامة.

تهديد حقوق الإنسان وقيم المواطنة والمساواة:

جملة السياسات التي تدعو إليها لوبان من شأنها تهديد مبدأ المساواة المنصوص عليه في إعلان حقوق الإنسان والمواطنة، الذي صدر خلال الثورة الفرنسية عام 1789 وهوالآن جزء من ديباجة الدستور الفرنسي. كما خطّطت لوبان لسحب فرنسا جزئيًا من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان. كما أن لوبان ليست حليفة للنسوية، كما تدّعي، والدليل على ذلك أن بيانها الرئاسي خلال الحملة الانتخابية خالٍ من ذكر كلمة "امرأة" في أيّ من التدابير الرئيسية الـ 22 الخاصة بها، باستثناء سطر واحد حول مخاطبة البيان لـ"جميع الرجال والنساء". كما أنها لم تطرح في برنامجها سياسات لوقف العنف القائم على النوع الاجتماعي، أو تعزيز المساواة في الحقوق في مكان العمل.

في المقابل عزّزَ ماكرون فرشاة الألوان التي لعبت بها لوبان لتغيير جلدها حتّى تحظى بالقبول من طرف فئات شعبيّة وتجذبهم إلى صفوفها. كان ماكرون متردِّداً في وصف برنامج التجمع الوطني الانتخابيّ بأنه "عنصري". ولم يُقدِمْ على ذلك إلا بعد أن فوجئ بنتائج استطلاعات الرأي التي كشفت تزايد صعودها وتهديدها لحصتّه التقليديّة من أصوات الناخبين. المراقبون يؤكدون أن سماع الناخب لمثل هذه الإدانة كان مفيداً لكنَّه تأخرَ كثيراً. وبدلاً من مواجهة صعود اليمين المتطرِّف وإظهار العوار في خطاب لوبان الغارق في العنصرية والذي يهدِّدُ المواطن والأجانب والحريّات المدنيّة عمد ماكرون إلى مغازلة هذا الطيف وأعلن موقفه المتشدّد بشأن الهجرة والإسلام والسياسات الأمنيّة كما ساهمت حكومة ماكرون في "دمج" لوبان في المشهد السياسيّ والحزبي وظهور خطابها المتطرف على أنه مقبول.

لذلك، يرى محلّلون لنتائج الانتخابات الرئاسية أنَّ فوزَ ماكرون بعد تأجيج الرأي العام بخطاب الكراهية والعنصريّة وتغيير القوانين لتقييد الحريات المدنية ليس انتصاراً مريحاً وآمناً لأنَّ اليمين المتطرف بقيادة مارين لوبان نجح في تطبيع أيديولوجيته على السياسة الفرنسيّة وخطى خطوات ثابتة تنبئ بأنّه القادم لا محالة بعد خمس سنوات. ومن هنا، يدقُّ دعاة حماية المبادئ الديمقراطيّة وحقوق الإنسان في فرنسا التي أرستها الثورة الفرنسيّة وسارت عليها الجمهورية بثبات منذ عدة قرون- يدقُّون جرس الإنذار محذّرين من "سرقة" فرنسا التنويريّة وسحبها نحو التطرفِ والتشدّدِ وهو ما اعتبروه مصدر قلقٍ لجميعِ الفرنسيين وخوفٍ على مستقبلهم ومستقبلِ أبنائهم وقيم التنوع والتعايش والمساواة بين المواطنين واحترام الحريات التي أرساها الجدود منذ الثورة الفرنسية.

 


رابط دائم: