تداعيات الحرب الروسية – الأوكرانية على دول القارة الإفريقية
2-3-2022

د. فريدة بندارى
* باحثة متخصصة فى الشئون الإفريقية- نائب مدير المركز العراقي-الإفريقي للدراسات الاستراتيجية

ثمة تداعيات اقتصادية وسياسية كبيرة بسبب الحرب الروسية – الأوكرانية، إذ يأتي هذا الصراع في سياق دولي معقد، ولا تزال إفريقيا تكافح وضع اقتصادها على مسار الانتعاش. وعليه، سوف تكون تداعيات الحرب على إفريقيا مختلطة. فبينما تستشعر البلدان المصدرة للطاقة الفرص المتاحة من الأزمة، فإن بلدانا أخرى تنتظر تداعيات ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء، كما أن هناك دروسا لابد على إفريقيا أن تتعلمها من تلك الحرب، أهمها المنافسة الدبلوماسية والأمنية الاستراتيجية بين الولايات المتحدة وروسيا في أوكرانيا. ولتقييم التداعيات يجب توضيح الآثار الاقتصادية والدبلوماسية، ومن ثم طرح بعض السيناريوهات.

أولاً- آثارُ الحربِ الروسيةِ - الأوكرانيةِ على الإمداداتِ الغذائيةِ والاقتصادِ الإفريقيِ بالتركيز على الاقتصاد المغربي:

من بين 54 دولة في إفريقيا، هناك 11 دولة مصدرة للطاقة والباقي مستوردة للطاقة، أو في حالة اكتفاء ذاتي تقريبا. ولتوضيح آثار الحرب على إفريقيا، نركز على ستة اقتصادات كبيرة. ثلاث دول مصدرة للطاقة: (الجزائر وأنجولا ونيجيريا)، واثنتان قريبتان من الاكتفاء الذاتي في مجال الطاقة (مصر وجنوب إفريقيا) ودول معتمدة بشكل رئيسي على استيراد الطاقة والغذاء (المغرب).

هذه الاقتصادات الستة مجتمعة تمثل أكثر من 60% من الناتج المحلي الإجمالي الإفريقي. وعليه، سيشهد مُصدرو النفط مكاسب كبيرة من ارتفاع أسعار النفط والغاز في الأسابيع الأخيرة، حيث بلغت صادرات النفط الجزائرية 18.9% من الناتج المحلي الإجمالي، وأنجولا 36.5%، ونيجيريا 10.3%. على سبيل المثال، فإن زيادة أسعار النفط والغاز بنسبة تتراوح بين 20% و30% بما يتماشى مع ما لوحظ في الأشهر الأخيرة، ستضيف نحو 4% إلى 6% إلى الدخل القومي للجزائر.

وعلى الرغم من أن هذه البلدان تعتمد أيضا على الواردات الغذائية بدرجات متفاوتة (تعد نيجيريا هي الأقل اعتمادا)، فإن التكلفة الإضافية لارتفاع أسعار المواد الغذائية سوف تتضاءل أمام مكاسبها على صادرات الطاقة.

وستكون آثار الحرب على مستوردي الطاقة الأفارقة، الذين يميلون أيضا إلى أن يكونوا مستوردين للغذاء، سلبية للغاية. فالمغرب يعد أكبر اقتصاد إفريقي من المرجح أن يعاني من صدمة معاكسة كبيرة من الحرب، منذ أن بلغت واردات المغرب من النفط والغاز والفحم 6.4% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2019، نحو ضعف نصيب مصر وجنوب إفريقيا اللتين تتمتعان أيضا بصادرات كبيرة من الطاقة.

كما يعد المغرب أيضا مستورد كبير للحبوب بلغت تكلفة الحبوب المستوردة كحصة من الناتج المحلي الإجمالي 1.4% في عام 2019 ولكن بسبب سوء الحصاد المتوقع في عام 2022، يمكن أن تكون الواردات أكبر بنسبة 50% أو ثلاثة أضعاف واردات عام 2021. ويعني هذا أن التأثير المشترك لارتفاع أسعار النفط والحبوب قد يكلف المغرب ما بين 1% و2% من الدخل القومي هذا العام إذا استمر، إلى جانب التأثير على الميزان الخارجي للمغرب، فإن ارتفاع أسعار النفط والغذاء سيزيد من عجز الميزانية المرتفع، الذي يقدر بنحو 6.5% من الناتج المحلي الإجمالي هذا العام، منذ دعم غاز الطهي.

ومن المرجح أن تتفاقم آثار الحرب على المستوى القطاعي على إفريقيا، التي كانت سلبية بالنسبة لمعظم البلدان بسبب تأثير تدهور ظروف الاقتصاد الكلي، حيث إن ارتفاع أسعار النفط وأسعار الفائدة الدولية لمكافحة التضخم، وتوسيع الهوامش على الأصول الخطرة، وتباطؤ الاقتصاد الأوروبي، سوف يمتد إلى إفريقيا. في نفس الوقت، يمكن للبلدان الإفريقية التي لديها إمكانية الوصول إلى الأسواق الدولية أن تشهد زيادة تكاليف الاقتراض بنسبة 1% أو 2%.

ثانيا- ردود أفعال الدول الإفريقية تجاه الحرب الروسية - الإفريقية:

كانت الأجواء مشحونة بشكل مستمر بين الاتحاد السوفيتي السابق ودول حلف شمال الأطلسي، وعلى رأسها الولايات المتحدة. وخلال هذه الفترات اصطفت الدول الإفريقية في هذا المحور أو ذاك، وشكلت إحدى الساحات الرئيسية للنزاع بين المعسكرين، خاصة في إطار امتلاك إفريقيا أكثر من ربع أصوات الجمعية العمومية.

في هذا الإطار، أشار تقرير، صادر عام 2021، حول آفاق التعاون بينإفريقيا وروسيا، نشرته المدرسة العليا للاقتصاد في موسكو، يؤكد التقرير أن الدول الإفريقية تميل إلى أن تكون محايدة عندما يتعلق الأمر بقضايا روسيا تجاه أزمة أوكرانيا، ويشير التقرير إلى ان الدول الإفريقية لم تفرض أيَ عقوباتٍ ضدَ روسيا، خاصةً بعدَ 2014 في قاعاتِ التصويتِ في الأممِ المتحدةِ حولَ القضايا المتعلقةِ بأوكرانيا، بل التزمت الحياد على الدوام.

لكن حدث في هذه الحرب، 24 فبراير 2022، تغير؛ إذ دعت جنوب إفريقيا -التي تتمتع بأكبر اقتصاد في القارة- إلى انسحاب فوري للقوات الروسية من أوكرانيا، قائلة إن النزاع يجب حله سلميا. ويشكل هذا الموقف صفعة قوية لروسيا من حليف رئيسي لها في إفريقيا، حيث تتمتع الدولتان بعلاقات اقتصادية قوية، وكلاهما عضو في تجمع بريكس، كما تمتلك جنوب إفريقيا استثمارات في روسيا تصل إلى ما يقرب من 80 مليار راند جنوب إفريقي (5 مليارات دولار)، في حين يبلغ إجمالي الاستثمارات الروسية في جنوب إفريقيا نحو 23 مليار راند.
لم تكن جنوب إفريقيا فقط، بل أدانت كينيا -القوة الاقتصادية لشرق إفريقيا، والعضو غير الدائم في مجلس الأمن الدولي– الحرب الروسية على أوكرانيا مؤكدة أنها اختراق لميثاق الأمم المتحدة، كما أدانت كل من غانا والجابون الحرب مؤكدة على وحدة أراضي أوكرانيا داخل مجلس الأمن الدولي. في المقابل، وجدت روسيا الدعم من حليفتها الجديدة جمهورية إفريقيا الوسطى من خلال الرئيس فأوستين تواديرا، الذى دعم قرار روسيا بالاعتراف بمناطق دونيتسك ولوهانسك الأوكرانية كدولتين مستقلتين.

في حين جاء قرار إنهاء المشاركة الفرنسية في محاربة الجهاديين في مالي، قبل الهجوم الروسي على أوكرانيا، كمثال قوي لتغيير التحالفات في إفريقيا. وفي إطار توثيق العلاقات بين روسيا وإفريقيا ترأس نائب زعيم المجلس العسكري السوداني محمد دقلو "حميدتي" وفدا إلى موسكو بعد فرض عقوبات واشنطن على روسيا بأيام قليلة.

هذا في الوقت الذي أدان الاتحاد الإفريقي وعبر عن "قلقه البالغ بشأن ما يجري، لكن صمت عن انتقاده لروسيا، في الوقت الذي أدان رئيس الاتحاد الإفريقي – ماكي صال- الرئيس السنغالي ورئيس مفوضية الاتحاد الإفريقي موسى فقي "حوادث التمييز العنصري ضد الأفارقة الذين يحاولون الفرار من الصراع في أوكرانيا". وبعد الغزو الروسي لأوكرانيا، إذا استمر ذلك الحياد، أو إذا ترجم إلى دعم أكثر وضوحا، ستكون جهود روسيا في الأعوام القليلة الماضية قد أتت بثمارها.

ثالثا- السينايورهاتْ المستقبلية:

1- تفاقمُ الأزمةِ الإنسانيةِ في إفريقيا:

في ارتدادات غير مباشرة، يخشى مراقبون أن يقود اندلاع الحرب في أوكرانيا إلى تحويل مسار المساعدات الإنسانية بعيدا عن دول إفريقية، أي أن العالم سيكون أكثر انشغالا بأزمة جديدة تضرب شرقي أوروبا.

2- البحثُ عنْ بدائلِ الطاقةِ .. سعيٌ أوروبيٌ لحلِ مشكلاتٍ إفريقيةٍ عميقةٍ:

قد تخلق الحرب في أوكرانيا لإفريقيا فرصة دبلوماسية بعيدة المدى، إذ تعد هذه الحرب انتكاسة لجهود إدارة بايدن لتحويل تركيزها نحو آسيا، بعيدا عن الشرق الأوسط، لكنها قد تخلق فرصا جديدة للدبلوماسية الأوروبية، مثل جهود الوساطة بين الجزائر والمغرب لفتح خطوط أنابيب للطاقة. وفي الوقت نفسه، من المرجح أن يؤدي تصاعد التوترات بين الغرب وروسيا إلى الإضرار بجهود تحقيق الاستقرار الإقليمي، لاسيما في ليبيا والسودان.

3- الجزائرُ بينَ الفرصِ الاقتصاديةِ وعداءُ الحليفِ الروسيِ:

اعتمادا على مدى ومدة العقوبات المفروضة على روسيا، ورد فعل روسيا، يمكن أن تشهد إفريقيا فرصا تصديرية جديدة في أوروبا التي تعد أهم أسواق لروسيا. وبحسب تحليل لوكالة بلومبرج الأمريكية، فإن الجزائر توجد في مقدمة البدائل المطروحة، باعتبارها مورد غاز رئيسي لكل من إيطاليا وإسبانيا، وثالث أكبر مصدر للغاز الطبيعي للاتحاد الأوروبي بعد روسيا والنرويج، وهو ما يعني أنها يمكن أن تكون وسيلة للتخفيف من حدة تأثيرات أي اضطراب محتمل في إمدادات الغاز الطبيعي الروسي.

ورغم أن هذا الخيار يمكن أن يوفر للجزائر عائدات اقتصادية تساعدها في مواجهة العجز المالي ويمنحها نفوذا ديبلوماسيا في أوروبا، إلا أنه يمكن أن يؤثر سلبيا فى علاقاتها مع حليفها التقليدي روسيا.

4- استخدامُ إفريقيا كساحةٍ للصراعِ:

إذا تنامي الصراع العسكري في أوكرانيا سوف يؤدي إلى مزيد من العقوبات الأوروبية على روسيا، أو غيرها من الإجراءات العقابية. وعليه، قد تستخدم موسكو موقعها في ليبيا للرد، بما في ذلك استغلال الصراع المتجدد، وزيادة تدفقات الهجرة لزيادة الضغط على أوروبا.

ختاما؛ يراقب صناع السياسات في جميع أنحاء العالم التطورات عن كثب. الآن وقد بدأ الغزو، لا يسع المرء إلا أن يأمل في أن تكون الحرب قصيرة وبلا دماء. ففي أي سيناريو، من المرجح أن يستمر نظام العقوبات ضد روسيا، والإجراءات الانتقامية من قِبل روسيا لسنوات قادمة. سيظل مستوردو الطاقة والأغذية في إفريقيا معرضين للرياح المتقاطعة.

 


رابط دائم: