القمة المصرية - الرومانية .. نافذة جديدة للتعاون مع شرق أوروبا
7-11-2021

د. نهى الشريف
* عضو مجلس الشيوخ - لجنة الشئون الخارجية والعربية والأفريقية، إدارة العلاقات الدولية بالهيئة العامة للاستثمار

منذ أن تولى الرئيس عبدالفتاح السيسي رئاسة الجمهورية، حققت مصر نجاحات كبرى وعظيمة في ملف العلاقات الدولية، وتعددت زيارات الرئيس الخارجية، بعد أن عانت مصر لسنوات عجاف من صعوبات ومشكلات في هذا الملف الحيوى والفعال، نتيجة للظروف الصعبة التى شهدتها مصر خلال الفترة التى سبقت تولى الرئيس السيسي. ومن أهم الملفات التي ركزت عليها القيادة السياسية الملف المصري - الروماني لما يمثله من حجر الزاوية في الاتحاد الأوروبي، وفى الفترة الأخيرة، ساهم انضمام رومانيا إلى عضوية الاتحاد الأوروبي، في يناير عام ٢٠٠٧، في تعزيز العلاقات الثنائية تماشياً مع مستوى العلاقات المتنامية التى تربط مصر بالاتحاد الأوروبي، فضلاً عن تقارب وجهات النظر في العديد من القضايا الدولية والإقليمية، لاسيما أن رومانيا أصبحت لاعبًا دوليًا نشطًا، ولها صوت قوى داخل حلف الناتو والاتحاد الأوروبي.

العلاقات المصرية - الرومانية عبر التاريخ:

دخل الإسكندر الأكبر مصر سنة ٣٣٢ ق.م من الناحية الشرقية دون أي مقاومة، لأنه لقب بالمحرر الذي أنهى حكم الدولة الفارسية على مصر، وأنشأ الإسكندر مدينة الإسكندرية على جزيرة فاروس، واتخذها عاصمة ثقافية لمصر والإمبراطورية الإغريقية. فمصر ورومانيا ترتبطان بعلاقات تاريخية وثيقة، حيثُ احتفل البلدان عام ٢٠٠٦ بمرور ١٠٠ عام على انطلاق العلاقات الدبلوماسية بينهما، كما يرتبط البلدان بروابط دينية وصلات قديمة بين الكنيستين الرومانية والمصرية منذ قرون بعيدة.

تتمتع القاهرة وبوخارست بعلاقات ثنائية طيبة، وتقارب في الرؤى تجاه مختلف القضايا الإقليمية والدولية بشكل عام، وذلك يرجع -في جانب منه- إلى الروابط التاريخية والجغرافية والثقافية بين البلدين، فضلاً عن عراقة العلاقات الدبلوماسية بينهما، والتي تمتد لأكثر من ١١٣ عاماً، ويمكن القول إن العلاقات المصرية - اليونانية عريقة وضاربة في جذور التاريخ، أى من زمن التنافخ والتثاقف الفرعوني - الإغريقي، وحتى اليوم.

العلاقات المصرية - الرومانية في عهد السيسي:

في عهد الرئيس عبدالفتاح السيسي، شهدت العلاقات المصرية الرومانية تطورًا لم يحدث منذ بدء العلاقات الدبلوماسية بفعل تقارب الرؤى تجاه الملفات الإقليمية، وتضافر الجهود في مكافحة الإرهاب، وبعد ثورة ٣٠ يونيو ٢٠١٣، بدأت مرحلة جديدة في علاقات البلدين، حيث شهدت العلاقات الثنائية بينهما انطلاقة ملموسة ومتميزة في عهد الرئيس عبدالفتاح السيسي، وحرص البلدان على تطوير التعاون المشترك في كافة المجالات والصناعة.

ظهر ذلك خلال زيارة الرئيس السيسي للعاصمة الرومانية بوخارست في يونيو ٢٠١۹، حيث منحت جامعة بوخارست للدراسات الاقتصادية، إحدى أهم المؤسسات التعليمية في رومانيا، درجة الدكتوراه الفخرية للرئيس السيسي.

العلاقات الاقتصادية بين القاهرة وبوخارست:

 شهدت العلاقات المصرية - الرومانية ما بعد عام ٢٠١٤ تطورًا كبيرًا في جميع المجالات، خصوصًا الاقتصادية، وتحظى العلاقات بين البلدين بمستوى عالٍ من التنسيق، وتتسم بتقارب وجهات النظر في العديد من القضايا الإقليمية والدولية، ويولى الجانب الروماني اهتمامًا كبيرًا بالتعاون مع رجال الأعمال في مصر في مجالات الكيماويات والبتروكيماويات ونقل الخبرات في مجال صناعة الأثاث والصناعات الهندسية وتصنيع الجرارات الزراعية بجانب الاهتمام بصناعة الغزل والنسيج.

وتحتل مصر المرتبة الأولى للصادرات الرومانية في إفريقيا والمنطقة، ووصل حجم التبادل التجاري بين البلدين إلى أكثر من ٥۹۸ مليون دولار في عام ٢٠١٧، ويسعى مجلس الأعمال المصري - الروماني لمضاعفة حجم التجارة بين مصر ورومانيا والوصول بها إلى مليار و٣٠٠ مليون دولار، كما تحتل رومانيا المرتبة ٤٢ بين أهم الدول المستثمرة في مصر، لتصل لنحو ٦٢مشروعًا استثماريًا برأس مال مصدر يتعدى ٢٢٤ مليون دولار بمساهمة رومانية قيمتها ۸۸ مليون دولار، حيث تتركز في شركات صناعية ونظم معلومات واتصالات.

ويبلغ إجمالي حجم الاستثمارات المصرية في رومانيا ١٠٠ مليون دولار استثمارات مباشرة وغير مباشرة في مجال الصناعات الهندسية والتعبئة والتغليف والخدمات، كما تبلغ استثمارات رومانيا في مصر نحو ٣١ مليون دولار، وأصبحت الصناعات اليدوية والحرفية المصرية حاضرة بقوة داخل السوق الرومانية بعد نجاح تنظيم العديد من المعارض للصناعات الصغيرة والمشغولات اليدوية والتراثية بدعم من المجلس المشترك وجمعية رجال الأعمال المصريين.

وتعمل أكثر من تسع شركات مصرية في مجال التشييد والبناء في رومانيا مقابل ٦٣ شركة رومانية تعمل في مصر، أبرزها في مجالى الكهرباء والطاقة.

ووقعت مذكرة تفاهم بين الهيئة العامة للاستثمار والمناطق الحرة بمصر ووزارة بيئة الأعمال والتجارة والمشروعات الصغيرة والمتوسطة برومانيا، في مارس ٢٠١۹، بغرض التعاون في مجالات الاستثمار ودعم الشركات الناشئة وريادة الأعمال، كما وقع الجانبان مذكرة تفاهم أخري بين الهيئة العامة للاستثمار والمناطق الحرة بمصر ووزارة بيئة الأعمال والتجارة والمشروعات الصغيرة والمتوسطة برومانيا للترويج والتعاون في مجال الأسواق الثالثة سهلة الدخول للبلدين، والتي تهدف إلى دعم وتيسير ضخ الاستثمارات وعقد الشراكات وزيادة التعاون التجاري مع الشركات غير المُدرجة في أسواق المال، حيث سيقوم الجانبان بالترويج لتنظيم الأحداث المشتركة ومنتديات الأعمال في هذا القطاع الذي يضم فرصا واعدة للنمو.

 صفحة جديدة في تاريخ البلدين ونافذة مشرقة على أوروبا:

شهدت المباحثات بين الرئيسين تبادل وجهات النظر بالنسبة لعدد من الملفات والأزمات الإقليمية، مثل عملية السلام في الشرق الأوسط وسوريا وليبيا واليمن، واستعراض تداعياتها على أمن منطقة المتوسط.

واتفق الرئيسان على أهمية الحفاظ على وحدة الدول وسلامة أراضيها بما يساهم في تلبية طموح شعوب تلك الدول في التمتع بحياة آمنة ومستقرة، ويتوافق مع ثوابت الموقف المصري تجاه تلك القضايا الذي يرتكز على عدم التدخل في الشئون الداخلية للدول، والتحرك في إطار من البناء والتعاون والتنمية، كما ثمّن الرئيس الروماني من جانبه الجهود المصرية ذات الصلة للتوصل إلى حلول سياسية لمختلف الأزمات التي تمر بها منطقة الشرق الأوسط.

وعلى الصعيدين الإفريقي والأوروبي، توافق الرئيسان بشأن ضرورة تكثيف التنسيق والتشاور في القضايا والملفات ذات الاهتمام المشترك في هذا الصدد، لاسيما خلال الفترة الحالية التي تتزامن فيها رئاسة مصر للاتحاد الإفريقي مع رئاسة رومانيا للاتحاد الأوروبي بما في ذلك استكشاف آفاق التعاون الثلاثي بين البلدين في القارة الإفريقية في ضوء الاهتمام المشترك بدعم التنمية في القارة وصون السلم والأمن بها، ومواصلة رومانيا دورها الداعم داخل الاتحاد الأوروبي لتعزيز تنفيذ مكونات اتفاقات المشاركة مع مصر كدولة جوار، وتعظيم التنسيق المشترك بين الاتحاد ومصر والعمل على الارتقاء بعلاقات الصداقة والتعاون الثنائي، خاصةً بعد انتظام انعقاد مجلس المشاركة بين الجانبين خلال العامين الماضيين.

كما اتفق الرئيسان على ضرورة تعزيز التعاون المشترك لمكافحة الهجرة غير الشرعية من خلال منظور شامل، والعمل على القضاء على الأسباب الرئيسية التي تشجع على تلك الظاهرة، واستعراض آخر التطورات الخاصة بمكافحة الإرهاب الذي بات يهدد مختلف دول العالم، إذ تمّ تأكيد أهمية تكاتف المجتمع الدولي للتعامل مع التنظيمات الإرهابية.

في الأخير، دخلت السياسة الخارجية المصرية مرحلة جديدة وتاريخاً أكثر إشراقاً بعد الإطاحة بحكم أهل الشر في ٣٠ يونيو ٢٠١٣، ثم تولى الرئيس عبدالفتاح السيسي مقاليد الحكم في البلاد بعد فوزه بالانتخابات الرئاسية في يونيو ٢٠١٤. ومنذ أن تولي الرئيس الحكم كان حريصاً على إقامة علاقات قوية ومتوازنة مع جميع دول العالم في ظل رغبة صادقة منه على المشاركة في كافة القمم والمحافل الدولية، والتي تهدف إلى تعميق علاقات مصر خارجياً، وهو ما شهدت به جميع القوى العربية والإقليمية والدولية، فالدبلوماسية المصرية حققت انطلاقات جديدة عززت ورسخت ثقل مصر وعززت دورها المحوري.

وتنطلق السياسة الصحيحة من أساس الندية والتعاون وتقاسم المنافع، بعيداً عن النزاع واختلاق ما يمكن تفاديه، واحترام الجيران والقوى الإقليمية، وكذلك الدولية، لمصر والرئيس السيسي الذي جعل من البلد ركيزة استقرار ومصدر أمان يسعى الجميع لنسج العلاقات الفاعلة معه.


رابط دائم: