أفكار على مسار التنمية (1):مصيدة التخلف وآليات التنمية
30-8-2021

د.وليد عبد الرحيم جاب الله
* خبير الاقتصاد والمالية العامة، عضو الجمعية المصرية للاقتصاد والإحصاء والتشريع

لا يوجد تعريف مُحدد للتخلف، ولكن نجاح الثورة الصناعية في القرن التاسع عشر فرض له مفهوم حديث بتقسيم المُجتمعات إلى اقتصادات رأسمالية مُتقدمة، واقتصادات مُتخلفة، ثم تجاوز الأمر الجانب الاقتصادي ليشمل أيضاً الجوانب الاجتماعية، والثقافية، والتنظيمية، والقانونية، والسياسية، ليكون كل ما هو رأسمالي مُتقدم، وما غير ذلك يعد تخلفا. ووفقاً لهذا المفهوم نجد أن نحو70% من سكان العالم يصنفون داخل دائرة التخلف، حيث يحصلون على أقل من 30% من الدخل العالمي تأثراً بانخفاض إنتاجية دولهم التي تُنتج أقل من 7% من الإنتاج الصناعي العالمي، ويتركز إنتاجها على الموارد الأولية التي لا تزيد قيمتها على 10% من ثمن بيع تلك المواد للمُستهلك النهائي، والباقي تحصل عليه الدول الرأسمالية. وفي مجال تفسير التخلف، اتخذ البعض معيارا عُنصريا، بتفوق الجنس الأبيض "السوبرمان" لما يتسم به من ذكاء ونشاط وإبداع، بينما الأجناس الملونة فوصفت بالكسل والخنوع والتخلف، وقد هُدم هذا الاتجاه على يد اليابان، والصين، وكوريا، وفيتنام، والهند، وغيرها.

وفي اتجاه آخر، تم تفسير التخلف بأنه عبارة عن مجموعة من الظواهر التي ترتبط ببعضها بطريقة دائرية بصورة تجعل اقتصاد الدول المُتخلفة يصبح في حالة توازن عند مستويات التخلف، حيث تظل تلك الدول تدور في دوائر من التخلف التي منها أن انخفاض الإنتاج، يُرتب انخفاض الدخل، الذي يُرتب انخفاض الادخار، الذي يُرتب انخفاض الاستثمار، الذي يُرتب انخفاض الإنتاج. وفي دائرة أُخرى يكون انخفاض الإنتاج يُرتب انخفاض الدخل، الذي يُرتب انخفاض الإنفاق على التغذية، والصحة والتعليم، الذي يُرتب انخفاض الكفاءة الإنتاجية للفرد، التي ترتب انخفاض الإنتاج. والواقع أن هذا المنطق يتجاهل الواقع المُركب للتخلف بجوانبه الاجتماعية والثقافية، والبيئية، والسياسية، كما يتجاهل قُدرة العديد من الشعوب في كسر حلقات التخلف المزعومة، كما أن التاريخ يشهد للكثير من الدول المُتخلفة مرورها بعصور من التنمية والازدهار. وفي اتجاه ثالث يعتبر البعض سبب التخلف مُتمثلا في عدم عدالة تقسيم العمل الدولي الذي تم منذ الثورة الصناعية في القرن التاسع عشر، والذي دفع الدول الرأسمالية إلى فرض تقسيم للعمل والإنتاج تحصل بموجبه على المواد الأولية من الدول الأخرى بأسعار زهيدة، ثُم تجعلها سوقاً لمُنتجاتها بأسعار مُرتفعة دون أن تسمح بحصولها على تكنولوجيا الفن الإنتاجي الأحدث، مما دفعها في منطقة التخلف. ويذهب الاقتصادي الأمريكي والت روستو إلى أن المُجتمع المُتخلف هو المجتمع الذي يرتكز إنتاجه على تكنولوجيا بدائية غير قادرة على مُنافسة فنون الإنتاج العصرية، ويقوم في الغالب على الزراعة، والمواد الأولية، ويُمكن لهذا المُجتمع السير نحو التنمية من خلال الاهتمام بالتعليم الذي يُساعد على خلق فئات من المُطورين، والمُنظمين الذين يُمكنهم قيادة التنمية، حال وجود مؤسسات مالية ومصرفية تدعمهم لينتقل الاقتصاد بهم لمرحلة الانطلاق، وهكذا يؤسس روستو للدول المُتخلفة حتمية السير في طريق التحول الرأسمالي الغربي للخروج من التخلف، وقد حاول العديد من الدول القيام بذلك من خلال البعثات العلمية للخارج، ومُحاولة خلق طبقة من رواد الأعمال والمُستثمرين لقيادة التنمية وزيادة مُعدلات الاستثمار والتشغيل. والواقع أن التخلف ليس قدرا حتميا لأحد، ويشهد التاريخ العديد من الحضارات التي ازدهرت ثم اختفت ووقعت شعوبها في مصيدة التخلف وفقاً لمعياره الحالي، والمؤكد أنه يُمكن للدول والشعوب تحسين أحوالها والسير في طريق التنمية وهو ما حدث بالفعل للعديد من الدول في العالم.

آليات التنمية:

اختلف الفكر الاقتصادي حول الآليات التي يُمكن أن تنقل دولة من مصيدة التخلف إلى آفاق التنمية، واعتبر الماليون أن خفض سياسة أُجور مُنخفضة هي الأساس لتكاليف إنتاج مُنخفضة وصولاً لمُنتجات تصلح للمُنافسة دولياً بصورة تُحقق فائض في الميزان التجاري للدولة يُحقق وفورات مالية تُؤسس لمزيد من الاستثمار الذي يخلق مزيد من المُنتجات ويُساعد على التشغيل، والنمو، على أن يكون دور الدولة التنسيق بين رجال الأعمال، ومنحهم إعانات لصناعات التصدير، وتقرير تنظيم للأجور المُنخفضة.

بينما اتجه الفكر الكلاسيكي الذي نشأ في أحضان الثورة الصناعية في القرن التاسع عشر إلى اعتبار أن طريق التنمية هو تراكم الاستثمار، أي تراكم رأس المال الذي يخلق استثمارات تُحقق التشغيل، ويكون ادخار المُشتغلين واستهلاكهم هو  ما يؤسس لمزيد من الاستثمارات والنمو الذي يُرتب زيادة الدخل القومي الحقيقي الذي ينعكس إيجاباً على كافة القطاعات، على أن تبتعد الدولة عن مُمارسة النشاط الاقتصادي وتترك السوق تُصحح نفسها.

وفي نموذج آخر، اتجه "كينز "إلى اعتبار أن ضخ استثمارات حكومية هو مُحرك التنمية، حيث تُساعد تلك الاستثمارات على التشغيل لتزيد رواتب المُشتغلين فيرتفع حجم الطلب الذي يُشجع المُنتجين على الاستثمار مع ضمان وجود طلب على مُنتجاتهم، مما يفتح الباب لمزيد من التشغيل الذي يقود نحو مزيد من النمو، وزيادة الإنتاج، والتشغيل.

في حين يتجه "روزنتشتين رودان" إلى أن التنمية تحتاج إلى دفعة قوية، أو  برنامج كبير ومُكثف من الاستثمارات التي يتم اقتراض أغلبها من الخارج باعتبار أن الاقتصاد الوطني لا يستطيع تمويل مثل تلك البرامج مُنفرداً، ويُفضل "رودان" أن تكون البداية من الصناعات الخفيفة والاستهلاكية كثيفة العمالة مؤكداً على دور الدولة في ضخ استثمارات البنية التحتية، والطاقة، وغيرها من الخدمات الأساسية تفتح الباب للمُستثمرين للانطلاق نحو الاستثمار الذي يُحقق التشغيل، والتنمية بوجه عام.

ويذهب "رجنار نوركسي" إلى أن التنمية تتطلب استثمارات تستهدف خلق نمو متوازن بين القطاعات ليشمل الاستثمار كافة الصناعات الخفيفة، والثقيلة. الاستهلاكية، والإنتاجية. كما يمتد للقطاع الزراعي، وغيره من القطاعات من خلال استثمارات هائلة يتم تدبيرها من الداخل والخارج، وهو الأمر الذى يعد بالغ الصعوبة من جانب، ومن جانب آخر سيكون الادخار الداخلي خصما من القُدرة الشرائية التي تُعزز الطلب لما يتم إنتاجه.

ويذهب "ألبيرت إيريشمان" إلى أن ضعف قُدرة البلد المُتخلف على الادخار والاستثمار الفردي يجعل من الأفضل أن يكون طريق التنمية من خلال خلق استثمارات تقود نمو غير متوازن بالتركيز على فروع إنتاجية مُعينه تُحقق أكبر قدر من النمو وفرص العمل، التي ستُعزز الطلب وتُوسع من إطار التنمية تلقائياً، ويؤكد "إيريشمان": على دور الدولة في القيام بمشروعات البنية التحتية، والطاقة، والخدمات الأساسية للمُستثمرين التي تُقدم لهم بأسعار مُنخفضة.

وإجمالاً، نؤكد على أن ما ورد من آراء ونظريات للتنمية هي نتاج فكر اقتصادي مُرتبط بإطاره التاريخي ولا يوجد نموذج أو قالب مُعين يصلح مُنفردا بناء عملية التنمية، والأمر يختلف حسب طبيعة الدولة والمناخ العالمي، إلا أن ما يجمع بين تلك النظريات هو اتفاقها على حتمية الحاجة إلى خلق تمويل ضخم لعملية التنمية، ومهما امتلكت الدولة من موارد وقوى عاملة، فإنها لن تتمكن من المضي في سبيل التنمية إلا من خلال خلق تمويل داخلي من المُستثمرين بالداخل وما يدعمهم من ائتمان لأموال المُدخرين، وتمويل خارجي، سواء في صورة قروض حكومية، أو استثمار أجنبي مُباشر أو غير مُباشر، ويكون الهدف هو استهداف الربح من الجميع الأمر الذي سيصب في زيادة إنتاج، ونمو تنعكس آثاره على كافة القطاعات. وإذا كانت التنمية تحتاج لاستراتيجية تدمج بين ما يُمكن الاعتماد عليه من كل ما سبق، فإن استراتيجيات التنمية ستكون موضوع المقال القادم بإذن الله.


رابط دائم: