أفغانستان: العائدون إلي كابول والتهديدات الإقليمية
16-8-2021

جمال رائف
* نائب مدير تحرير مجلة أكتوبر

ظلت أفغانستان ساحة الصراع الدولي الأهم علي مدار العقود الماضية، فهي المسافة صفر في الصراع الأمريكي – الروسي، حيث كانت الضربات السياسية الموجهة من كل قوي للأخرى موجعة ومؤثرة. ورغم أن الجانبين لم يطلقوا رصاصة واحدة علي بعضهم بعضا إلا أنهم  سخروا وكلاء الحرب للقيام بتلك المهمة، لتنال الولايات المتحدة الأمريكية من الاتحاد السوفيتي سابقا عبر المجاهدين الأفغان، ثم تنقلب الدفة لتهدد القاعدة أمريكا وتفزعها في نهار 11 سبتمبر، ثم تتحور المسميات وتصبح طالبان تاجر الموت في الداخل الأفغاني، وتستمر ديمومة إعادة تدوير التطرف داخل أفغانستان حتي الوقت الراهن الذي قرر فيه الرئيس الأمريكي بايدن سحب قواته من هناك، مما أحدث فراغًا أمنيًا استغلته طالبان للسيطرة علي كابول، وها نحن أمام مولد جديد سيخلف مسميات قديمة، تمثلت في المجاهدين والقاعدة وطالبان، ولكن لماذا تحتاج تيارات الإسلام السياسي لمسمي جديد وما جدوي ذلك؟

الصراع الدولي ومنتج إرهابي جديد:

خريطة انتشار الجماعات المتطرفة تتغير وتتقلص علي الساحة الدولية، ولا شك أن ثورة 30 يونيو في مصر كان لها عظيم الأثر في هذا الأمر بعد أن ثار الشعب ضد جماعة الإخوان الإرهابية معقل الفكر المتطرف لكافة الجماعات الإرهابية مما طعن التنظيم في مقتل. وما ضاعف أوجاع تلك الجماعات هو النجاح المصري غير المسبوق إقليميًا وعالميًا في مجابهة الإرهاب والقضاء عليه. توازت مع تلك الجهود إضعاف لتنظيم داعش في الشام، خاصة العراق، كما تنتفض تونس الآن في وجه حركة النهضة الإخوانية لإزاحتها من المشهد التونسي، هذا كله في ظل تخلي بعض الدول التي كانت تحتوي قيادات الجماعات المتطرفة عنهم، بل إيقاف الدعم المالي والإعلامي لتلك الجماعات، كما لوحظ تلاشي أسماء لجماعات إرهابية ظهرت عقب الخريف العربي عام 2011، وهو ما يبرهن عن كون خريطة انتشار الجماعات المتطرفة قد تغيرت خلال العقد الماضي في ظل التضييق الحاصل من دول إقليمية عربية، حاولت بجد مجابهة خطر سيطرة تلك الجماعات، ما لم يمكن القوي المسيسة للإرهاب من الاستغلال الأمثل لتلك الورقة ضمن الصراع الدولي، وهو ما يتطلب إعادة صياغة المنظومة الإرهابية التي تخوض حروب بالوكالة عن القوي المتصارعة دوليا.  

العائدون إلي كابول:

بعد انتهاء الحرب الباردة، وتفتت الاتحاد السوفيتي، وانتهاء دور ما أطلق عليهم المجاهدون الأفغان انتشرت، المخاوف في منطقة الشرق الأوسط وأوروبا من هؤلاء العائدون من أفغانستان، وبالفعل كان لهم آثار سلبية علي تكوين خلايا إرهابية بالدول التي استقبلتهم، مما ساهم في الانتشار العالمي للتطرف والإرهاب، خطر يتجدد اليوم عبر هؤلاء المتطرفين العائدين إلي أفغانستان من كل صوب وحدب بعد أن ضاق الخناق عليهم إقليميا، لتصبح كابول الحاضنة التي تحتضن كافة الجماعات المتطرفة التي أنهكت في الصراعات الإقليمية خلال السنوات العشر الماضية، مما يجعل أفغانستان أيضا بؤرة تجمع مثل كافة الأيديولوجيات المتطرفة، بل تتيح لها المناخ المناسب للتعافي والاستقواء وإعادة ترتيب صفوفها، ليطل الإرهاب علي العالم بموجه جديدة ونمط جديد قد يتشكل في المستقبل القريب نتاج تحالفات بين تلك الجماعات علي الأرض الأفغانية، مما قد قد ينشأ عنها مخرج إرهابي جديد بمسمي جديد وطريقة عمل مغايرة عن الماضي، خاصة في ظل توافر الإمكانيات اللوجيستية وأيضا المادية، بل والغطاء السياسي، في حين اعترف المجتمع بسلطة طالبان، والتي ستتحور لتنتج نظاما جديدا مشكلا من منتخب العالم للإرهاب.

تصدير المخاطر إلى الإقليم:

بعيدا عن كون ما يحدث علي الأرض الأفغانية له علاقة مباشرة بإعادة التموضع الأمريكي في منطقة الشرق الأوسط بشكل مختلف بما يخدم صراع النفوذ الذي تديره الآن في منطقة الشرق الأقصى في تناحر دولي بينها وبين الصين وروسيا ، إلا أن ما يهمنا نحن كمواطنين شرق أوسطيين هو ما سنستقبله من مخاطر ومهددات نتاج المتغير الأفغاني، ولاسيما أن تلك المنطقة ربما تكون الهدف الأول للعائدين إلي أفغانستان، ويمكن حصر جزء من تلك المهددات كالآتي :

أولا- الانتشار الجغرافي ( سفارات الإرهاب ):

إعادة الانتشار جغرافيا أولوية ستتخذها الجماعات الإرهابية المتحالفة علي الأراضي الأفغانية، فهي لا تبني سفارات، بل تتخذ أوكارا تهدد عبرها أمن وسلامة الدول من الداخل، ومن المرجح أن تكون دول، مثل ليبيا وتونس وسوريا والعراق وأيضا مصر، مع إدراك خصوصية الحالة المصرية، والتي ستحول من تحقيق هذا الهدف علي أراضيها، أما النقاط الأخرى التي تم ذكرها أو غيرها ستكون نقاط عمل للإرهاب مجددا في ظل إعادة ترتيب الولايات الأمريكية لقواتها في المنطقة، والشاهد هنا الحالة العراقية التي تشهد ظهورا جديدا للدواعش بالتوازي مع المتغير الأفغاني.     

ثانيا- مهددات أمنية:

التخويف وإثارة الذعر بين شعوب الإقليم عبر عدد من العمليات الإرهابية التي قد تظهر في الفترة القريبة بشكل منظم وممنهج مع وجود قيادة مركزية للعمليات الإرهابية.

ثالثا- التهديدات الملاحية:

تشير تجارب متشابهة إلى إن مثل هذا النموذج من الدول يمكنه خلق تهديد ملاحي للمجاري المائية الدولية، ولكن الحالة الأفغانية لن تتمكن من إحداث هذا بشكل سريع كونها دوله حبيسة،  ولكن في حال تنامي أذرع لها بأي من الدول الساحلية سيصبح هذا الخطر وشيكًا.

رابعا- تجارة المخدرات والجرائم المنظمة: 

أرض الأفيون، والذي تستخدمه طالبان كعملة دولية لشراء مستلزماتها من السلاح والعتاد. وفي عام 2020، وفقا لما صدر عن  مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة، فهناك زيادة 37% في نسبة مساحة الأراضي المخصصة لزراعة الأفيون في أفغانستان، وتقدر حصيلة المبيعات بما يتجاوز ستة مليارات دولار، وهو رقم كافٍ للتسليح ودعم الأنشطة المتطرفة في الإقليم، الأمر الذى يعزز من انتشار الجرائم المنظمة والمرتبطة بتجارة السلاح، وأيضا الإتجار في البشر، عوضا عن مخاطر انتشار هذا المخدر بمنطقة الشرق الأوسط.

خامسا- تدهور حالة حقوق الإنسان:

تدهور حالة حقوق الإنسان لن يقتصر علي الداخل الأفغاني، بل سيمتد إلي المحيط الإقليمي في ظل انتشار العنف المتوقع والمهددات المختلفة التي تلقي بظلالها السلبية علي الأمن والسلم الإقليمي، مما قد يخلق موجات جديدة من النزوح والهجرة ويزيد من أعداد اللاجئين في حال مضاعفة  الأزمات في دول إقليمية تعاني في الأساس من تلك الأزمات نتاج عقد كامل من المواجهة مع الإرهاب، مما أفشل تلك الدول وأوصلها لحافة الانهيار، ويمكن القول إن المخاطر ستكون مضاعفة علي دول، مثل سوريا والعراق وليبيا.

لقد حذرت مصر مرارًا وتكرارًا من تسييس الإرهاب واستخدامه كورقة ضغط ضمن أوراق الصراع الدولي، خشية انفجار الأوضاع وانتشار الفوضى وتنامي الطرف وإعادة إنتاج الإرهاب، ولكن إصرار القوي الكبري علي إيجاد وكلاء حرب أمر يساهم في إيجاد تلك الجماعات، والتي تستقوي الآن برحيق الأفيون استعدادًا لإثارة موجة جديدة من الفوضى، وهو ما يستلزم اليقظة والاستعداد التامين من مختلف الدول الإقليمية، بل التكاتف لمجابهة المخاطر المحتملة، فالحرب علي الإرهاب لم تنته بعد.


رابط دائم: