الاحتجاجات الشعبية الكوبية .. تحديات الداخل وتباينات الخارج
15-8-2021

د. رضا محمد هلال
* مدرس العلوم السياسية- جامعة 6 أكتوبر

فى منتصف يوليو الماضى، وعلى مدار أسبوع كامل، شهدت كوبا -لأول مرة فى تاريخها المعاصر- اندلاع العديد من المظاهرات وأعمال الاحتجاج على سياسات الحكومة الكوبية فى المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية، والتى أدت إلى تفشى الجريمة وارتفاع معدل التضخم ونقص السلع والمنتجات الغذائية الأساسية وقمع المعارضين السياسيين. وقد أسفرت هذه المظاهرات والاحتجاجات عن مقتل عدة مواطنين وجرح وإصابة واعتقال المئات على يد قوات الأمن والشرطة، مما أدى إلى زيادة وأعداد المتظاهرين والمحتجين من جانب قوى اجتماعية وسياسية جديدة، ونفاد الصبر الأوربى والأمريكى على سياسات الرئيس الكوبى الحالى ومطالبته بإجراء إصلاحات سياسية واقتصادية جوهرية.

تطور الاحتجاجات وأسبابها:

تواجه كوبا منذ بداية عام 2020 تدهورًا للأوضاع الاقتصادية في كوبا؛ والذى ظهرت مؤشراته فى حدوث انكماش اقتصادى بنسبة 10.9% في عام 2020، وبنسبة 2% خلال الأشهر الستة الأولى من عام 2021؛ نتيجة مجموعة من العوامل والأسباب، من أهمها: انخفاض الدعم المالي (الوقود المدعوم) المقدم من حكومة فنزويلا لحليفتها الكوبية، علاوة على تداعيات استمرار الحظر والعقوبات الأمريكية ضد كوبا، حيث يحد الحظر من قدرة الجزيرة الكوبية على الحصول على الغذاء والدواء من الخارج. وقدرت بعض المصادر حجمم الخسائر المباشرة وغير المباشرة على الاقتصاد الكوبى خلال السنوات العشر الماضية بنحو 140 مليار دولار أمريكى، أى بواقع عشرة مليارات دولار سنويا؛ إلى جانب التأثير السلبى لجائحة فيروس كورونا، والتي ضربت صناعة السياحة في البلاد وتُعد أحد مصادر الدخل الرئيسية لكوبا حيث تسهم بنحو 39% من إجمالى الإيرادات السنوية للموازنة العامة للدولة؛ بالإضافة إلى ماسببته الجائحة من تراجع فرص العمل وبطالة آلاف الكوبيين العاملين فى الولايات المتحدة، مما أدى بدوره إلى تراجع وانخفاض حجم التحويلات المالية المرسلة من جانب الجاليات الكوبيية العاملة هناك إلى بلدهم الأم. لذا، أفضت الظروف الاقتصادية المتدهورة السابقة إلى انخفاض مستوى معيشة الكوبيين، وعجز الحكومة عن سد العجز والنقص فى السلع والمواد الغذائية والمنتجات الأساسية الأخرى؛ وعدم القدرة على الاستمرار فى تقديم الخدمات الأساسية للمواطنين من مياه شرب نقية وكهرباء وإسكان وتعليم وصحة وغيرها بذات الجودة والتكلفة المحدودة، والتى نجحت فى توفيرها على مدار سنوات ماضية.

وعلى الرغم من حدة الأزمة الاقتصادية وقيام العديد من الشخصيات العامة والناشطين السياسيين الكوبيين فى الداخل والخارج باستخدام وسائل التواصل الاجتماعى لحشد وتعبئة كافة الجهود والمساعدات الدولية والإقليمية لمساعدة الدولة الكوبية؛ والتى من أبرزها إطلاق حملة باستخدام الهاشتاج #_أنقذوا_كوبا وهاشتاج #_أنقذوا_ماتانزاس # لجمع الأموال والمواد الطبية والمواد الغذائية وإمدادات أخرى بهدف إرسالها إلى كوبا؛ ونجاح هذه الحملات فى ضم شخصيات عالمية متعددة، منها دون عمر، وريكاردو مونتانير، وأليخاندرو سانز، ونيكي جام، وجاي بالفين، ودادي يانكي، وبيكي جي، وميا خليفة؛ علاوة على اعتراف الحكومة الكوبية بالأزمة ووصفتها بأنها «بالغة التعقيد» -إلا أنها رفضت الاقتراحات المقدمة من قادة هذه الجملات والهادفة إلى إقامة ممر إنساني لمساعدة الشعب الكوبى؛ ووصفت الحملة بأنها "محاولة لتشويه الحقائق"، بل قامت بإنشاء حساب مصرفي حكومى لتلقي المساعدات والتبرعات من الدخل الكوبى ورفضت تلقى  المساعدات القادمة من الكوببين العاملين فى الخارج.

لذا، نتيجة نقص الغذاء والدواء؛ وضعف استجابة الحكومة لمعالجة آثار تفشي جائحة فيروس كورونا في كوبا، بدأت سلسلة الاحتجاجات الشعبية ضد الحكومة الكوبية والحزب الشيوعي الحاكم في 11 يوليو من عام 2021 عندما خرجت مظاهرتان عفويتان على الأقل في سان أنطونيو دي لوس بانيوس، بالقرب من هافانا، وفي بالما سوريانو في مقاطعة سانتياغو دي كوبا، ترددان أغنية «باتريا إيا فيدا» (الوطن والحياة) بُثت مقاطع فيديو على وسائل التواصل الاجتماعي لمتظاهرين وهم يرددون شعارات «الحرية» و«تسقط الشيوعية» و«لسنا خائفين»، إضافة إلى متظاهرين يطالبون باللقاحات. نشرت وسائل الإعلام التابعة للمعارضة، مثل مارتي نوتيسياس، مقاطع فيديو على وسائل التواصل الاجتماعي لاحتجاجات على ماليكون في هافانا، وسانتياجو، وسانتا كلارا، وسييغو دي أفيلا كاماجوي، وبايامو، وجوانتانامو، وسان خوسيه دي لاس لاخاس وهولغوين وكارديناس. وفقًا لأورلاندو غوتيريز، المعارض المنفي من جمعية المقاومة الكوبية، كانت هناك احتجاجات في أكثر من 15 مدينة وبلدة في كوبا. طلب غوتيريز من حكومة الولايات المتحدة الأمريكية قيادة تدخل دولي يحول دون أن يصبح المحتجون «ضحايا حمام دم». ودعت حركة سان إيسيدرو المتظاهرين إلى السير إلى ماليكون في هافانا. 

غير أن الرئيس الكوبي والسكرتير الأول للحزب الشيوعي، دياز كانيل، أعلن فى بداية الاحتجاجات عدم مسئولية حكومته عن الأزمة الاقتصادية الحادة التى تمربها كوبا وأسند للحظر الذي تفرضه الولايات المتحدة ضد كوبا والعقوبات الاقتصادية مسئولية تردى الأوضاع التي أدت إلى الاضطرابات وأعمال الحتجاج الشعبى. ولم يكتف بذلك، بل اعتبر هذه الاحتجاجات مؤامرة دنيئة وشيطانية من جانب الإدارة الأمريكيية لهدم التجربة الكوبية ذات التوجه "الشعبى اليسارى الثورى"، والقضاء على الثورة الكوبية؛ وحث الكوبيين "الأوفياء" في بث تليفزيوني خاص على النزول إلى الشوارع في احتجاجات مضادة ردًا على المظاهرات والاحتجاجات الشعبية، قائلًا إنه «أعطي  الأمر بالقتال، إلى الشوارع أيها الثوريون».

وحشدت الأجهزة الحكومية الكوبية وفروع الحزب الشيوعى الكوبى المئات من الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 17 و22 عاما، علاوة على تجنيد المئات من العاملين بالأجهزة الحكومية والشركات المملوكة للدولة للعمل كمجموعات مضادة للمتظاهرين، علاوة على مساعدة أفراد الشرطة والأمن فى مطاردة المصورين والمراسلين الأجانب ومنعهم من تغطية المظاهرات والاحتجاجات؛ وضرب المتظاهرين المعارضيين للحكومة ومعاونة أجهزة الشرطة ورجال الأمن فى اعتقال  قادة المتظاهرين الذين وصل عددهم إلى اكثر من 560 معتقلا فى نهاية هذا اليوم.

 تسببت أعمال القمع التى مارستها أجهزة الشرطة والأمن فى اليوم الأول –والتى وثقتها كاميرات وموبايلات المراسلين وقادة المتظاهريين وتم نشرها على مواقع التواصل الاجتماعى، حيث نجحت الشبكات الخاصة الافتراضية فى تجاوز الحظر الحكومي  للإنترنت، والذى فرضته الحكومة فى بداية اليوم الثانى لأعمال الاحتجاجات– فى خروج المزيد من المظاهرات في كافة أنحاء كوبا؛ وزيادة أعمال وتصرفات أجهزة الشرطة والأمن فى اعتقال مئات المتظاهرين؛ والإخفاء القسرى للعشرات من الشباب المشاركين فى أعمال الاحتجاجات؛ وقيام أفراد الشرطة بإقامة المتاريس لغلق الشوارع الرئيسية أمام المتظاهرين ومنعهم من الوصول للمبانى الحكومية الرئيسية للاعتصام أمامها.

وفى هذا اليوم أيضا استمرت قيادات الحكومة الكوبية، وفى مقدمتهم الرئيس ديياز كانيل فى إنكار أية تجاوزات أو انتهاكات لأجهزة الأمن والشرطة فى فض المظاهرات وتحميل الولايات المتحدة وحدها مسئولية تنظيم وحشد هذه المظاهرات، حيث صرح فى حديث تليفزيونى حكومى استمر لأكثر من ساعة بأنه: «لقد توصلوا مسبقًا إلى حقيقة أننا نقمع في كوبا، وأننا نقتل، أين هي الجرائم الكوبية؟ أين هو القمع الكوبي؟ أين المغيبون في كوبا؟». وأعلن أيضا أن القيادة العليا للحزب الشيوعي الكوبي، بمن فيها السكرتير الأول الأسبق للحزب راؤول كاسترو، عقدت اجتماعًا تناول قضية الاحتجاجات وأصدرت بيانًا «يحلل الاستفزازات التي دبرتها العناصر المعادية للثورة، ونظمتها ومولتها الولايات المتحدة بهدف زعزعة الاستقرار؛ واتهم دياز كانيل الولايات المتحدة باستخدام سياسة «الخنق الاقتصادي لإحداث اضطرابات اجتماعية» في كوبا؛ ووصف الرئيس الكوبى المحتجين بـ «المخربين؛ وقامت أجهزة الأمن بإحكام السيطرة والغلق التام ومنع الوصول لمنصات التواصل الاجتماعي، مثل واتس أب وتيليجرام وفيسبوك وإنستجرام؛ والتوسع فى أعمال القبض والاعتقال  لعشرات المدونين وصانعى المحتوى على موقع يوتيوب.

التداعيات الداخلية للاحتجاجات:

لا شك فى أن الأزمة الحادة والصراع بين طرفى العملية السياسية فى كوبا، والتى تضم كلا من النظام الحاكم برئاسة الرئيس الحالى كانيل من جانب، وقوى المعارضة والاحتجاج الشعبى من جانب آخر؛ قد أفرزت عن بزوغ ظواهر جديدة وزيادة حجم وأثر ظواهر أخرى موجودة سلفا، من أبرزها ما يلى:

أ) دخول طلبة الجامعات والمدارس إلى حلبة الصراع بين النظام الراهن ومعارضيه: جاء دخول الطلبة كطرف حيوى فى الصراع بين المعارضة والنظام الحاكم برئاسة الرئيس كانيل فى نهاية اليوم الأول من الاحتجاجات الشعبية وعقب إصابة عشرات الشباب المشاركين فى التظاهرات بطلقات مطاطية فى الوجه خلال فض قوات الأمن لأعمال الاحتجاج التى جرت فى اليوم الأول ونجاح وسائل التواصل الاجتماعى فى نشر مقاطع الفيديو الخاصة بتجاوزات الشرطة ضد المتظاهرين عموما والشباب بصفة خاصة، مما أدى إلى تنامى وزيادة الشعور الشعبى برفض ممارسات الشرطة ضد المتظاهرين وخروج آلاف المتظاهرين للانضمام لأعمال التظاهر والاحتجاج فى اليوم الثانى مطالبين الحكومة بالتحقيق فى تجاوزات الشرطة واحترام حقوق المواطنين فى التظاهر وحرية الرأى والتعبير، والمطالبة برفع الحواجز التى وضعت لسد الطرق فى شوارع المدن الرئيسية فى كوبا. وقد عزز من مشاركة الطلاب فى أعمال التظاهر والاحتجاج إصابة واعتقال ثلاثة أساتذة جامعيين دون التحقيق فى ظروف إصابتهم واعتقالهم؛ وبالتالى انضمام أساتذة الجامعات إلى التظاهر والاحتجاج على سياسات الحكومة الكوبية التى فشلت فى إدارة الأزمة الراهنة –الناتجة عن تفشى الجريمة وارتفاع معدل التضخم ونقص المنتجات الأساسية وقمع المعارضين السياسيين، وفى مقدمتهم طلاب وأساتذة الجامعات- بعدما وصف  المظاهرات التى يشارك فيها طلاب وأساتذة الجامعات بأنها أعمال إرهابية يقوم بها "فاشيون وعملاء وخونة" يسعون إلى قلب نظام الحكم على غرار المحاولات التى جرت وتجرى فى عدد من دول أمريكا اللاتينية ذات التوجه الثورى، ومنها فنزويلا.

ب) تباين المواقف والسياسات الدولية من الاحتجاجات الكوبية: اختلفت المواقف والتوجهات الدولية من تطورات الاحتجاجات الكوبية، والتى يمكن تصنيفها وتقسيمها لتيارين رئيسيين يصطف كل تيار منهما وراء طرفى الاحتجاجات الكوبية، وهما الحكومة الكوبية من جانب، والمتظاهرين ومطالبهم "المشروعة والانسانية" من جانب آخر؛ وفيما يلى بيان حجج وأسانيد كل تيار على النحو التالى:

1) التيار الأول وتتزعمه الولايات المتحدة والدول الليبرالية فى أمريكا اللاتينية؛ تروج الدول التابعة لهذا التيار لقضية نشر ثقافة واحترام وتعزيز حقوق الإنسان فى الدول النامية عموما وكوبا على وجه الخصوص؛ وتقوم الولايات المتحدة والدول المؤيدة لتوجهاتها الليبرالية باستخدام المؤتمرات الدولية التى تدعو منظمة الأمم المتحدة أو المنظمات الإقليمية إليها لممارسة الضغط على كوبا وغيرها من الدول، مثل إيران وكوريا الشمالية، والتى لديها سجل طويل فى انتهاك حقوق الإنسان المدنية والسياسية لتعديل وتغيير سياساتها فى هذا الشأن، إلى جانب قيامها بتخصيص مبالغ سنوية من الميزانية السنوية الفيدرالية للولايات المتحدة لدعم المنظمات الدولية المعنية بالتنمية وتعزيز الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان، علاوة على تقديم الدعم المالى والسياسى لبعض المنظمات غير الحكومية المعنية برصد انتهاكات حقوق الإنسان فى كوبا وغيرها من الدول النامية، مثل منظمة العفو الدولية وهيومان رايتس ووتش.

وغنى عن البيان أن بعضا من قيادات المعارضة السياسية فى كوبا يستحوذ على إدارة عدد من الجمعيات والمنظمات النشطة فى مجال رصد انتهاكات حقوق الإنسان فى كوبا؛ لذا وفرت بعض تقارير هذه المنظمات مادة ومعلومات خصبة ووفيرة عن حدوث انتهاكات متعددة لحقوق الإنسان فى كوبا، اعتمدت عليها فى مرحلة تالية التقارير السنوية لحالة حقوق الإنسان فى دول العالم، والتى تصدرها وزارة الخارجية الأمريكية ويناقشها الكونجرس بمجلسيه الشيوخ والنواب، أثناء جلسات استماع وتقييم للسياسة الأمريكية تجاه كوبا. وقد اتجهت الرئيس الأمريكى بايدن والدول الداعمة للتوجهات الليبرالية فى أمريكا اللاتينية، ومن أبرزها البرازيل إلى استثمار تأييدها لمطالب المتظاهرين الكوبيين وتنديدها بسياسات القمع الحكومية واعتبارها فرصة أو نافذة لاستعادة نفوذها فى أمريكا اللاتينية وربما تسمح بتدخل أمريكي في الشئون الداخلية للبلاد، على نحو يُتيح لها دعم المعارضة التي كثيرا ما واجهت قيودًا شديدة على حرية حركتها. لذا اعتبر باييدن أن هذه المظاهرات والاحتجاجات هى وسيلة الشعب الكوبى للمطالبة بتحريره من النظام الاستبدادى وتعزيز الديمقراطية؛ وقام بايدن فى إطار دعمه وتأييده لمطالب المتظاهرين أو معاقبة المتورطين في قمع المعارضة الكوبية باتخاذ عدة إجراءات داعمة ومساندة، أهمها: فرض وزارة الخزانة الأمريكية في 22 يوليو الماضي سلسلة أولى من العقوبات المالية الموجهة ضد وزير الدفاع الكوبي، ألفارو لوبيز مييرا، ووحدة خاصة بوزارة الداخلية تعرف باسم "القبعات السود" انتشرت خلال المظاهرات لقمع المتظاهرين واعتقال قادتهم؛ وبموجب تلك العقوبات تم تجميد الأصول المحتملة لكبار مسئولي الشرطة في كوبا داخل الولايات المتحدة الأمريكية؛ كما فرضت وزارة الخزانة الأمريكية عقوبات على اثنين من كبار مسئولي الشرطة الكوبية (مدير ونائب مدير الشرطة الوطنية الثورية) بسبب ما وصفته الإدارة بـ"ارتكاب انتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان خلال الاحتجاجات الأخيرة ضد الحكومة"، بالإضافة إلى فرض عقوبات على الشرطة الوطنية الثورية بأكملها، علاوة على لقاء الرئيس بايدن في البيت الأبيض في نهاية يوليو الماضي، مع ممثلي المواطنين الأمريكيين من أصل كوبي، الذين دعوا الرئيس الأمريكي إلى اتخاذ المزيد من الإجراءات ضد حكومة كوبا؛ وتبنى سبل لدعم مطالب الشعب الكوبي في الحرية والديمقراطية.

ونجحت الإدارة الأمريكية فى التنسيق مع حلفائها داخل أمريكا اللاتينية وخارجها على حد سواء، من أجل تشكيل جبهة موحدة للضغط على النظام الشيوعي الكوبي، وصدر فى نهاية يوليو الماضى عن وزارة الخارجية الأمريكية بيان توجه فيه واشنطن دعوة إلى كوبا لـ"صون حقوق الشعب وإطلاق سراح المعتقلين على خلفية الاحتجاجات الأخيرةّ"، حيث أيد البيان دول: البرازيل وكولومبيا وجواتيمالا وهندوراس والإكوادور، إلى جانب كوريا الجنوبية والنمسا وبولندا واليونان وغيرها.

كما أعلنت الإدارة الأمريكية عن توفير خدمة الوصول إلى الإنترنت للكوبيين بديلا للحجب الحكومى، كما أنشأت مجموعة عمل لمراجعة سياسة التحويلات الأمريكية لضمان أن المزيد من الأموال التي يرسلها الأمريكيون الكوبيون إلى البلاد تصل مباشرة إلى أيدي عائلاتهم دون أن تقتطع الحكومة منها شيئًا.

2) التيار الثانى، والذى تبنته دول روسيا وفنزويلا والمكسيك والأرجنتين والصين، والذى أعلن قادته رفضهم للسياسات الأمريكية، ورفضهم التدخل فى الشئون الداخلية الكوبية، ومساندتهم للحكومة الكوبية فى مواجهة الضغوط الأمريكية؛ دون التطرق لأسباب المظاهرات ومطالب القائمين بها؛ فقد طالب الرئيس الأرجنتيني، ألبرتو فرنانديز، برفع الحصار الأمريكى المفروض على كوبا ووصفه بأنه «غير إنساني»، حيث يعانى الشعب الكوبى وليس الحكومة من تداعياته وآثاره، كما عبر الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، الحليف الوثيق للحكومة الكوبية، عن «دعمه الكامل» لنظيره الكوبي دياز - كانيل، وكامل الدعم لشعب كوبا، ولحكومة كوبا الثورية. وفى هذا التيار، حذرت روسيا الولايات المتحدة من التدخل في الشؤون الكوبية، أو محاولة زعزعة الوضع من خلال «أعمال مدمرة» كما أكد المسئولون الروس على أنهم  «مقتنعون أن السلطات الكوبية ستأخذ كل الخطوات الضرورية لاستعادة النظام الاجتماعي من أجل مصلحة المواطنين في إطار الدستور»، وهى ذات المواقف التى عبرت عنها الخارجية الصينية فى موقفها من أعمال المظاهرات ومطالب المتظاهرين

صور وأنماط استجابة الحكومة الكوبية للاحتجاجات:

أ) تعديل سلوك المسئولين الرسميين تجاه المواطنين ومطالبهم: رغم أن الرئيس دياز-كانيل كرر اتهاماته للولايات المتحدة، التي تعد المحرضة على هذه التظاهرات من خلال حملة على "تويتر" مع وسم "إس أو إس كوبا" (أنقذوا كوبا)، إلا أنه بدل خطابه ونمط استجابته لتطور الاحتجاجات، وهو ما وضح جليا فى نزول الرئيس دياز لمقابلة المواطنين فى الشارع الكوبى أكثر من ثلاث مرات خلال أسبوع واحد؛ وهو الأمر الذى سايره رئيس الوزراء وعدد من الوزراء؛ وأرجع الرئيس دياز تغيير موقفه من إدراكه لضرورة تغيير سلوك المسئولين الرسمين وحتمية استماعهم واستجابتهم لمطالب المواطنين حيث نوه صراحة لهذا التوجه الجديد فى مقابلة تليفزيونية جرت بعد أقل من أسبوع على المظاهرات، وأكد على أنه يتوجب "علينا أيضا استخلاص العبر من هذه الاضطرابات، علينا أيضا أن نجري تحليلا دقيقا لمشكلاتنا". واعترف الرئيس بوجود سيياسات وقرارات تبين عدم جداوها وإضرارها بحياة ورفاهية مواطنى كوبا ووعد بتحسين وتعديل هذه السياسات، نظرا لأن بين المتظاهرين كان هناك "أشخاص غير راضين"؛ و"ينبغي أيضا الاعتذار من أولئك الذين في خضم هذا الارتباك في هذا النوع من الأحداث، اعتبروا مثيري شغب، وتعرضوا لسوء معاملة". وأقر الرئيس دياز بأن التظاهرات أوقعت "عشرات الجرحى". لذا، أعلن إطلاقه "دعوة إلى السلام والتفاهم والاحترام بين الكوبيين"، وهو "الأمر الذي يجب علينا تشجيعه، حتى لو كانت لدينا أحيانا وجهات نظر مختلفة بشأن بعض المسائل، ووعد بإيجاد حلول للتقريب بين وجهة النظر والسياسات الرسمية ومطالب المواطنين المشروعة"، وقد أتت هذه التحركات ثمارها بعودة الهدوء والاستقرار للشوارع الرئيسية التى شهدت أعمال التظاهر والاحتجاج.

ب) الإجراءات التصحيحية العاجلة : طالب المتظاهرون، ومنهم مجموعة من المثقّفين والأكاديميين التى نشرت رسالة مفتوحة للسلطات باتّخاذ وتنفيذ بعض الإجراءات العاجلة الخاصة بتسهيل دخول السلع والمواد الضرورية والأساسية بعدما تسببت الأزمة الاقتصادية الخانقة في بلدهم بنقص حادّ في المواد الغذائية والأدوية. لذا، قررت الحكومة الكوبية السماح مؤقتاً وحتى نهاية ديسمبر 2021 للمسافرين القادمين من الخارج بـ  السماح بصورة استثنائية ومؤقتة بأن يجلب معهم الركاب في حقائبهم مواد غذائية ومنتجات نظافة وأدوية، من دون حدّ أقصى لقيمتها، ومن دون ضرائب جمركية عليها، في إجراء يلبّي أحد المطالب التي تم رفعها خلال الاحتجاجات التاريخية فى كوبا. كما أعلن رئيس الوزراء أنه سيسمح للسكان بشكل مؤقت بأن يقطنوا في مدينة أخرى، وأن يستفيدوا من دفتر الإمدادات "لا ليبيرتا" – والخاص بالحصول على الدعم المقدم من الدولة فى إطار منطقة جغرافية محددة هى محل الإقامة الدائم للمواطنين؛ فيما كان ذلك مستحيلا من قبل.

جـ) التعويل أو الاعتماد على إيرادات وموارد اقتصادية مستقبلية: تعتمد الحكومة الكوبية على المكاسب السياسية والاقتصادية التى سيحققها اللقاح الكوبى – المسمى عبدالله الذى أعلنت مجموعة «بيوكوبافارما» الدوائية الحكومية عن أن فعاليته وصلت إلى 92.28% فى مواجهة فيروس ووباء كورونا؛ علاوة على قيامها باستثماره المباشر فى  التخفيف من حدة الأزمة الصحية التي تعيشها كوبا، والتى تراوحت معدلات الإصابة اليومية فيها بين5 و7 آلاف إصابة؛ وأيضاً للتخفيف من الأزمة الاقتصادية التي يعيشها ذلك البلد المُحاصر، والذي يعاني بشكل كبير من تبعات العقوبات الأمريكية المفروضة عليه، جنباً إلى جنب وتبعات الوباء، والتي أثرت على قطاع السياحة، الأكثر أهمية بالنسبة للاقتصاد الكوبي.      
وتستهدف حكومة كوبا تلقيح 70% من السكان البالغ عددهم 11.2 مليون نسمة بحلول نهاية أغسطس الحالى، على أن يتم تلقيح جميع السكان قبل نهاية عام 2021؛ علاوة على الاستثمار الاقتصادى للقاح الكوبى، حيث رجّحت جريدة نيويورك تايمز، في تقرير لها فى بداية أغسطس 2021 أن «يعزّز معدل فعالية اللقاح المعلن عنه، الآمال في أن تساعد صادرات التكنولوجيا الحيوية في انتشال كوبا من أزمتها الاقتصادية»، لاسيما أن دولاً عديدة -من بينها المكسيك والأرجنتين وفيتنام وإيران- عبرت عن اهتمامها باللقاح الكوبي،وبالتالى يعد تصدير الأدوية والخبرات الطبية (باعتبار أن الأول مرتبط غالباً بالأخير) مصدراً مهماً للعملة الصعبة التى تحتاجها الحكومة في كوبا.

غير أنه يتعين في الوقت ذاته التنويه إلى بروز مجموعة من التحديات التى تواجه كوبا في ذلك الصدد، أبرزها «المنافسة الشرسة بين اللقاحات التي تم تطويرها من قبل القوى الكبرى»، حيث يعد اللقاح الصيني «سينوفاك» مهيمناً في دول أمريكا اللاتينية الأكثر تضرراً بالجائحة وبصفة خاصة فى البرازيل وشيلي والأوروجواي والسلفادور، لذا فإنه من الصعب على كوبا مواجهة هذا التنافس بلقاحها الذي عرف إقبالاً فقط من بعض الدول التي لها نفس التوجه اليسارى الثورى، مثل فنزويلا والأرجنتين.
نخلص مما سبق إلى نجاح الحكومة الكوبية حتى وقتنا الراهن فى معالجة أعمال الاحتجاجات والمظاهرات التى شهدتها كوبا فى منتصف يوليو الماضى اعتمادا على تعديل سياستها وإجراءاتها الاقتصادية العاجلة؛ علاوة على المساندة والدعم الدولى الذى حصلت عليه من دول صديقة لها، مثل روسيا والأرجنتين والمكسيك والصين؛ وفى ذات الوقت ضعف الضغوط الجديدة التى مارستها الولايات المتحدة برئاسة بايدن على الحكومة الكوبية. ومع ذلك تظل احتمالات تجدد اندلاع المظاهرات والاحتجاجات مرة أخرى فى كوبا مستمرة ومطروحة فى ضوء استمرار تردى وتراجع مؤشرات الأداء الاقتصادى؛ وضعف استجابة الحكوممة لمطالب المواطنين الاقتصادية والصحية المرتبطة ببقائهم على قيد الحياة.


رابط دائم: